عطر الإنتاج الفلسطيني.. وطن ع وتر

بواسطة , سبتمبر 16, 2009 9:03 ص

قديما منذ زمن، لم نعد نرى الشباب يتحدثون، يفكرون بصوت مرتفع، خوفا من عمليات التصحر السياسية التي باتت تأكل الأخضر و اليابس و حولت الجبال الخصبة إلى صحراء فيها أعاصير جافة من الإبداع الفكري الثقافي، السياسي و الاجتماعي.

هنا، و ألان يظهر عمل شاب مهني، على شاشة تلفاز توفت منذ القدم، حدث كوميدي سياسي اجتماعي، جمع بين الشاب و الصبية، الحمساوي و الفتحاوي و الجبهاوي و غيرهم إن وجد في العراء احد، خلق ثقافة باتت معركة في خضم المعترك النفسي و الكبت اللغوي و منع الفم من التحدث لسنوات.

المسلسل التلفزيوني ” وطن على وتر”، أرى فيه صفات الشابة الجميلة، التي خرجت من نطاق الاهتمام بشكل أظافرها، و تخصيص ميزانيات دول لماكياجها، إلى مرحلة الولادة العصرية في طرح وجهت نظرها كفتاة تعيش في مجتمع لا يرحم، تغوص في عمق الحقيقة مكتشفة الوجه الأخر للذات. ” وطن على وتر” أصبح المتنفس الضاحك الجريء لكل الفلسطينيين، فهذا العمل الفلسطيني الأول الذي تابعه الناس بشغف كبير، لأسباب تعدت الضحك، و عفوية الشخصيات و التلقائية، إلى طرح قضايا سياسية حساسة و ساخنة جدا حتى الاحتراق.

إذا ذهبنا عميقا في دراسة فكرة المسلسل و سبب التفاف الناس حوله، فإننا نرى فيه فسحة التنفس المريخية الذي خلقه لنا في مرحلة وصلت بنا نحو الغيبوبة بين حروب حماس و فتح، بين عمليات تهويد القدس التي لا يعلم عنها احد من شبابنا بشكلها الحقيقي الإجرامي، وبين الوصول لمرحلة القرف السياسي و الاجتماعي الذي وصل له الفلسطينيون، فطرح هذا العمل، أيقظ عيون الكثيرين وقت السحور كي ترى وجها آخرا لعفوية البسطاء في شارع انقطعت عنه الكهرباء و الماء و وسائل الاتصال الجماهيري، و عدم التقييد في حزب دون أخر، فالكل أكل نصيبه على الفطور..

من جهة أخرى، نرى أن نتاج العمل الفلسطيني وصل مرحلة هامة من تقديم عمل جميل في طرق إنتاجه من حيث الإخراج و التصوير و هندسة الصوت و الإضاءة، و من هنا أعاد إحياء الموتى و تذكر قناة فلسطين الفضائية، ليجمع الناس من كل الطوائف و الأحزاب الفكرية حول شاشتها التي افتقرت لهذا الكم الهائل من عدد المتفرجين أو حتى لهذا الكم الذي لم يشاهد القناة أصلا من قبل، فهذه خطوة ايجابية يجب على العاملين في هيئة الإذاعة و التلفزيون الاستفادة منها، والسعي نحو التواصل مع الجيل الجديد الإبداعي دون تدخل الكلاسيكية الهرمة و الحد من الأفكار الشبابية الخلاقة و التي تهدف إلى رفع المستوى الثقافي العام و لفت انتباه العالم و عكس الصورة الحقيقية للشباب الفلسطيني.

الفجوة التي اعتبرها خطا ليس بسيطا، هو ظهور الأخ ياسر عبد ربه في إحدى حلقات المسلسل، فانا اعلم و اقدر تماما أنها خطوة جريئة جدا و غريبة من نوعها في عالم الدراما، فمن جهة قدمت استغرابا ممزوجا بين علامات التعجب و الاستفهام، وبين التفاؤل من جهة أخرى. إن دخول الأخ عبد ربه، اضعف النص، و خصوصا عند ذكر اسم صائب عريقات و إثارة الضحك حوله، هنا شعرنا باستغلاله الحلقة للاستهزاء، أو من باب استغلال شعبية المسلسل و الوصول إلى عدد كبير من الناس و كسب تعاطفهم من خلال ظهوره بتلقائية، و بالتالي التحضير للانتخابات إن ۥعقدت مستقبلا…!

نهاية القول، نشكر القائمين على العمل من ممثلين و مهندس صوت و إضاءة و إخراج و تصوير، و نتمنى الارتقاء المستمر للإنتاج الفلسطيني ليخلق لنا مثل هذا العطر الزيزفوني، الذي خلق فرصة للحديث في التوابيت السياسية و الاجتماعية، مكونا صعقة كهربائية لعقول الشباب و الانتقال إلى مرحلة الإبداع الواقعي.

سائد كرزون

15/9/2009

Be Sociable, Share!

اترك رد

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash