اللجنة الدعوية في مسجد الرحمة-خان يونس

إيمانية-تربوية-إعلانات نشاطات اللجنة



مواضيع تربوية

أكتوبر 19, 2010

التربية بالحوار والإقناع

 

بقلم: د. سمير يونس

خرج أمير المؤمنين- رضي الله عنه- ذات يوم في جولة تفتيشية، فرأى إبلاً سمانًا تمتاز عن بقية الإبل بنموها وامتلائها، فسأل عمر- رضي الله عنه- إبل مَن هذه؟، قالوا: إبل عبد الله بن عمر، فانتفض أمير المؤمنين، وقال: عبد الله بن عمر!! بخٍ بخٍ يا ابن أمير المؤمنين!!.

 

وأرسل في طلبه من فوره، وأقبل عبد الله يسعى، وحين وقف بين يدي والده أخذ عمر يفتل سبلة شاربه، وتلك كانت عادته إذا أهمه أمر خطير، وقال لابنه:

 

ما هذه الإبل يا عبد الله؟

 

فأجابه: إنها إبل أنضاء- أي هزيلة– اشتريتها بمالي، وبعثت بها إلى الحمى أتجر فيها، وأبتغي ما يبتغيه المسلمون.

 

فغضب عمر في تهكمٍ لاذع، وقال لعبد الله بن عمر: يقول الناس حين يرونها– أي الإبل– ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين، اسقوا إبل ابن أمير المؤمنين، وهكذا تسمن إبلك، ويربو ربحك يا ابن أمير المؤمنين، ثم صاح به: يا عبد الله بن عمر: خذ رأس مالك الذي دفعته في هذه الإبل، واجعل الربح في بيت مال المسلمين.  

 

بتحليل هذا الموقف تربويًّا نلاحظ حرص أمير المؤمنين عمر- رضي الله عنه- على مناقشة ابنه والتحاور معه؛ لإقناعه، ورأى فيما صنعه ابنه شبهة لم يستسغها، فلم يقتنع بقوله، ومن ثَمَّ طبق عليه العدالة، فحرمه الربح الذي كان ينتظره، وأمره أن يبيع الإبل، ويأخذ من ثمنها ما دفع، لا يزيد شيئًا، وكان هذا أسلوبًا مؤثرًا في تعديل سلوك الابن.

 

 لقد كان في مقدور سيدنا عمر- رضي الله عنه- أن يصدر قراره دون أن يستدعي ابنه عبد الله، أو يناقشه ويحاوره دون أن يتيح له فرصة الدفاع عن نفسه، وخاصةً أن للخليفة على رعيته حق السمع والطاعة، وكذلك للأب على ابنه هذا الحق، ولكنه رضي الله عنه استدعاه وناقشه وحاوره، ودافع عبد الله بن عمر عن وجهة نظره في قوله إنها إبل أنضاء اشتريتها بمالي، وليس بمال أحد، وبعثت بها إلى الحمى، أتجر فيها وأبتغي ما يبتغيه المسلمون.. أي أنه رضي الله عنه لم يمارس حقًّا خاصًّا به، ولم يسمح لنفسه بصلاحيات خاصة؛ لأنه ابن أمير المؤمنين بل استثمر واعتنق وسيلةً استثمارية هي ذاتها التي يستخدمها جميع المسلمين.

 

مثل هذا الموقف نستلهم منه أسلوب التربية بالحوار والإقناع، فالتربية الحوارية العقلية والإقناع من الأساليب المهمة في تربية أولادنا  

 

مفهوم التربية بالإقناع:

 

أحد أساليب التربية الإسلامية يستخدم فيه المربي طرقًا مؤثرة تهدف إلى إقناع المتعلم بالصواب في قضية أو فكرة معينة، بعيدًا عن أية مؤثرات سلبية، كالإجبار والإكراه أو مؤثرات خارجية غير مقنعة.

 

 التربية بالحوار والإقناع تربية إسلامية:

 

التربية بالإقناع من أساليب التربية المؤثرة المهمة؛ لذا ركَّز عليها الإسلام، فكثيرًا ما نجدها في القرآن، كما نجدها في سنة رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم.

