التاجر و زوجته و المجنون و المليون دينار

بواسطة , أكتوبر 15, 2011 9:30 ص

سبب هذا المقال جاء بعد قصة حدثني بها صديق.
قال:” خسر تاجر ثري كل أمواله. جلس حزينا مكتئبا جدا تحت شجرة. بعد ساعات مر عليه رجل في الخمسين من عمره. سأله: ” مالك هيك حزين و عابس؟” أجاب التاجر:” خسرت كل أموالي و أفكر في الانتحار، لا حلول و لا فائدة من وجودي”. كبير السن: ” هذه مشكلتك؟ طيب أنا بدي أقرضك شيك بقيمة مليون دينار، خذه و حل كل مشاكلك و بعد سنة مثل اليوم بستناك هون و تعيد لي الشيك”. التاجر لم يصدق و فرح فرحا خزعبلاتيا حد الانبعاج. امتلأ بالطاقة الايجابية و ذهب راكضا لزوجته محدثا قصته.

قالت الزوجة: ” عندي فكرة؛ شو رأيك يا زوجي أن نحتفظ بالشيك و لا نتصرف به، و أن نبدأ بطاقة جديدة و نلملم أموالنا و ديوننا من الناس و التجار و شيئا فشيئا نعيد تجارتنا؟” الزوج قبل بالفكرة.
بدأ التاجر و زوجته العمل بهمة و نشاط تجميعا لأموالهم. بعد أشهر بدأت الحركة التجارية تعود كما كانت، و الطاقة تزيد و تزيد. مر عام؛ و حان موعد إعادة الشيك لكبير السن. حمل التاجر نفسه و الشيك و ذهب قبل موعد مقابلة الرجل العجوز بساعة. انتظر و انتظر، و بعد ساعات، مرت طبيبة من هناك. سألها التاجر: ” أنا انتظر رجلا عجوزا هنا، ما شفتي حدا؟”. قالت : ليش” قال أنه أقرضني قبل عام “شيك” على أن أعيده اليوم. قالت: ” و أنت أيضا أحد ضحايا هذا المجنون” إنه مريض يعاني من الخرف، و هذه ورقة لا قيمة لها يعطيها لكل الناس!”.


الطاقة الايجابية و الانجاز

قبل أعوام بدأت العمل على مشروع ” فلسطين جميلة” في فلسطين و بعض المدن الأوروبية. أخذت تسيطر على تفكيري من سنوات فكرة الطاقة “الخرافية” التي يمتلكها الإنسان و خاصة الفلسطيني. و فعلا بدأت العمل على مفهوم الايجابية الذي فتح أمامي أبوابا مستقبلية مهنية و تجارب حياتية مهمة و بسرعة زمنية كبيرة جدا، و لكن الأهم ما حدث معي من تصالح مع الذات، حينها أدركت سر الحياة في مقولتين: ” على هذه الأرض ما يستحق الحياة” محمود درويش؛ و عبارة ” لا يبني الثقة بالنفس واحترامها مثل الإنجاز” توماس كارليل.

مع بداية عام 2010 شعرت بكثير من الطاقة السلبية التي حاصرتني قائلة: ” يا سائد أنت تصور و تكتب عن فلسطين الخيالية، أين  ذلك الجمال” و ظلت هذه الأقوال تدور من حولي حتى وضعتني في مكان الوسط. أكتب عن سلبيات فلسطين و ايجابياتها. اتجهت في مقالاتي نحو الطابع النقدي الساخر من المجتمع الفلسطيني و العربي سياسيا و اقتصاديا و فكريا و مجتمعيا باحثا عن الوسطية بين الايجابية و السلبية، و ها أنا أعود بعد سماعي قصة التاجر و الشيك، أقول :” افتخر أنت فلسطيني عربي”.

صحيح هناك الكثير من المشاكل التي لا تعد و لا تحصى بمجتمعاتنا، و لكن و فعلا هناك الحياة و جمال الطبيعة و جمال البشر و روحهم. على الرغم من كل محاولات العالم تشويه ذاكرتنا و إطارنا المرجعي و غسيل للدماغ، إلا أن الثورة المصرية و التونسية جاءت بمطر نقي حر غسل المنطقة و غير الصورة و أثبت للعالم أننا شعوب قوية مثقفة لا شيء يغير نقائها الإنساني العربي.

