عندما طلبت من ملائكة السماوات ألا أبكي!

بواسطة , أغسطس 3, 2009 2:35 م

انتظرتها طوال حياتي. فقط أريد رؤيتها ولو عبر التلفاز، أو أن اسمع صوتها عبر الراديو، أو أن استرق السمع كي أحصل على معلومة تتحدث عن ألبومها الجديد. ففي أحد الأيام كنت جالسا مع رمزي أبو رضوان، رئيس مركز الكمنجاتي الموسيقي، ومجدي حديد المسؤول الدعائي لعيد الموسيقى في مقهى زان في رام الله. قال رمزي: هناك مفاجأة لكم. هو يعرف أنني أحب المفاجآت. قلت له: ماذا؟ قال: اصبر وسوف تعلم. لم استطع. رمزي: قل لي، وإلا خرجت.

ابتسم كعادته مغلقا عينيه الصغيرتين ويهز رأسه، نطق الجوهرة: سعاد ماسي جاي تغني في رام الله.

هو يعلم أن سعاد بمثابة حبيبتي، التي لم تسمع باسمي قط. لم آخذ الأمر بجدية، وقلت له: في أحلامك إذا سعاد بتيجي.

“عيد الموسيقى” على الأبواب. يحتاج إلى ترتيبات دقيقة جدا. ففي الحادي والعشرين من حزيران/يونيو من كل عام تحتفل أكثر من 250 مدينة في العالم بعيد الموسيقى. حدث انطلق لأول مرة في فرنسا عام 1982. يجمع العيد عازفين محترفين وهواة من فلسطين وأوروبا حول مبدأ مجانية الحفلات والمبادرة الحرة. وبهذه المناسبة نظم مركز الكمنجاتي الموسيقي العيد من 15 – 27 حزيران الماضي، بالتعاون مع شبكة المراكز الثقافية الفرنسية في فلسطين ووزارة الثقافة وبلدية رام الله.

تزامن عيد الموسيقى مع فترة الاقتتال الداخلي. كثير من الجهات المشاركة ترددت في استكمال فعاليات العيد خوفا من تدهور الوضع الفتحوحمساوي. ردنا كان: “نحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا “، فالموسيقى والثقافة والحب أقوى من أي قوة على الأرض أو أي وضع كان.

الموسيقى تقول “لا”: لا للحصار، لا للظلم، لا للجوع. فهذا كان شعار عيد الموسيقى العام الماضي الذي اقتصر على رام الله فقط، أما هذا العام، فقد قررنا أن ننشر الموسيقى بين هؤلاء المتنازعين على المجهول، وبين أطفال المخيمات والقرى كي نخرجهم من هذه الدوامة، وأن تكون الموسيقى رسالة ليست فقط للعالم، بل لأنفسنا، نقول فيها: “الحياة حلوة، فنحن نحب الحياة” كي نكسر بها الحواجز.

بدأنا عيد الموسيقى قبل أسبوع من موعده الرسمي، كي نقدم عروضنا في: مخيم جنين، عسكر في نابلس، نور شمس، الظاهرية في الخليل، في دور العجزة والأيتام وغيرها. أول عرض كان في جنين، حيث كنت برفقة التخت الشرقي الكمنجاتي من رام الله، والذين لا تزيد أعمارهم عن 15 سنة، وإياد ستيتي برفقة كورال الكمنجاتي في جنين. انطلقنا نعزف الموسيقى.

الصم يسمعون:

تمنيت أن كل من يقرا هذا المقال كان معنا كي يشعر بالإحساس الذي شعرنا به عندما كان أطفال الكمنجاتي يعزفون لأطفال أيتام أو لكبار السن. ما أجمله من شعور عندما كانوا يرقصون في أحد العروض في دار الأيتام في طولكرم. حينها علمت من أحد المسؤولين هناك أن الأطفال الذين كانوا يرقصون بشكل إيقاعي متوازن مع الموسيقى كانوا أطفالا بكما وصما، أي لا يسمعون ولا يتكلمون! عندها طلبت من ملائكة السماوات ألا ابكي، وان أحافظ على ابتسامتي العريضة كي أخفي شعوري بالمسؤولية العظيمة اتجاه هؤلاء الأطفال.

في كل يوم كنا نقدم عروضنا في منطقة، خصوصا المناطق التي لا تصلها الموسيقى. وإليكم القصة التي حدثت معنا في إحدى دور العجزة في البيرة. وثقتها بالفيديو وألان بالكتابة عنها. وصلنا الملجأ الساعة الثانية عشر ظهرا في الحادي والعشرين من حزيران. ما أجمل صورتهن عندما دخلنا القاعة وهن ينتظرن بفارغ الصبر. تلك الابتسامات فقط كانت تكفي لتمنحنا القوة ونعزف الموسيقى لأيام وليس لساعات.

عندما لم تستطع الملائكة:

قدمنا العرض، بعد الانتهاء طلبت منا المديرة أن ننزل إلى غرف أمهاتنا العاجزات عن الحركة إن كنا نستطيع. نزلنا وأخذنا نعزف ونرقص معهن. في إحدى الغرف دخلنا على سيدة في الستينات، ولشدة فرحتها بدأت تبكي. فجأة سكتت الموسيقى وعم الصمت في الغرفة! بدأت السيدة تروي لنا حكايتها بلغة غير مفهومة. السبب علمناه عندما روت لنا القصة. قالت: ” أنا مشلولة عن الحركة والكلام لأكثر من 15 سنة، وأنا نايمة على السريرما بتحرك، بس بحرك عيني، ابني استشهد، قتلوا الجيش قدام عيني، كل ملابسو دم، قتلوا قدامي وأنا حملتوا، يا حبيبي يما”.

في تلك اللحظة عجزت الملائكة والبشر عن إيقافي عن البكاء كطفل صغير. وعلى الرغم من صعوبة الموقف، إلا أننا شعرنا بالراحة عندما استطاعت الموسيقى أن تفَرج عن هذه السيدة، ولو للحظات.

استمرت الاحتفالات والعروض في المراكز الثقافية والمجتمعية، فقد ارتفعت الموسيقى فوق كل جدار، فوق السماوات السبع كي تدخل قلوب الناس. خرجت الكشافات الموسيقية تقرع طبولها احتفالا بالعيد وتجول في شوارع رام الله.

27 حزيران آخر أيام العيد عندما غنت المغنية الجزائرية سعاد ماسي وفرقة (ماب) الفرنسية في قصر رام الله الثقافي. هذه أول مرة أرى فيها أكثر من800 شخص في هذه القاعة.

تحقق حلم من أحلامي بأن أرى سعاد في عرض موسيقي مباشر في فلسطين. لكن حتى هذه اللحظة مازلت أحلم كما قلت لرمزي في البداية: “في أحلامك إذا بتيجي سعاد”.

وسوف احلم حتى ننشر الموسيقى والحب بين كل أطفال فلسطين.

سائد كرزون

26/6/2007

Be Sociable, Share!

رد واحد على “عندما طلبت من ملائكة السماوات ألا أبكي!”

  1. saedkarzoun قال:

    عزيزي خالد، شكرا على التعليق، بس هدا عرض تاني غيرو

اترك رد

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash