حاليا في فلسطين: كل شيء ب 100 شيكل

بواسطة , يناير 15, 2011 7:25 م

دخل الأب منزله بعد يوم عمل شاق أمضاه راكضا بين الزقاق وبالوعة المجاري باحثا عن رزق عياله. جاءت طفلته راكضة نحوه، قالت: يابا فش عنا خبز. الأب اكتفى بجواب واحد: كمان شوي يابا بروح و بجيب خبز. في اليوم التالي؛ زوجته سألت: بدي اطبخ للولاد و ما في غاز. في اليوم الثالث: بدنا بندورة و خيار و بصل…

مرت الأيام و غلاء المعيشة يقتل هذه العائلة ببطيء شديد. في يوم مرضت الطفلة. زادت حالتها سوءا. تم نقلها إلى المستشفى. بحاجة لعملية تكلفتها تزيد عن 1000 شيكل. لا نقود، لا عملية. بعد شهر، الطفلة تموت. و بعد شهرين الأب يختفي كي يجده جيرانه مرميا في مياه المجاري بعد أن انتحر…

هكذا انتهت دقات قلب المواطن الصالح عندما أدرك أن سعر جرة الغاز ستزيد عن ال 75 شيكل. تذهب إلى الحسبة كي تشتري ( أكم حبة ) بندورة، خيار أو بصل، كي تخرج حاملا عددا من ألأكياس بقيمة لا تقل عن 100 شيكل. نحن شعب الخبز، لذلك يستغلوننا بالضغط و رفع سعر الخبز، كي تبقى السيطرة على العقول من خلال البطون.

اتجه إلى الملحمة. طبعا فكرة شراء لحمة طازجة، اختفت منذ سنين، فما بالكم في أيامنا هذه. و لا تفكر في شراء 5  دجاجات، لأنها ستزيد عن ال100 شيكل. اعتقد أن الناس خلال العامين القادمين ستتخلى عن الدجاج و تأكل بعضها.

نصل ألان إلى الصيدلية. حينها تكتشف أنك في نيويورك، لأنك لا تملك ثمن علبة الحليب لطفلك الرضيع، أو حتى شراء قطرة عيون لأنها تزيد عن 24 شيكل. و هذا السعر يزيد كل يومين بقدرة قادر. الخ..

سؤال: لماذا – كلنا – نهز الرأس و نكتفي بأن نكون كخراف الرب في الحظيرة؟

سؤال: من سيقرأ المقال الجنوني هذا؟ أمي، أمك، أبوك، جدك، جدتي، ذلك التاجر صاحب الكرش المنتفخ، المسؤول الجالس خلف كرسيه يشرب القهوة صباحا و مساءً، أم المنقسمون في غزة و حياة الأنفاق، المدرَس الذي يفكر بسعر جرة الغاز، الشباب الذي يفكر بشراء سيارة العمر، مافيا الثقافة التي تأكل الأخضر و اليابس، المؤسسات الماصة لدماء الأطفال، الإعلام المنافق، الأموات في المقابر المفقودة، الشعراء الرومانسيون، المثقف النحيل في برج ايفل، الشرطي الذي ” بطقس” على أمي و أمك و أختك…؟

صحيح أنني أرى في الكتابة عنصر حقيقي للتغير، إلا أنها و بكل تأكيد ستظل محصورة في قطاع واحد و بين عدد قليل من القرَاء، لذلك يجب أن نقرأ و نشعر و نحمل هذه الرسالة في مضمونها إلى كل شخص يمشي في كل زقة، كي نضمن التغيير الحقيقي و ليس الافتراضي. فنحن بحاجة إلى إحساس بمعنى الخطورة التي نمر بها، و الشعور بالمسؤولية الجماعية المجتمعية و إنسانية الأطفال التي تموت جوعا. أن نسأل أنفسنا: إلى متى سنبقى نهز الرأس و نأكل العشب و نشرب الماء و نحن ندفع ضريبة غير معروفة القيمة؟ لماذا تأتي فاتورة الكهرباء و لا نسأل عن تلك الأرقام؟ لماذا لا نعيد قراءة فاتورة الهاتف و تفاصيل عمليات الدفع و نعيد التفكير بآلية عمل تلك الشركات المسيطرة؟ لماذا إعلامنا الفلسطيني يكرس كل أمواله لإظهار الانقسام الداخلي و لا يقدم تقريرا نقديا للسياسات الاقتصادية المعمول بها – مجهولة النتيجة –  و يشرح تفاصيل الأرقام للناس؟

لماذا لا نقرأ؟!

أين هم المثقفون؟ هل يمارسون عادة الكتابة في باريس، أم في أجواء رومانسية إبداعية تحتاج إلى إضاءة خافتة حمراء، تساعد على الوصول إلى النشوة الجنسية في النص؟ أمَا الشباب فتصبحون على خير و أحلام سعيدة، و أنا اكتفي بترك قلمي الملعون صاحب الفلسفة الحقيرة.

طبعا سأتوقف عن التساؤل كي لا ارقص مع جسدي، و ظل جسدي يقف على الرصيف ضاحكا أو ينتظر موتي تعبا أو جنونا… أو بالايدز. الجملة الأخيرة كافية كي تحلل الواقع…

سائد كرزون

15/1/2011

Be Sociable, Share!

4 ردود على “حاليا في فلسطين: كل شيء ب 100 شيكل”

  1. لم تضرب فقط يا صديقي سائد على الوتر الحساس بل عزفت على اوتار العود الثمانيه ووسعت بين الزند والصندوق الصوتي لنستوعب عزفك
    الى متى هذا التصاعد الغير مبرر في الاسعار لو رسمنا خريطة الاسعار على المستوى الديكارتي لوجدنا ان هنالك احداثيات جديده ظهرت في المستوى السيني والصادي
    هل تتناسب القيمة الشرائية للسلع مع دخل المواطن اتوقع انها اسطوره لو قلت لي نعم
    اتحدى كل من يقرأ هذا المقال بأن هنالك فتره مر بها شعبنا كهده الفتره في ظل تردي اقتصادي واثقال عام على كاهل المواطن
    اين تذهب اموال المساعادات الخارجية
    اين تذهب عائدات الصادرات الفلسطينيه
    وظرائب الدخل عوائد مخالفات السير…………….. الخ الخ الخ
    الى متى هذه الاستخفاف بعقول الشعب والتغطية الساذجه البعيده عن الواقعية في شرح العجز
    ولكن حذرا حذرا انتبهو لكل قاعدة شواذ ولكن قاعدة الضغط يولد الانفجار اثبتت انها لا تسمح بتغيير منطقها كأنها مسلمة في علم الرياضيات

  2. محمود البربار قال:

    اما الشباب فتصبحون على خير واحلام سعيدة

    مقال او قصة كتير حلوة
    ولكن ان كانت ادوات التغيير نائمة وهم الشباب وفى احلام لا اعلم متى تصحو
    فى اعتقادى نحن بعيدون كثيرا عن التغيير
    اليوم افكر فى الزواج ولااعلم اى مستقبل ينتظرنى انا وزوجتى واولادى

    الخيارات ليست كثيرة وادوات التغيير ليست بعيدة ولكن الارادة غير موجودة
    اشرك انك مازلت قادر على الكتابة والدعوة للتغير
    واتمنى ان يقرأ الجميع مقالك كما قرأته انا

    محمود البربار
    ناشط شبابي
    غزة الصمود

  3. حسناء قال:

    سؤال: لماذا – كلنا – نهز الرأس و نكتفي بأن نكون كخراف الرب في الحظيرة؟
    اذا بتلاي الجواب احكيلي،

اترك رد

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash