هيّ فوضى…هيّ كده!

بواسطة , أغسطس 3, 2009 2:43 م

كان ذالك أول برنامج إذاعي لي في راديو مونت كارلو الدولية في باريس، فقد طلب مني منسق البث حنا مرقص أن اذهب إلى السينما وأشاهد فلم «هي فوضى» ليوسف شاهين ومساعده في الإخراج خالد يوسف، وان أسجل تقريرا نقديا عن الفلم.

هذا أول فلم ليوسف شاهين أشاهده مباشرة بعد إنتاجه على شاشة السينما، يعني «طازه» وليس بعد شهرين أو أكثر. مشكلة السينما العربية، بشكل عام، أنها تهتم بسينما «الهشك بشك» الأمريكية. تعرض هذه الأفلام مئات المرات قبل أن تعرض أفلاما ذات قيمة ومضمون تكتفي بعرضها مرة واحدة فقط.

في اليوم الثاني ذهبت مساء للمشاهدة، وهناك صدمت!

بدأ الفلم بعاصفة جماهيرية توضح فكرته من اللقطات الأولى للمشهد الأول عند قيام رجال من الشرطة المصرية بقمع مظاهرة شعبية سلمية بالعصي والاعتقالات. هذه اللقطات ذكرتني بمشهد مشابه تماما حدث قبل أشهر في رام الله وبنفس الطريقة. العقل واحد على ما يبدو ولكن العصي مختلفة. هذا الوضوح السريع، ومنذ اللقطات الأولى للفلم، أذهل المشاهدين. منذ سنوات كان يوسف شاهين يعكس في أفلامه أفكارا خاصة ورؤيا سينمائية معقدة نابعة عن خبرة عميقة في هذا المجال، وكان جواب الجمهور على أفلامه: «لم نفهم شيئا».

كتب السيناريو ناصر عبد الرحمن، وصوره رمسيس مرزوق. تدور أحداث الفلم حول قضايا سياسية ساخنة تنمو في عالم السكوت والكواليس وفي الزمن المضارع، أي مصر المعاصرة وما وصلت إليه من سوء في الوضع السياسي والاجتماعي. الفلم يتحدث عن مصر على وجه الخصوص، إلا أن العالم العربي أجمع يعاني من نفس الحالة المرضية العقيمة؛ من انفلات سياسي وإداري واجتماعي وغيره، نتج عنه سوء في الوضع الاقتصادي والتعليمي.

يقوم الفلم على شخصية خالد صالح في دور حاتم، أمين شرطة يسكن في حي شعبي، تجاوره في السكن منى شلبي في دور نور الشابة الحسناء المقيمة مع والدتها هالة فاخر في دور بهية. نور تعمل في التدريس في مدرسة تديرها الناظرة هالة صدقي في دور وداد والدة يوسف شريف الذي اسمه في الفلم أيضا شريف، تعبيرا عن شخصيته الصادقة والايجابية. شريف وكيل نيابة شاب، يحب نور بعد أن ينهي علاقته بفتاة مدمنة على المخدرات تدعى سينديا.

حاتم أمين الشرطة الفاسد سياسيا وأخلاقيا، يحكم الحي الذي يعيش فيه بالقهر والقمع ويستخدم السلطة لأغراضه الشخصية. حّول مركز الشرطة إلى سجن خاص لكل من لا يلبي له طلباته أو يخالف تعليماته. شعاره، الذي يستخدمه العديد من الساسة لإخافة من حولهم، هو «أن كل من لا خير له في حاتم، لا خير له في مصر». وزيادة في بطشه وجنونه رغب في الحصول على حب نور التي لا تطيق رؤيته. وأدى به الأمر إلى الوصول للذروة واغتصاب نور بعد أن اختطفها في وضح النهار.

يبدأ الصراع الدرامي في هذه اللحظة بين حاتم ووكيل النيابة شريف، الذي يحاول أن يثبت ارتكابه لجريمة الاغتصاب. وفي النهاية يثور سكان حي حاتم ويقتحمون القسم وينتقمون منه. وفي هذه اللحظة أرى حاتم يصل إلى أعلى مستويات التمثيل الدرامي وإتقانه لدوره. ورأيي الشخصي أن أفضل شخصيات الفلم إتقانا هو حاتم.

الفلم قصة حب، لكنها تعبر بكل صراحة وعلانية عن القهر السياسي والاجتماعي في مصر والعالم العربي. وأعتبر أن الفلم أجرا الأفلام السينمائية المصرية والعربية التي تظهر حقيقة الوضع في السجون المصرية من حالات قتل لأبرياء لا يعرف بهم أحد وأساليب تعذيب بربرية.

يوسف شاهين لم يكتف بانتقاد الوضع السياسي، بل انتقد المناهج المدرسية التي مازالت، وحتى هذا العصر، تعتمد على التحفيظ والتجهيل (وهذا ما يحدث في فلسطين تماما). يظهر ذلك عندما تدخل ناظرة المدرسة وداد إلى أحد الصفوف وترى أستاذ مادة التاريخ يدرس بطريقة سيئة دون استخدام خارطة للتوضيح معتمدا على أسلوب التحفيظ فقط، فتصيح به رفضا لهذه الطريقة المتبعة في المناهج المصرية.

وفي سياق المشاهد السلسة والمترابطة ينتقد يوسف شاهين بشدة الخرافات السائدة في مصر من سحر وشعوذة، يظهر ذلك عندما يتجه حاتم أمين الشرطة إلى أكثر من شيخ كي يعمل له حجابا يوقع نورا بحبه.

في الوقت ذاته ينتقد المخرج في فلمه «هي فوضى» سوء استخدام الديانات وسوء فهمها واستخدامها للترهيب والتخويف وخصوصا في الانتخابات. يظهر هذا عندما تدخل نور وأمها، غير المحجبتين، إلى أحد مكاتب المرشحين في الانتخابات من جماعة الإخوان المسلمين لطلب المساعدة وإيقاف مضايقات خالد لنور، فيكتفى بأن يقول لها: «نحن الحل، لو ساعدتمونا سنساعدكم، ولو أعطاكم منافسونا مالا فهو مال حلال عليكم، صوتكم معنا هو الطريق إلى الجنة».

وعلى الرغم من نجاح الفلم على جميع المستويات، إلا أن عدد الحضور في القاعة التي كنت بها، لم يتجاوز العشرين. لكنني أعتقد أن الأمر بالنوعية وليس بالكمية. سألت بعض الحاضرين عن رأيهم بالفلم، ومن باب الصدفة كان ثلاثتهم مصريين. قال أحدهم بالحرف الواحد: «هي كده وهي الحقيقة، وان يوسف شاهين لم يتجاوز الواقع». وسرد لي آخر قصته حين وجد نفسه فجأة في السجن مظلوما.

وعندما سألته عن حقيقة وجود فتيات يرقصن شبه عاريات أمام السجناء الشباب الذين يتفرجون عليهم من خلال فتحة صغيرة في الجدار الفاصل بين غرفهم ؟ أجاب قائلا: «ما رأيته في الفلم بالضبط هو ما يحدث فعلا. و هناك ما هو أفظع. و قد استخدم المخرج المقاطع الجنسية بموقعها وهي حقيقة واقعية».

وحول اختيار المخرج للمقاطع الموسيقية في الفلم، أجابني احد الحضور: «الفلم لم يتجل فقط في صوره ومشاهده، بل إن الموسيقى دخلت بشكل متناغم و إيقاعي ومؤثر».

وبهذا فان المخرج المصري يوسف شاهين، اثنان وثمانون عاما، حقق نجاحا جديدا. فعلى الرغم من مرضه إلا انه وصف لنا السوء السياسي والاجتماعي الذي وصلت إليه مصر و العالم العربي في ساعتين.

ولحسن حظي فقد شاهدت الفلم في بلد يحترم الحرية الفكرية. إذ عندما عرض على الشاشات المصرية، قامت الرقابة المصرية بحذف أكثر من 15 ثانية منه. وهذه المدة في أفلام شاهين تعني الكثير، وتؤدي إلى زلازل في مضمون الفلم وفكرته.

سائد كرزون

27/12/2007

Be Sociable, Share!

3 ردود على “هيّ فوضى…هيّ كده!”

  1. asmarob قال:

    سائد كرزون … صاحبُ قلم ِيعرضُ الفكرة بأسلوب ِ مشوق ..
    و يطورها حتى يرتقي بها لما يشبه ٌ القصة القصيرة التي حينَ يقرؤها المتلقلي تعترضه ُ الدهشة و الذائقة العذبة و لحظة التنوير و الخاتمة المرتقبة ..

    كنتُ هنا أتابعٌ بإعجابْ ..

    أسماء أبوالرب ..

  2. saedkarzoun قال:

    شكرا جزيلا يا اسماء على هذه الكلمات الرقيقة جدا و المؤثرةو التي بالتاكيد تزيدني مسؤولية و السعي دائما الى نقل الرسالة بشكلها الصحيح و بذل مجهود اكبر نحو التعلم المستمر
    شكرا مرة اخرة

  3. iorlnaqg قال:

    LtKw52 zclubdqdrlpq, [url=http://swprthoukjzv.com/]swprthoukjzv[/url], [link=http://zcltjbiuxtih.com/]zcltjbiuxtih[/link], http://lydbegbgqdln.com/

اترك رد

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash