نهاية علاقة عاطفية

بواسطة , أغسطس 3, 2009 2:40 م

بدون التفكير في شخوص هذه القصة أو أبعادها الزمنية و المكانية، ندرك أن القصة إنسانية في مضمونها، وواقعية في مخزونها، وإليكم الحكاية.

مرت ثلاثة أشهر و هو يراها في محاضراته، فهي تدرس نفس التخصص. هو شاب لطيف، حسن المظهر، طويل القامة، هي لا تشبه أي شي على هذه الأرض، لأنها الوحيدة التي تتمتع بهذا الجمال الرباني، لذلك يمكن أن نطلق عليها لقب قمر فلسطين.

كان ينظر لها بنظرة إعجاب مرتجفة حد الخوف القاتل من أن تعلم، إلا أنها كانت تعلم بإعجابه، لكنها لم تكن مثل الفتيات الأخريات، اللواتي إن عرفن أن شابا معجب بجمالهن، أصبحن يتعاملن معه بجفاف وتكبر، و كأنهن ملكات جمال، والعكس يكون صحيحا، إلا أن قمر فلسطين كانت غير ذلك، ذهبت له وتحدثت وكسرت خوفها و قالت: مرحبا، أنا قمر فلسطين، وأنت؟ أصفر وجهه حد البكاء، أو حتى الشعور بأهمية وجود حمام في تلك اللحظة، أجاب: أنا محمد. كان اللقاء الأول بينهما، والأجمل…

لم ينم محمد في تلك الليلة و هو يفكر في المحادثة التي لم تزد عن الدقيقة، ولكنها كانت كافية إلى أن ترفعه إلى السماء حاملا قلبه معه. أصبحا في كل يوم يشربان القهوة الصباحية مع بعضهما في مجمع الجامعة، يذهبان إلى المحاضرات، يدرسان، إلى أن زاد إعجابهما ليصل إلى حد الحب.

كان الجميع يتحدث عن قوة هذه العلاقة العاطفية، التي لن ينساها التاريخ. فقد سمعا الكثير من القيل والقال، ونمنمات الناس، السن الفتيات، وغيرة الشباب، إلا أنهما لم يكترثا بكل هذا، الحب كان أقوى. لكن طبعا العادات الاجتماعية و كلام الناس لا يرحم، ولكي يثبت جديته و حبه، ابلغ أهله بإعجابه بقمر فلسطين، و أنه يريد أن يطلب يدها، وعندما يتخرج من الجامعة أن يتزوجا.

تخرجا الاثنين، وكانت فرحة كبيرة، للتخرج و تحديد موعد الزفاف. عندما ذهبت عائلة محمد لمقابلة عائلة قمر فلسطين، كانت الصدمة، حينها رفضت العائلة الموافقة على الزواج، لأن محمد لا يعمل و لا يملك شيئا، ولا حتى خاتما، فالجواب كان: “لا، ما في نصيب”. لم يصدق أحدا بأن نهاية هذا الحب ستكون هكذا، فقط بكلمة لا. و بدأ محمد العمل، ويجمع قرشا قرشا، وهي كانت ترفض أي عريس يتقدم بطلب يدها..

بعد عامين، أصبحا جاهزين، شبكة الذهب، بيت صغير، و حياة متواضعة كريمة، حينها توجه محمد و عائلته إلى بيت قمر فلسطين، وهو رافع رأسه متحديا الفقر الذي أبعده سنتين عن حبيبته. طلب يدها و الحمد لله، فقد كان الجواب نعم. و تم تحديد موعد الزفاف الذي كان من أجمل أعراس فلسطين.

المولودة لم ۥتلد:

بعد عام بالضبط، في 28/12/2008، الحادية عشر ليلا،  شعرت قمر فلسطين بأنها سوف تلد ، بدأت تطلق صرخات الولادة، محمد، محمد، سوف أموت، ألحقني، بدي أولد، حينها قفز محمد لشدة خوفه عليها، مشان الله الوقت غير مناسب، مش سامعة القصف بره، ما برحمو حده، و العصفور إذا بطير بقتلوه! و في الحال طلب سيارة الإسعاف. دخل رجال الإسعاف إلى بيت محمد، بحذر بحذر، قالها وهو يرتجف، و قمر فلسطين تصرخ من وجعها وكأنها تشعر بأنها ستموت، حينها شعرت أن المولود سيقتلها، لا تستطيع التنفس، والعرق يغرقها. نقلت إلى داخل الإسعاف، صعد معها محمد والطبيب، انطلق السائق بالسرعة القصوى و أشعل زامور الإسعاف.

محمد: اصبري يا قمر فلسطين، سنصل إنشاء الله!

الطبيب: اعتقد أننا لن نلحق المستشفى، سوف تلد هنا!

محمد: وهل تملك كل معدات الولادة؟

الطبيب: توكل على الله و لا تخف.

قمر فلسطين: مشان الله أنا بموت، ألحقوني، بموت، بدي أمي، وين أمي؟؟

محمد لم يستحمل الموقف، بدا بالبكاء خوفا على زوجته التي تموت بين يديه و خوفا على المولود الجديد.

الطبيب: عندما اعد إلى الثلاثة تبدئين بدفع المولود إلى الخارج. واحد، اثنان، ثلاثة، نعم ادفعي، بقوة، أكثر..

أخيرا خرجت المولودة، ابتسم الجميع، توقف صراخ قمر فلسطين، عم الهدوء في سيارة الإسعاف، فقط صراخ المولودة الجديدة وصوت حبات المطر على سطح سيارة الإسعاف، حينها في لحظات سريعة جدا، سمع صوت انفجار ضخم هز المنطقة ودمر المنازل المحيطة، الهدف كان محددا، ولم يكن بالخطأ، بعد دقائق يظهر مقدم أخبار الجزيرة ويقول: ” في خبر عاجل وردنا قبل قليل أن قوات الاحتلال الإسرائيلية قصفت بصاروخ أف 16 سيارة إسعاف، مما أدى إلى مقتل من بداخلها، رجل و امرأة وطفلة حديثة الولادة وسائق الإسعاف، و إصابة الطبيب بجروح خطيرة جدا”.

فقد أنهى الصاروخ  الإسرائيلي حب محمد وقمر فلسطين، و قتل المولودة البريئة التي لو أعطيت الفرصة للبقاء على قيد الحياة لكانت أحبت شخصا لتلد حبا جديدا مرة أخرى بدل الكراهية التي دفعت إسرائيل إلى قتل والديها و قتلها في لحظات حياتها الأولى، وتطير روحها مع أرواح جميع أطفال غزة و أرواح النساء و الشيوخ و الشباب، فقد جاءت اجتماعات القادة العرب متأخرة، و الأمم المتحدة عجزت عن التقاط هذه الأرواح، و بقيت قوانين حقوق الإنسان و الطفل حبرا على ورق اسود سجله التاريخ على إسرائيل بقلم لونه احمر.  وبقي الطبيب على قيد الحياة كي يحدث الناس و العالم بتفاصيل هذه القصة، و إخبارهم وصية محمد وقمر فلسطين بتسمية المولودة باسم غزة فلسطين، لأنها ماتت في القصف الإسرائيلي على غزة بتاريخ 28/12/2008 الساعة الثانية صباحا.

سائد كرزون

13/1/2009

Be Sociable, Share!

اترك رد

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash