لست رقما..

بواسطة , يونيو 4, 2010 12:52 م

اخذ مني هذا المقال وقتا غريبا في التحضير قبل خروجه إلى حياة الأرقام كي يصبح رقما لعدد مقالاتي! ليس لصعوبته أو تعقيده اللغوية، بل لان الأرقام كثيرة حولنا، و الاستغراب أننا لا ننتبه لكوننا أصبحنا أرقاما و  لا ننظر إلى حقيقة وجودنا الرقمي الذي و بناء عليه قد تم بناء إطارنا المرجعي و تصميم جهازنا الحاسوبي.

نحن لسنا أرقاما في مقبرة الموتى، و رجائي الحار أن يتم دفني ووضع تفاصيل اسمي الرباعي بلغة عربية سليمة على صخرة الموتى، فانا لست رقما قتله الاحتلال أو الاقتتال الداخلي في مجزرة جماعية.

لأنهم في تلك الأمسية الثقافية المسرحية أو الموسيقية يبحثون عن عدد كبير من المتفرجين من اجل إنجاح العرض و التقاط   صور للتقرير السنوي المالي، و إثبات أن العمل نجح؛ فإنهم يعتبرونني رقما يجلس على الكرسي. لست رقما، فقط اطلب باحترام عقلي و تقديم عمل موسيقي أو مسرحي يحترم مستوى تفكيري و عدم الاستهتار بالجمهور الكريم.

في ذلك اليوم يصلني هاتف ساخن سريع يطلب مني حضور ورش شبابية نقاشية حول موضوع “الإجهاض”! استغرب. طيب و ما علاقتي بالإجهاض؟ الحضور هو الأهم و لاحقا تعرف التفاصيل و هناك بوفيه مفتوح بعد الورشة. و أقول لكم: أنا لست رقما في تلك الورش.

اذهب إلى الجامعة، و أهم الجامعات الوطنية في المنطقة المحظورة، كي اكتشف أنني رقم يحمل قسطه السنوي قبل أن يضع قدمه اليسرى و ليست اليمنى أو حتى قبل دخول حمام الجامعة، لان عملية استخدام الحمام أصبحت تحتاج إلى تصريح دخول وميزانية بأرقام و فواتير لشركة المياه، و إلا سيتم قطع الماء لعدم التسديد و دون سابق إنذار. و يا حبيبي إذا طفحت مجاري الجامعة…

هنا حالة الاستغراب الوطنية من الدرجة الأولى. ففي الفترة الأخيرة أخذت البلديات تضع صناديق صينية الصنع مكتوب عليها “ادفع هنا” عند كل منطقة فيها مجموعة أمتار فارغة كي نكتشف أنها أصبحت موقفا للسيارات. و فهمكم كفاية.

إذا دخلنا عميقا في ميزانيات المشاريع و المخططات القانونية لكل وزارة فلسطينية، فإننا نكتشف أننا أمام جبال عظيمة من القوانين و الأرقام و النسب المخطط للقيام بها و انجازها في عام ليس له رقم. فمثلا هناك 82 قانونا بيئيا يهدف إلى تطوير البيئة الفلسطينية كي تصبح أكثر جمالا من روما. و ميزانية بأرقام خيالية لوزارة الثقافة تهدف إلى خلق سينما شبابية و شراء كاميرات و معدات ضخمة لصناعة الأفلام. و مؤتمر الاستثمار يتحدث عن ملايين الدولارات التي لا تأكلها النيران. و لكن اين كل هذه الأرقام و النسب عن الشارع و حقيقة الوجود المساحية. فلماذا يضحكون علينا باعتبارنا مواطنين بجوازات سفر تحمل رقم المواطنة؟

كي انهي حالة استغرابي الجنونية، فكل هذا الكلام المنصوص السابق هو تفاهة القول أمام المعادلة الحسابية الأصعب و الأكثر ألما عندما نقول: أنت من أراضي 48، و أنت من أراضي 67، و أنت صفر 7. سحقا للمعادلات، فانا لست رقما.. لست رقما.. لست رقما…

سائد كرزون
3/6/2010

Be Sociable, Share!

2 ردود على “لست رقما..”

  1. للاسف الشديد الكثير منا هم ارقاما ولكنا نرددها من خلفك نرفض ان نكون ارقاما بل نريد ان نكون اناسا لهم بصمتهم على هذه الارض وفي هذه الحياة ….. ذكرتني بمسرحية الفيل يا ملك الزمان للكاتب السوري سعداله ونوس وكان شريط المسرحية عرض امامي خلال قرائتي لكلماتك

  2. saedkarzoun قال:

    اذا على الاقل رفضنا فا نحن في الاتجاه الصحيح يا ايمان

اترك رد

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash