بين الواقعية الإعلامية و التمثيل

بواسطة , ديسمبر 23, 2009 8:49 م

اجلس أمام التلفاز، أو أستمع للراديو، أو أقرأ الصحيفة والانترنت باحثا عن المعلومة الصحيحة في خضم هذا الكم الهائل من الوسائل أو الأدوات السحرية، كي أرى الإعلاميين من مقدمي برامج، وأخبار، وفن و ثقافة، قد تحول معظمهم إلى ممثلين خبراء في صناعة الحركات البهلوانية.

في أيام الجامعة، كنا نتعلم كيفية إرسال رسالة إعلامية و كأننا نتحدث مع “ستّي” يعني جدتي، أي أن تكون رسالة بسيطة مفهومة بلغة صحفية تحمل قيمة في مضمونها و بعدها اللغوي و الفكري.

أصبح للمتفرج، والمستمع أو القارئ قدرة عالية على تحليل الخطاب الإعلامي وأداء الإعلاميين، كما أصبح له قدرة عجيبة للتمييز بين الإعلامي الممثل و الإعلامي البسيط، و عندما يشم رائحة النفس الكريهة في التمثيل، فانه يدير المحطة، أو يشطب الصفحة أو يكسر الراديو…

أتعمق أحيانا في أداء الإعلاميين مثل مقدمي برامج الجزيرة، فأرى مهنية ذكية جدا، تمزج بين التمثيل وبين الواقعية بإرسال رسائل بسيطة ذات مضمون إيديولوجي، و هنا تكمن خطورتها في التلاعب بعقول الجمهور، ولكن عندما أرى برنامج ” الاتجاه المعاكس” اشعر بتمزق أحشائي بسبب طرق طرح القضايا والحوارات المتذاكية الغبية، حيث أصبح المقدم حكما في حلبة مصارعة أو ممثلا في مسرحية معروفة شخوصها مسبقا والنهاية تشبه تلك التي نشاهدها في الأفلام المصرية الهابطة.

أما برنامج “صباح العربية” المباشر، فهو الأكثر استفزازا، أشم رائحة التكبر تخرج من نفس المقدم محمد أبو عبيد، انا لا اعرفه شخصيا، و لكن أرى هذا التكبر في خطابه الإعلامي، حركاته، طرق تقديم المعلومة، طرح القضايا والأسئلة، في تلك اللحظات اشعر بهذا الخط المتعالي متناسيا أن الجمهور يعتبر الطرف الأهم في هذه المعادلة الإعلامية، مما يؤدي إلى الخروج عن فكرة البرنامج في طرح و تقديم فكرة ثابتة و مستقرة تحمل رسالة واضحة غير مشوشة من قبل المقدم و تدخلاته الارتجالية ظننا منه انه يتحكم بزمام الأمور و عجلة الحلقة، و كل هذه الثقة الزائدة تؤدي إلى خربشة فكرية عند المتلقي و بالتالي تشتت فكري و إعلامي و الانتقال إلى قناة أخرى ببساطة. في المقابل لو نظرنا لبرنامج ” خليك بالبيت” للإعلامي زاهي وهبة، حينها ننظر بعين الاحترام و التقدير، فهناك عدد كبير من المشاهدين، قوة في المضمون، و في التعبير و الطرح و التقديم، و من هنا يأتي النجاح في الرسالة و المرسل و استقبال المتلقي رسالة واضحة المعالم.

وبخصوص مقدمي برامج الراديو، فإنهم يسعون دائما إلى تقليد الغير، و لا يسعون إلى خلق و عكس ذاتهم التلقائية في طرق التقديم الإذاعية من حيث التلاعب بالصوت و الشد على الحنجرة حد الاختناق و الأمواج بين هذا الحرف و ذلك، و لن أتطرق إلى الدلع الزائد عن حده و تحول المقدم إلى الضيف، حيث انه يطرح الأسئلة و يجيب عليها بنفسه عندما يستمر بتقطيع الضيف، سؤال ينزل و سؤال يطلع . بالتأكيد على المقدم أن يلون في إيقاع لغته، ولكن ضمن المضمون و ما يخدم الفكرة، و ليس حد الجنون، و يجب أن نشعر بإيقاع البرنامج و توازن اللحن الموسيقى في طرق التقديم و الإخراج و الإعداد و طرق طرح السؤال.

و من ناحية كتَاب الأعمدة في الصحف، اعتقد أن جزءا منهم تحول إلى منظر، فقط يطرح الفكرة و يهرب بعيدا دون النظر إليها أو حتى الالتزام بتطبيقها و أن يكون مثالا لما قاله للغير، و هذا اعتقد انه تمثيل لغوي يتحول إلى جسدي من خلال ردود الأفعال الجماهيرية، و بالتالي يفقد الكاتب مصداقيته أمام قرائه، و في هذه الحالة اقلب الصفحة.

لكن السبب الذي دفعني لأن اكتب عن التمثيل الإعلامي أيضا، هو تحول الشيوخ و الدعاة إلى نجوم و سوبر شيخ في تقديم برامجهم الدينية، و أصبحوا يركزون على الشهرة و التمثيل في طرح قضايا إعلامية دينية خطيرة جدا تخص الحالة الشخصية و الجماعية، تكمن في طرق إنكار الآخر، وكأنهم الوحيدون في الساحة، عداك عن الدخول في أسئلة تأخذ حلقات و كأنها خطب الجمعة، فقط يبحثون عن وسيلة لإدخال المعلومات في عقول الناس، و هذا سببه التزايد الغريب و السريع للقنوات الدينية المرئية و المسموعة و المقروءة.

سبب آخر لطرح هذا الموضوع هو مشاهدة المقدمة هالة سرحان، التي اعتبرها كبيرة الممثلين، من حيث التلاعب بالحركات و الأحرف حد القرف الإعلامي و البعد عن قيمة المضمون و دقة المعلومة، والشيء ذاته في البرامج التجارية مثل برنامج “احمر بالخط العريض” على قناة أل بي سي عندما يستخدم ضيوف البرنامج و قصتهم الإنسانية و يحولهم إلى سلعة للبيع و شراء أصوات المشاهدين، و خاصة في طرق طرحه التي تعدت المهنية و أصبحت تمثيلية رخيصة لا هدف و لا مضمون.

في نهاية هذه المسرحة الإعلامية، استذكر كلمات مخرج مسرحي أثناء حديثه مع طالبة: ” أنت ممثل، و يجب ألا تمثل، عندما تمثل يجب أن تتوقف عن التمثيل”.

انظر بعين المترقب للواقع الإعلامي العربي في طرق الطرح والتأثير والتلاعب بالعقول، حيث أن التزايد الهائل في الوسائل الإعلامية بأنواعها أدى إلى ظهور عنصر الإثارة و طرق شد انتباه المتلقي بأية طريقة و وسيلة كانت، مما دفعهم للانتقال بعيدا إلى كوكب آخر و إهمال المضمون و طرق الطرح و احترام المتلقي. آمل في الوصول إلى البساطة في التقديم، والتعمق في المعلومة واحترام عقول الجمهور والمتلقي، فهو أكثر ذكاء مني و منك. فتوقفوا أيها الإعلاميون الممثلون عن تحويل الفرد إلى سلعة رخيصة من خلال الانحدار في المفاهيم و الأفكار في طرق عرضها سواء بالأفلام الهابطة أو البرامج التجارية وغيرها في معظم القنوات والوسائل الإعلامية.

“تذكروا أن الثقافة هي ما نحتاجها كي نعكس وجهنا الحقيقي للعالم. نحن بشر، و الروح فينا، أما أن نكون باحترام، أو لا نكون، والأطفال يطيرون فوق الجدار، ومازالت أصابع الأكورديون ترقص وترقص وترقص في شارع الأوراق الصغيرة”.

سائد كرزون

20/12/2009

رام الله- فلسطين

Be Sociable, Share!

رد واحد على “بين الواقعية الإعلامية و التمثيل”

  1. [...] Original piece in Arabic by Saed Karzoun Translated by Raghda Butros [...]

اترك رد

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash