سيرتي الذاتية
16 February 2008 مصنف في: غير مصنفلن آتي بشيء جديد إن تحدثت في سيرتي الذاتية عن اسمي وعمري وعنواني ومهنتي وهواياتي وطموحي، ليس هناك أيما شيء مدهش للقراء، من أنا حتى يهتم العالم أن والدي كان بائع خضار، وملابس قديمة، وكنت أخجل أن أكشف مهنته للأستاذ في المدرسة، وعندما كان يسألني عن مهنته، أجيب بأن عمي مدرس رياضيات. فيظن الأستاذ أن عمي ولي أمري، ولكن والدي مات وهو يقرأ الكتب، كان قارئا جيدا، وهذا الأمر فجر كل الأزمات بين أمي وأبي، لأنه كان ينفق معظم دخله الضئيل على شراء الكتب، ويفضل تغذيه عقله وليس معدته، ورفعت تلك الصفة المميزة مكانته في نظري عندما كبرت.
أمي لا تقرأ ولا تكتب، وجدي درس في الكتاتيب، وجدتي، أي أم أبي كانت تحفظ أغاني وطنية تركية، وجدي أبو أبي كان يحفظ سيرة أبي زيد الهلالي عن ظهر قلب، وأم أمي كانت تحفظ حكايات ألف ليلة وليلة، وليس بحوزتهم أية شهادات، فهل أنا من عائلة مثقفة؟! صرت فخورا بهم فيما بعد، وأعجبت بحكايات جدي عن قتاله الضباع، وإنقاذه لعائلة يهودية من الذبح في مدينة الخليل عام 1929، أتذكر أنني دونت حكاياته، ودوره في ثورة ال 1936.
بعض أقربائي لا يحبونني لأنني متطرف في تفكيري الإنساني، ولكنهم يتملقونني، ولا يريدون حتى أن يقرءوا روايتي، أحب زوجي وابني وبناتي، لست مستعدا لمغامرات منتصف العمر العاطفية.
هل تهمكم هذه التفاصيل؟! أنا الابن الأكبر، وإخوتي الأربعة يكدون كدا موصولا من أجل الحياة الأفضل، أحب أختي الصغرى، وأحترم الكبرى والوسطى، ولكنهن لا يفهمون أحاديثي الفلسفية.
حياتي عادية جدا، مثل الملايين. درست في المدرسة، وتخرجت من الجامعة، أكذب، بيتي مفتوح لكل زائر يريد التأكد من صحة المعلومات. أكذب إن قلت إنني أحب أمريكا أو السلطة الفلسطينية، وأنا لا أطيق حماس. تقول زوجي إنني ديمقراطي، وأحيانا تكتشف أنني أكبر ديكتاتور في العالم، ولكن ابنتي الوسطى تزعم أنني أفضل أب، لأنني سمحت لها بالسفر إلى الخارج للمشاركة في مخيم صيفي في الولايات المتحدة، مخالفا عادات عائلتنا الراسخة في تقييد حريات البنات. أعتقد أن ابني رغم صغر سنه، مثقف أكثر مني، لأنه يقرأ كتبا بالانجليزية فقط، وأنا أقرأ بالعربية فقط، أحدثه عن الحطيئة ويحدثني عن شكسبير، ويتفوق عليّ بقدرته على رسم لوحات لوجوه شديدة القلق. أيهمكم أن تعرفوا أنني زرت اسبانيا، وبريطانيا، وأمريكا، ومبنى الأمم المتحدة، ولي صورة مع كوفي عنان، وأديت العمرة في المملكة العربية والسعودية، وهرولت بين الصفا والمروة وأنا في ملابس الإحرام، وقرأت كتب ماركس ولينين، وديالكتيك هيجل، وأعجبت بتشي جيفارا؟ لم أحصل على الدكتوراه، ولذلك لم أحتل مكانة مرموقة في مجتمع النجوم، واحترق شهابي في أول صعود لي للنجومية، هل أخطأت في حياتي؟ نعم، ومرات كثيرة، هل ندمت على أخطائي؟ في البداية، ندمت، ولكنني، بعدما طفت وقرأت وفكرت وكتبت، لا أشعر بالندم على شيء فعلته، ولو كان منكرا، وأخشى أن أقول ماذا سأفعل لو أصبحت مليونيرا؟ لا أريد أن أتعبكم بمزاعمي عن الأعمال الخيرية. هل شاهدت أفلاما إباحية في حياتي؟ نعم شاهدت، لن أجيب عن أسئلة أخرى، سأخفي بعض الصفحات من أسرار حياتي، وألتزم الصمت. كنت أحلم أن أصبح فقيها وعالما ومنظرا مثل جدي العظيم أبي حامد الغزالي، وأكتب كتابا أحرق فيه كل الفلاسفة الملحدين، ولم تتحقق أمنيتي، رغم أنني درست مادة التجويد ونظام الإسلام على يد الدكتور عبدالله عزام، في الجامعة الأردنية، الذي اشتهر فيما بعد بأنه كان معلما لأسامة بن لادن. ولو كنت تلميذا نجيبا له، ولو تأثرت بأفكار جدي الأكبر، لتفوقت على ابن لادن، لكني أمارس التفكير، وهذه صفة تجلب الضرر والخراب لصاحبها، ولست متأكدا، عندما يقبض عزرائيل على روحي، إن كان الله سيغفر آثامي الشنيعة، لأنني فكرت في خلق السموات والأرض. عندما سقط تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس في بغداد، تمنيت أن تسقط كل تماثيل الدكتاتوريين العرب، ولم تتحقق أمنيتي، فزادت شكوكي في نوايا الولايات المتحدة في تطهير الشرق الأوسط منهم، وإنقاذ الأمة العربية من بطشهم. ماذا علمتني الحياة؟ علمتني أن لا أتوقف عن البحث عن ذاتي. وهل وجدتها؟ باختصار لم أجدها، لأنني لا أعرف إن كانت أعمالي بديعة أو فظيعة، أنا لست كامل الأوصاف، ولست شريرا، إذن من أنا؟ وماذا أريد؟ لا أعرف. ما هي وصيتك عندما تموت؟! أوصيكم بألا تمدحونني، ولا تذمونني، إن مدحتموني لن تكونوا صادقين، وأن ذممتموني ستخطئون. هل من اللائق أن تتحدث عن نفسك بصراحة؟! نعم، لأنني لا أريد أن اختبأ تحت الأقنعة، والسيرة الذاتية قناع، لكنني لا أريد كشف كل الأمور المخجلة في حياتي، لهذا لجأت إلى وسيلة أخرى لكشفها عن طريق كتابة رواية. ما هي أمنيتك؟ أن أقول ما أفكر، دون دفع ثمن باهظ لذلك، ومنها صدور صكوك الحرمان ضدي، لكنها أمنية بعيدة، لكثرة الطلب على الأفكار السوقية في السياسة والدين، وقلة العرض لنظرية المعرفة، ومدرسة الفن من أجل الفن. لماذا توجه أسئلة إلى نفسك؟ لأنني لم أجد أحدا يوجهها لي، فأنا نكره، ولم أحصل على اعتراف بأنني صحفي قدير من محرري الصحف العربية والعالمية والفلسطينية، والحجج كثيرة، ومنها فشلي الذريع في إتقان فن النفاق، أنا لا أبحث عن النجومية، ولا أبحث عن المال، إلا الضروري منه لتلبية احتياجاتي واحتياجات عائلتي. إن لم تبحث عن النجومية، فلماذا كتبت رواية؟ بصراحة إن توقعاتي منها قليلة، في عالم عربي يعبد سكانه النجوم، ويحتاج كاتب طموح ليحصل على الاعتراف إلى الانضمام إلى سيرك المطبلين للخليفة، باستثناء بضعة روائيين أثبتوا جدارتهم، وعضهم الجوع بنابه. لم تذكر لنا اسمك؟! سعيد الغزالي. شاعر سابق وصحفي وسجين سابق، وحانق، ومؤمن بالقضاء والقدر والملائكة واليوم الآخر، من مدينة القدس، ما الفرق بين أن أكون من القدس أو من نيويورك، بين أن أكون عربيا أم سويديا؟ ما الفرق بين أن أكون كاتبا مرموقا وكاتبا مسحوقا! هل العالم يقبلني أكثر إن ارتديت ربطة عنق، وتكلمت بلغة عالية، وحملت لقب دكتور؟! أيهم القراء معرفة ألوان الأطعمة التي أحب، والملابس التي أرتدي؟ هل تصبح أفكاري أكثر قبولا لو قلت إنني متدين أو علماني أو حتى من أتباع بوذا؟! ماذا يهم الناس إن قلت إنني متقلب الأهواء، والهوايات، متذبذب في أفكاري؟! وماذا يهمهم إن زعمت أنني من حملة المبادئ السامية، ومؤيد للحرية وحقوق الإنسان ومعجب بـ"نيتشة"؟! هل يصدقني أحد إن زعمت إنني ملاك بأجنحة بيضاء ناصعة، وليس في قلبي إلا الطهارة، لكنكم ربما تصدقون أية شائعة أخرى تزعم أنني شيطان رجيم. ما هو القناع الذي يجب أن أرتدي، لكي تقرؤوا كتاباتي؟ هل يجب أن أرضيكم، يا أعزائي القراء، فأظهر أمامكم عاريا بلا ملابس، ولا آثام. ماذا فعلت في هذه الأربعة والخمسين عاما من حياتي؟ وكنت خلالها كذا وكذا.. وصرت كذا وكذا، وعملت في كذا وكذا، وصادقت وعاديت، وامتعضت ورضيت، وفرحت وحزنت، وأكلت وشربت، وسافرت في الجغرافيا والتاريخ، وطرت إلى المريخ، وتكلمت العربية والإنجليزية والعبرية، وقرضت الشعر، ولعنت الشعر، وكتبت المقالات ولعنتها. ألا يكفي أن أقول لكم: أنا إنسان، وهذا ليس قناعا يخفي وجهي، فاقبلوني أو ارجموني على علاتي الكثيرة.

Comments»
ـحياتي يا أخي. أشكرك على صدقك وعلى صراحتك. أعجبتني طريقتك غير التقليدية في تعريف نفسك.
أقول لك بصراحة: لا تراهن علينا نحن القراء، فما نقرأه سرعان ما يتبخر. ولا نذكر إلا ما ندر مما نقرأ. أرى أنك تسعى لجر القارئ إلى متابعة ما تكتبت وهذا أمر صعب.
على أية حال أسلوبك مشوق واتمنى لك التوفيق واعذرني اذا لم اواظب على زيارة مدونتك التي وصلتها بالصدفة فكل منا له مشاغله. رغم ذلك أعدك انني سأعود بعد شهر أو أكثر لاعرف إلى أين وصلت.
جرير موسى- الولايات المتحدة.
شيء جميل وجريء. أسلوب ممتع. أنا من ناحيتي أقبلك على علاتك طالما تكتب بهذا الأسلوب.
أجمل سيره ذاتيه قرأتها في حياتي
سرني التعرف اليك سيدي