خلال زيارتي الأخيرة لتونس في 2 تشرين الأول 2011 قابلت العديد من الأصدقاء الكتاب و المدونين و المصورين و النشطاء الذين غيروا شكل خارطة العالم العربي بطاقاتهم و عقولهم، و رأيت في قلوبهم و عيونهم حبهم لفلسطين. السبب أننا كفلسطينيين نفتخر بذلك، و بالتالي فإن افتخارنا بانجازاتنا العلمية و الثقافية و الأدبية و المجتمعية و المؤسساتية – التي عانت و مازالت من كل وسائل التهميش و التدمير الإسرائيلي و العالمي و حتى السياسات العربية و سياسة الأحزاب الفلسطينية الفاشلة -  قد نقل هذا الافتخار الطاقة العظيمة لقلوب أصدقائنا العرب و هذا زاد من حبهم لنا.

اليوم نحن الشباب، أثبتنا للعالم أننا نملك من القوة ما لا يملكها أي شاب في العالم. نملك سلاح الإيمان بالتغير الحقيقي، نملك سلاح البناء و التطوع، سلام الانجاز الذي يزيدنا احتراما في عيون العالم. اليوم نحن أمام ثورات عربية أطلقت سراح بعض السجناء، أمام ثورات فكرية و مجتمعية تحتاج لبعض من الوقت كي تغيير الماضي الحقير.

إذا نظرت عميقا في داخلك فأنت فلسطيني عاش تحت ظلم العالم أجمع و تحت نظام التجهيل و التدمير المبرمج، و لكننا الآن نظهر في كل زاوية في العالم. عندما تسمع عن نجاح اقتصادي أو علمي أو ثقافي في بؤرة في العالم، فإنك تدرك أن من ورائها هو فلسطيني أو عربي، و هذا ما يخيف العالم و إسرائيل و هذا ما حاولوا تغييره في نفوسنا كي نزيد من حياتنا سلبية و فشلا على فشل.

فعلا؛ نجحنا و سننجح في البناء بعد كل محاولات الطمس، سنغير شكل العالم مع الوقت، و هذا ليس تنظيرا، و لكن التاريخ يقول ذلك، فما من شعب تحت احتلال و قمع إلا و انتصر و نجح. و نحن الفلسطينيون و العرب بأمس الحاجة  لمزيد من العمل و الثقافة و العلم و الطاقة. أيها الفلسطيني و العربي افتخر، فأنت إنسان حر.

سائد كرزون
15.10.2011

Be Sociable, Share!

4 ردود على “التاجر و زوجته و المجنون و المليون دينار”

  1. كل التحية لك زميلي سائد على ما خطت يدك من كلمات وعبارات ترفع بها طاقتنا الايجابية وثقتنا بانفسنا باننا قادرون دائما وبادا على إحداث التغيير نحو الأفضل ونحن لها بإذن الله … كل الفخر بانك فلسطيني وكل لافخر لنا بانك من فلسطين .. نتعلم منك الكثير الكثير ونكتسب منك الكثير لاكثير من الطاقة الايجابية وهي حقيقة ولييست مجاملة .. كل التحية والاحترام لك يا صديقي :)

  2. أتفق معك كليا صديقي, لسبب ما لم أستطع قراءة مقالك الا اليوم- أي 10 ايام بعد نشره, و الحقيقة اني كنت امر بضائقة نفسية كتلك التي اوردتها بمقالك. يكفي قولا كون كلماتك قد أعادت الابتسامة و التصميم الى وجهي..كل رغبة في العمل و كل الشكر الك صديقي :)

  3. عزيزي سائد
    من نلتقي من العرب في الخارج من الشباب العرب بحبونا وبحبو فلسطين….المشكلة حالة الضياع التي نعيش في هذه البلد بسبب فشل رجال السياسية في شقي الوطن.
    تشعر أن مهمتهم هي زرع الاحباط في نفوس هذا الشعب بشبابه وشيبه وحتى في نفوس أطفاله.

  4. ستبقى دوماً متألقاً في كتاباتك واحساسك الذي يتنفس بالحب ويتغذى على الأمل

اترك رد

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash