بدون عنوان

بواسطة , أغسطس 2, 2009 8:45 م

المطر ينهمر بغزارة ضاربا سقف الزينكو المعدني ليخرج صوتا مخيفا حد البكاء. تدخل الساعة الرابعة مساء كي يطرق ظلام الشتاء المقيت تلك الزقاق و الممرات التي غطيت بمياه المطر.

فقط في الصيف عندما تصبح الشمس عمودية وقت الظهيرة، تدخل ذلك المكان الذي لا تصله أنظار المارة على الرغم من عبورهم الموقع عشرات المرات يوميا.

“لو سمحت عندك بدي انزل”، ثم ادخل شارعا عرضه لا يزيد عن 10 أمتار وطوله 100 متر، كي ادخل زقة أخرى إلى اليمين وصولا إلى الهدف، مخيم بلا عنوان في رام الله!

في ذلك اليوم وصلا متأخرين بعشر دقائق عن موعد حصة الموسيقى النظرية. هما ملتزمان جدا بالمواعيد و التمرينات، هو عمره عشر، وأخته تصغره بعام، ويعزفان الكمان. قلت غاضبا:” ممنوع الدخول وليش تاخرتوا”، قالا: ” ظروف “، ” بدي اعرف شو هي الظروف؟” ، “لا نستطيع القول، فقط ظروف”.

مرت عشر دقائق، جلست محاولا التقرب منهما كي اصدم بمعرفة الظروف.

صدمة ظروف

” مش إحنا أصحاب”، “صح”، ” طيب ليش ما بدكم تحكولي الظروف؟ “. قالوها و الدمع في عينيهما :” إخوتي الاثنين في الشغل، وأختي الكبيرة متزوجة، و إحنا لما بنرجع من المدرسة بنحضر الغداء وبنرتب البيت بسرعة”. سالت:” طيب كتير منيح إنكم بترتبو البيت، بس أمكم و أبوكم ما بساعدوكم”، سالت هذا السؤال كي اصدم واقف أمام جسر انقطعت أحباله الروحية، فجاني الجواب دمعا من ذلك الطفل صغير الحجم و أخته سمراء البشرة :” أبونا توفي بحادث سير قبل أشهر، وبعد ثلاثة أشهر أخرى توفيت أمنا أيضا بالجلطة…”

سمعت هذا الكلام كي يعجز لساني وعقلي عن التفكير، وانتصب جسمي كقطعة خشب عملاقة يتلذذ الصيادون بإطلاق السهام عليها لإصابة الهدف ، ثم قال ناهيا الحوار :” كنا منعزلين قبل أن ندخل و نتعلم الموسيقى، من البيت للمدرسة و العكس، الموسيقى و الكمان أصبحا أمنا و أبينا الذين نخاطبهما عندما نريد، متناسيين وحدتنا لنعود وننخرط مع أصدقائنا ونلعب في زقاق المخيم…”

جلست على الكرسي دونما حراك، محاولا إخفاء دموعي في عمق المجهول، مستوقفا قلمي عن الكتابة..

سائد كرزون

17/7/2008

Be Sociable, Share!

اترك رد

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash