jump to navigation

هكذا حولتني الرواية إلى شخص شجاع

14 February 2008 مصنف في: غير مصنف

 بعد أن انتهيت من كتابة آخر سطر من رواية "اليوم الثامن.. ألف ليلة وليلتان"، غمرني شعور شخص يفارق عزيزا، حزنت على فراقها، لأن الكتابة فيها صارت جزءا من كينونتي اليومية، كيف سأنفق ساعات الصباح، وأوقات ما بعد منتصف الليل من دونها، أشعلت أحلامي، وأضاءت وجودي بالأمل، نقلتني إلى مملكة الحلم، لا أريد أن أعود أدراجي إلى رتابة الحياة، إلى المناكفات والشكوى، إلى ضجيج النفاق في أجهزة الإعلام، إلى أخبار الموت والدمار، بعد أن أصبحت إنسانا جديدا، وطهرتني من آثامي، وجددت روحي، وأعادت إليّ إنسانيتي.

لا أطيق فراق كوكب المزين، الذي حاربت معه في جبهة القتال، وجننت بجنونه، وأصابني هوسه، فدخلت معه إلى مستشفى المجانين، ورافقته إلى مملكة الجن، ولا أقوى على وداع سلمان السبتي مكتشف أسطورة الإله إنليل، إله الريح وسيد الفضاء، ولا أقدر على هجر شهرزاد، صانعة أحلامي، ولا يمكنني التوقف عن الحلم بحصاني الأسطوري، ولكني، واثبوراه! أنهيت كتابة الجزء الثامن، وأصابتني هواجس اليوم الثامن.

 إن خرجت سالما من كوابيس اليوم الثامن، سأعيد خلقهم من جديد في رواية أخرى. أنا الآن في اليوم الثامن، وفردوسي الذي حلمت به ينكشف أمامي جحيما، وأكتوي بناره، أنا الآن أغادر المطلق السرمدي، وأعود إلى الآني الزائل، إلى طاحونة الحياة، وكأنني لم أكتب ولم أحلم، ولم أبحر إلى جزر السدريم في البحر الأخضر.

عاد الذئب إلى بيتي ليفترس أحلامي، وتهاوى طموحي، كيف أغير العالم برواية، لا تزال حروفها نائمة في أسرة صفحاتها؟! وازدادت خشيتي أن تمتد إليها خناجر الرقابة، فتمزقها إربا، أو تصاب بسهام التعتيم.

 وما إن انتهيت، بعد عامين ثقيلين ولكنهما مبهجان من كتابتها، حتى بدأت أواجه هما جديدا، إضافة إلى همومي السابقة، العامة والخاصة، وهو هم النشر، فأنا لم أكتب الرواية لأحتفظ بها في ملف يعلوه الغبار على رف، وتذبل بكرور الأيام أوراقها وتذوي كلماتها، ولكن النشر كالكتابة، كالتفكير، كالإبداع، كالحلم، صعب في بلد فقيرة ومحاصرة، والكلمة ليست بديلا عن الخبز، والخبز ليس بديلا عن الكلمة. فكيف يكون حالها، وهي بلا خبز ولا حلم.

 ما زلت أعاني من جراح عامين من الكتابة، وأنا مقطوع الأصابع، حافي القدمين، أمشي على حد السكين، في بلاد يتردى واقعها، لأنها تخلت عن حلمها وصدقها، فأكرمت  قاهريها، وداست بالنعال على مبدعيها، واجهت مشكلة النشر العويصة، ثم تبعتها مشكلة أعوص، وهي رجال المافيا في مستنقعات الثقافة الذين خلقهم الله مبدعين، وهم في أرحام بيئتهم الفئوية، وعلى الكاتب المبدع الذي لم يولد فئويا، ولم يحمل بطاقة عضوية القبيلة أن يدفع من جيبه لتغطية نفقات النشر، إن بقيت له جيب، وعليه أن يتخلى عن بعض أرغفة الخبز على مائدة الفطور، وعليه أن يقف في طوابير المثقفين المتسكعين في وزارات الإعلام، ليشحذ دعما لمؤلفه، وعليه أن يقسم أغلظ الأيمان أنه متزلف، ومنافق، وصرصور. لن أقف في طابور الشحاذين، ولن أعتاش على فتات موائدكم، سأفاجئكم أيها الأوباش بهذه الرواية، فاشربوا من دمي ومزقوا لحمي، إنني أسخر من تفاهتكم وخنوعكم.

رغم أفاعي الإحباط، التي أطلت برؤوسها المتعددة، منذ اللحظة التي أنهيت فيها كتابة الرواية، إلا أنني لم أستسلم لليأس، فقلت في نفسي: سأبدأ فورا كتابة الثانية، قبل أن أنشر الأولى، ولست بحاجة لنشرها، سأتنفس أحلامها، وأرتوي من تفاؤلها، وأتغذى على قيمها، هي مائي وحنطتي، وتكفيني مشكلة توليد الأفكار من رحم المعاناة، فلست بقادر على حل المشاكل العويصة، التي يستدعي حلها ثورة شاملة متعددة الجوانب، وأهمها ثورة الصدق مع الذات والعالم.

وأنا أمارس صدقي مع روايتي، وأعاقر الصدق كما أعاقر الخمر، كنت مثل شخص أفرغ في دمه عددا لا يحصى من أقداح النبيذ، لكنه لم يرتوِ، فشرب الصدق إلى ما بعد الثمالة، وخرج للناس شاهرا سيفه كنبي ثائر، فحاصروه، وقذفوه بالحجارة، بل أكثر من ذلك، كانت الكتابة قارب النجاة الذي نقلني من السبخة التي غرقت فيها إلى جزيرة الغرابة والدهشة، وحولتني إلى شخص شجاع، وأضافت إلى حياتي قيما أخرى، نقلتني إلى فضاء بعيد لا مطروق.

تجربتي في كتابة هذه الرواية كانت تطهيرا لروحي من آثام انزلاقي في الحدث الآني، ونبشا في اللاوعي، وزرعا لسنابل المحبة، لتحل مكان أشواك الرتابة في الحياة، وإعادة صياغة عالم لانهائي، متسم بجحيم لامحدوديته، ولامطروق فنائه المقدس.

عندما بدأت أكتب الرواية، كنت شديد القلق من الغرق في آنية الحدث، وفي الوقت ذاته، كنت أجر قدميّ بعيدا من هاوية الفنتازيا الغاوية، فالآني سطحي، والفنتازيا هروب، وأنا أبحث عن العمق، لذلك عانيت الأمرين، وعندما وصلت إلى نهايتها شعرت بفرحة مشوبة بيأس ناجم عن تماس كوني بيني وبين المطلق، دون أن أبتعد عن الهموم الكبرى، وقلت في نفسي: اليوم أكملت مهمتي، وأقوى على الارتياح في قبري، وتأهبت لكل شيء غير متوقع، ومنها عذاب القبر، والخلود في الجحيم.

فليسخر من روايتي نزلاء فنادق الدعارة الفكرية والفئوية، لأنني لا أحفل بهم، وسأنال منهم واحدا واحدا، ولو مزقوني.

أنجزت شيئا أستحق أن أعاقب عليه بالموت، وأستطيع أن أموت بسعادة، حتى لو قتل النقاد روايتي وألقوا جثتها في مستنقع الآني المقيت، أو الفنتازيا الغامضة، فالموت بسعادة أمر محبب إلى روحي، انتابني شعور الترحيب بالفناء الجسدي للمرة الثانية، بعد خمسة وثلاثين عاما، في المرة الأولى كنت أطلق رصاصا من بندقية كلاشينكوف على هدف في معسكر تدريب تابع لحركة فتح في جنوب لبنان، وأتذكر بوضوح أنه رغم أنني لم أصب أيما هدف من الدوائر الكبيرة والصغيرة، إلا أنني شعرت بأنني أصبحت مستعدا للموت بسعادة.

وهذه المرة انتابني الشعور ذاته عندما أطلقت عشرات الآلاف من رصاص الكلمات على الورق، وشعرت أن تلك الرصاصات سترتد إلى نحري، ويكفي أن تصيبني رصاصة واحدة فتقتلني.

 كان المطلق هاجسي، ولذلك حرصت على ألا أغرق في مواضيع آنية، مثل تلك المواضيع التي غرقت فيها طوال حياتي، أثناء عملي كصحفي، كتبت كثيرا عن أراجيف رجال السياسة، وتجار الثقافة، يوما بعد يوم، ورددتها كالببغاء وكدت أصدقها، وقرفت من ألف مقالة ومقالة كتبتها في الصحف والوكالات، كنت فيها ناقلا للأراجيف، شعرت أنني مجرد ضفدعة خارجة من مستنقع.

ولكني في لحظة ما، لحظة يأس، ولحظة أمل وحلم كبير، تذكرت حكايات جدتي، التي لم تكن تقرأ وتكتب، ولكنها كانت تحفظ عن ظهر قلب حكايات ألف ليلة وليلة، وتذكرت ليالي الصيف، عندما كان جدي يروي سيرة أبي زيد الهلالي في ساحة حارة بني دار في مدينة الخليل، انتفضت على ذاتي، ورفضت الاستكانة للهموم الكبرى، كيف أفسر هذا الشعور الخفي؟ أوشكت أن تجرفني الهموم الكبرى مثل قضية فلسطين، والاحتلال، والتخلف، والجهل، والاستسلام المخزي للأعداء، والتعاطي مع جيوش اليائسين والمثقفين الانتهازيين الذين يتكاثرون حولي كالصراصير، فأغرق في المستنقع، ولا أرى المستور في اللانهائي.

لكن حكايات جدتي وأشعار جدي البطولية، وممارستي مهنة الصحافة منذ عام 1981 حفزتني أن أرى جواهر الأشياء، وأسكن العمق.

 وبدأت الكتابة، لم يكن ذلك سهلا، إنها أصعب من معركة، وليس أصعب على المرء من أن يخوض معركة غير مستعد لها، لم أكن مستعدا لأن أخوض معركة كتابة الرواية، كان سلاحي في هذه المعركة تجاربي في التغطية الصحافية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وبعض أحلام شاعرية تعشش في دماغي منذ كنت طالبا في الثانوية، وكنت حينذاك مبهورا بالشاعر مظفر النواب، وكانت لغتي العربية مشوشة بإنجليزية لم أسيطر على عنانها، واشتدت في الفترة التي كتبت فيها الرواية أعباء الحياة، من مصاريف وفواتير ورسوم جامعية لابنتي وابني، فقدت جزءا مهما من عملي، هل كانت تلك محفزات أم عراقيل؟!

كتبت فصولا، سخر البعض منها، وجاملني آخرون، وانهالت علي النصائح من كل حدب وصوب، تدعوني إلى التوقف عن الكتابة، والتصرف كبقية خلق الله، وواجهت جبالا من الإحباط، وجيوشا من الساخرين من عمقي ومطلقي.

كان التجريب ملاذي، وغرقت في عالمه، كتبت في ساعات الصباح، وحلمت في الليل، فاجأتني الجمل والأفكار والصور وأنا في أوج نومي، فكنت أستيقظ، وأصعد إلى سطح منزلي في الليل الدامس، وأذرعه ذهابا وإيابا، وأسجل ما أفكر فيه على الورق، ثم آوي إلى فراشي، لأنهض قبيل الفجر، وأنهمك في الكتابة.

توقفت عن زيارة الأقارب، تكلمت مع من صادفني من الأصدقاء بكلام مجدول بحبال الحلم، والدهشة، توقفت عن سماع الأخبار، التي كنت أدمنها، وتوقفت عن تصفح المواقع الإخبارية، لم تعد تشغل بالي المعارك السياسية في المنطقة، وضعتها جميعا في خانة الحدث الآني، وكنت غارقا في البحث عن المطلق السرمدي.

انتهيت من كتابتها، فانتهت المعركة، وكانت نتائجها غريبة، غير متوقعة، غمرني شعور عذب بأنني أصبحت متأهبا للموت، أمد رقبتي أمام المقصلة، وليكن القارئ والناقد جلادي، فأنا لم أصل إلى الاكتمال، وأظن أن تجربتي في هذه الرواية لم تكتمل، لم أقل كل ما عندي، هناك دائما أفق غامض أتطلع إليه، أفق مسكوب من روحي، هناك دائما سياق روائي، حبكة ما، تتجلى وتختفي كالشبح، هناك دائما لحظة جميلة كلحظة الموت الذي لا أخافه، لأنني لا أخاف من الاضمحلال، فالكتابة حياة أبدية، أنا لا أرهب عذاب القبر، ولا الخلود في الجحيم، فقد طهرت روحي، في أول رواية لي، جعلتني انفلت من الآني، من اللحظة الحاضرة إلى اللانهائي ولو كان جحيما.

Comments»

1. عزيز حلمي - 14 February 2008

كل الاحترام يا استاذ سعيد. تجربة ممتعة أخرجت ملحمة أدبية أنتظر قراءتها حال صدورها في كتاب. أتمنى لك كل توفيق.

2. لمياء - 18 February 2008

اكثر من رائعة

3. ليلى علان - 21 February 2008

لا شك لدي ان هذه الرواية بعنقها الا محدود و تعبيرها العميق عن تاريخ قراناه وحاضر عشناه ومستقبل نحلم به جعلتني اوقن ان اللغة لم تخن سعيد ليعبر بطريقته المميزة والعميقة عن الحقيقة والى الامام يا سعيد

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security text shown in the picture. Click here to regenerate some new text.
Click to hear an audio file of the anti-spam word