 

بالحوار والإقناع يقوى الإيمان:

 

مَن يقرأ القرآن الكريم ويطلع على سنة النبي صلى الله عليه وسلم يجد اهتمام القرآن والسنة بالتربية العقلية عن طريق الحوار والإقناع، وخاصةً في تثبيت الإيمان وتقويته.

 

التربية بالإقناع في القرآن الكريم:

 

ينتشر أسلوب التربية بالإقناع في القرآن الكريم، فمن القضايا التربوية الإيمانية التي اهتمَّ بها القرآن الكريم قضية إثبات إحياء الموتى، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (11)﴾ (ق).

 

 فقد لفت القرآن الكريم الأنظار هنا إلى إبداع الله وجمال صنعه في الكون، وإلى السماء وعظمة بنائها وجمال زينتها، والأرض بجبالها وما بها من كل زوج بهيج، كان له بعد الموت حياة ونماء بعد إنزال الماء من السماء، كما لفت القرآن الأنظار إلى ما بين السماء والأرض من سحب وأمطار، وكيف أنبت بها الجنات والحب الحصيد والنخل المرتفع النضيد، وهي في حقيقتها أدلة إيمانية منطقية مقنعة، تؤيد بعث الناس وخروجهم؛ لذا ختم الآية الأخيرة بقوله سبحانه ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾.

 

  ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79)﴾ (يس).

 

  التربية النبوية بالحوار:

 

تعجُّ السيرة النبوية بمواقف وأحداث تربوية اتخذ فيها رسولنا الحكيم صلى الله عليه وسلم الحوار أسلوبًا، وكان مؤثرًا سواء في تثبيت فكرة في عقول أصحابه رضي الله عنهم، أم في تهذيب نفوسهم، أو في إقناعهم بأمر ما.

  

ومن ذلك هذا الحديث الذي رواه جابر- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ بجدي أسك (أي مقطوع الأذنين) ميت في السوق، فتناوله، ثم قال: “أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟” قالوا ما نحب أنه بشيء أوما نصنع به؟ قال: “أتحبون أنه لكم؟” قالوا: والله لو كان حيًّا كان هذا السك عيبًا فكيف وهو ميت؟ فقال “فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم”.

 

 فهذا موقف تربوي استثمره النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى جديًا مقطوع الأذنين، ميتًا تزكم رائحته الأنوف، يمسكه ويعرض على أصحابه أن يشتروه بدرهم، فيعزفون عنه ويأبون، فيحاورهم، موضحًا بما تفيدهم جيفة قذرة؛ لأن الجدي لو كان حيًّا وهو مقطوع الأذنين ما رغبوا فيه فكيف وهو ميت.

 

 فقد حاورهم صلى الله عليه وسلم حتى وصلوا إلى قرار العزوف عن هذه الجيفة، وهنا أخبرهم بهوان الدنيا وتفاهتها؛ ليعمِّق فيهم الزهد فيها، ويخرجها من قلوبهم، ويحثهم على الإقبال على الآخرة؛ لأن الدنيا لو كانت تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء.

 

 من هنا يتضح ما للحوار من تأثير تربوي فهو من وسائل الاتصال الفعالة، وتزداد أهميته في التواصل مع أولادنا، سواء في البيت أم المدرسة؛ لذا هذا الأسلوب التربوي برز في القرآن الكريم والسنة المطهرة.

 

 السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: كيف نتحاور مع أولادنا؟ والإجابة عن هذا السؤال هي موضوع المقال القادم بمشيئة الله تعالى.

 

سلوكيات دعوية خاطئة

بقلم: محمد عبده

لا شك أن الدعوة إلى الله واجب شرعي لا يمكن التفريط فيه، أو التغافل عنه وتناسيه والانشغال بغيره، وعلى المرء المسلم الذي آمن بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا ورسولاً أن يمارس الدعوة إلى الله؛ إعذارًا إلى الله، وتقربًا إليه، وطمعًا في الأجر والثواب، وهربًا من اللعنة التي لحقت ببني إسرائيل لتخليهم عن واجب الدعوة والنصح.

 

﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79)﴾ (المائدة)، وطمعًا في الفوز بما عند الله من الأجر والمثوبة للدعاة المصلحين: “لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حمر النعم”.

 

 وبالدعوة إلى الله تصل الأمة إلى المجد والرفعة والسيادة، وتحرر عقولها وأفكارها كما تحرر أرضها من كل وصي عليها، أو محتل لها، أو مستولٍ على ثرواتها، وحينها تصبح الأمة خير أمة أخرجت للناس.

 

لذلك فإن الدعاة إلى الله الذين حملوا على كواهلهم هم الدعوة إلى الله، وتحمل مشاق الطريق ولأوائه، يعتبرون بحق في أشرف المقامات، وأعظمها أجرًا ومثوبةً عند الله، ولهذا الفضل العظيم استحقوا الثناء من الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)﴾ (فصلت).

 

 فلا أحد أحسن منهم قولاً، ولا صنعًا، إنهم يأخذون بأيدي العباد إلى الله، ويحببونهم فيه. فيا بشراكم أيها الدعاة، وهنيئًا لكم هذا الشرف العظيم الذي منحكم إياه رب العالمين. وهنيئًا لكم بشرى رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا”. من هنا كان الدعاة على خطر كبير، إن هم أضاعوا هذا الشرف العظيم من أيديهم، وأصاب طريقهم الدعوي من الأخطاء ما يستنزف تلك الأجور العظيمة، والمثوبة الكبيرة.

 

ومما يعرض هذا الأجر العظيم للفقدان والضياع؛ أن يصبح كلام الداعية حجة عليه لا له. عندما يفتقد المصداقية والواقعية. عندما يكون هناك انفصال بين القول والعمل. عندما يكون هناك اختلاف بين الظاهر والباطن.

 

عندما يكون هناك تناقض بين الواقع والواجب. أن يصاحب دعوته سلوكيات خاطئة وتصرفات مشينة، تضر بدعوته كما تلحق الضرر به، فيكون فتنة لغيره ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (5)﴾ (الممتحنة)، وعندما يحدث ذلك تخسر الدعوة، ويخسر الداعية، تخسر الدعوة مصداقيتها عندما ترى صاحبها على غير الخلق الذي يدعو إليه، فتحمل الدعوة على تصرفه وهي منه براء، ويخسر الداعية عندما عندما يضيع أجره وثوابه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2)﴾ (الصف).

 

يقول الشهيد سيد قطب- رحمه الله-: “إن الكلمة لتبعث ميتة وتصل هامدة مهما كانت طنانة متحمسة.. إذا هي لم تنبع من قلب يؤمن لها، ولن يؤمن إنسان بما يقوله حقًّا حتى يتحول هو ترجمة حية لما يقول، وتجسيمًا واقعيًّا لما ينطق به”.

 

إن أحدًا لا يمكنه أن ينكر حال الأمة البئيس، وإن أحدًا لا يستطيع أن ينكر حاجة الأمة إلى المنقذ الذي يخلصها مما هي فيه، وشغفها بتحقيق حلمها الذي طال انتظاره، ولا أحد ينكر أن هذا الأمل معقود على الدعاة الذين يصلحون في الأرض ولا يفسدون، يعمرون ولا يخربون، يبنون ولا يهدمون، هداة مهتدين، يفعلون ما يقولون، قدوة لغيرهم، وأسوة لأقرانهم، يؤثرون غيرهم على أنفسهم، ويقدمون سواهم على أهليهم.

 

واليوم الذي يأتي فيه الدعاة بالأقوال دون الأفعال، وبالمظهر دون الجوهر، واليوم الذي يبحثون فيه عن المغنم الذي يصيبهم من دعوتهم سواءً كان ماديًّا أو معنويًّا ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (58)﴾ (التوبة)، وفي الوقت الذي تصدره “أنا” وتحتل مكانة في صدور الدعاة بحثًا عن مكانة أو رعاية، وفي الوقت الذي يصاب فيه الدعاة بأمراض مجتمعاتهم فلا يختلفون عنهم في شيء مما ينهونه عنه، في هذه الحالة تفقد الدعوة إحدى ركائزها في تحقيق التقدم، وإحراز التغيير المنتظر، ففاقد الشيء لا يعطيه، وصدق القائل: (أقيموا دولة الإسلام في نفوسكم تقم على أرضكم).

 

من أجل هذا كانت تلك بعضًا من السلوكيات الخاطئة التي قد يصاب بها الدعاة، نضعها بين أيديهم لنحذرهم منها، منبهين لهم من خطورتها، والتي إذا أصيبوا فيها حينئذٍ يكون تأخر المشروع الإسلامي، وتعطل ماكينات الإصلاح والتغيير، وهذه السلوكيات التي نعرضها ليست بالضرورة منتشرة في الدعاة، أو أنهم قد أصيبوا بها بالفعل، بل من باب الحيطة والحذر وشدة الانتباه، فقد كان حذيفة بن اليمان يقول: “كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني”.

 

فهذه محاولة لتناول تلك السلوكيات الخاطئة، في محاولة لمحاصرتها، والتحصن منها، مخافة أن يدرك الدعاة شيء منها مصداقًا لحديث الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان، وسوف تسترشد بكلمات لمؤسس حركة الإصلاح والدعوة في القرن العشرين الإمام المجدد حسن البنا رحمه الله.

 

أخي الكريم.. إن هذه السلوكيات التي سوف نستعرضها ليس بالضروري أن يكون جميع الدعاة مصابين بها، بل قد يصاب أحدهم بإحداها أو باثنتين منها، فعلى كل داعية أن يتسع صدره، ولنعترف بهذه السلوكيات وبإحداها متى وجدت فيه، وليقابلها بكل شجاعة ويتصدى لها ويحاصرها حتى يتغلب عليها، وليحمد الله كل من عافاه لله منها، وباعد بينه وبين الابتلاء بها، وليعاهد ربه على الاستمرار في طريق الاستقامة. وما سوف نذكره ليس من باب بث الحزن والضيق واليأس في النفوس، بقدر ما هي تذكرة لتلاشيها وتجنب الإصابة بها ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55)﴾ (الذاريات).

 

وإليك أخي القارئ بعضًا من هذه السلوكيات الخاطئة التي يجب أن نحذرها: اختلال النية فمن السلوكيات الخاطئة التي قد يصاب بها الدعاة أثناء سيرهم في الطريق اختلال نياتهم، وفسادها في بعض الأحيان وافتقادها الإخلاص، وإصابتها بشوائب الشرك والرياء. والإخلاص هو أمر في أعماق القلب، لا يطلع عليه أحد إلا الله تبارك وتعالى، ولكنه يتجلى في أمور عديدة، وثمرته تبدو واضحة جلية في مجال الدعوة. ومن صور اختلاف النية عند بعض الدعاة: التحدث كثيرًا عن إنجازاتهم وأعمالهم وآثارهم، ومناقبهم، وفضلهم على العمل الإسلامي عامة، وفي مجال الدعوة خاصة.

 

ومن صور اختلاف النية عند بعض الدعاة: عدم سعادتهم إذا تحقق الخير للدعوة على يد أحد غيرهم، وإصابتهم بالغم والحزن والهم إذا ما تفوق الآخرون عليهم ووجدوا القبول عند العامة. ومن صور اختلال النية عند بعض الدعاة: حرصهم على نيل قسط وافر من المدح والثناء، وتغير نفوسهم عند الذم وحدوث النقد لأعمالهم. ومن صور اختلال النية عند بعض الدعاة: طلبهم للمنفعة وحرصهم على الحصول على المكسب جراء دعوتهم، سواء كان المكسب ماديًّا أو معنويًّا.

 

ومن صور اختلال النية عند بعض الدعاة: الرغبة في الظهور، وتولي المناصب القيادية، والحرص عليها، والتمسك بها وعدم الرضا بغيرها للعمل في صفوف الدعاة. ومن صور اختلال النية عند بعض الدعاة: العجب والاغترار بالقدرات والإمكانات وإبراز فضلها على العمل الدعوي.

 

 ضعف الصلة بالله ومن السلوكيات الخاطئة التي قد يصاب بها الداعية جفاء علاقته بالله، وضعف صلته بمولاه، فالداعية أول ما يتطلبه منه إسلامه أن يكون وثيق الصلة بالله، دائم الذكر له والتوكل عليه، يقظ القلب، حاضر الذهن، يوجد بكثرة حيث أمره الله، ويغيب حيث ينهاه، مطيعًا له في كل أوامره، مقبلاً على طاعته، يبشر بسعادة واطمئنان، مخبتًا أوابًا خاشعًا، وقافًا عند حدوده، منتهيًا عند نواهيه، يسارع إلى أوامره وإن خالفت هواه “لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به”.

 

والداعية عندما يفقد كل هذه الصفات والمقومات على الطريق فإنه بمثابة من فقد الزاد في السفر الطويل. ومن مظاهر ضعف الصلة بالله: طول الغفلة عند الداعية، والإعراض عن أوامر الله. ومن مظاهر ضعف الصلة بالله: التهاون في أداء الصلوات وتأخيرها عن وقتها، ومن ثم التخلف عن أدائها في المسجد في الجماعة الأولى. ومن مظاهر ضعف الصلة بالله: التقصير في حق القرآن قراءة وتدبرًا وتطبيقًا، ومن أهم صور التقصير هجره، والهجر يعني: هجر فهمه والتأثر به، هجر معجزته الحقيقية التي تتمثل في بث الروح وتوليد الطاقة والدافع الذاتي للفرد ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ (الشورى: من الآية 52).

 

فالقرآن هو أهم مولد للإيمان: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (الأنفال: من الآية 2). ومن مظاهر ضعف الصلة بالله: تكاثر الهموم، وتشتت القلب عن الهدف الحقيقي، وصرف الهمة إلى مشاغل أهل الدنيا واهتماماتهم.. “من كانت الآخرة همه، جعل الله غناه في قلبه وجمع عليه شمله وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه، جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له”.

 

ومن مظاهر ضعف الصلة بالله: عدم الثبات أو الاستمرار على طريق الطاعة والهداية، والالتزام بمتطلبات هذا الدين، والمداومة على الخير، والسعي الدائم للاستزادة من متع الدنيا. ومن مظاهر ضعف الصلة بالله: هجر قيام الليل، فقيام الليل هو وقود الدعوة، فمن خلاله يتزود الداعية بزاد الإخلاص، ويجدد عهده مع الله وانتسابه إليه، ويستمد منه القوة والطاقة التي تعينه على القيام بأعباء مهمته العظيمة. أوقات مهدرة ومن السلوكيات الخاطئة التي قد يصاب بها البعض إهدار الأوقات، فمن الأشياء التي تصيبك بالدهشة، تلك الأوقات المهدرة بين أبناء الدعوة والتي يترخصون فيها، ولا يلتزمون بآداب التعامل معها، فالحرص على المواعيد والالتزام بها والانضباط فيها يعكس مدى فهم الأخ لقيمة الوقت له ولإخوانه، فالملاحظ أن قدسية الوفاء بالوعد والالتزام بالموعد قد ضعفت، حتى شاع بين الأقران أنك إذا أردت أن تحدد موعدًا فعليك أن تبلغ الآخرين بالموعد منتقصًا نصف الساعة على الأقل، فرضية التأخير المتلازمة والمتوقعة، بمعنى أنك إذا أردت أن تضرب موعدًا للحضور في تمام الساعة العاشرة مثلاً، فعليك أن تبلغه لمن تريدهم أن الموعد هو الساعة التاسعة والنصف.

 

ولعل من أعظم الأضرار في خلف الموعد وعدم الالتزام به أن يزيد من فقد الثقة بين الأفراد، ويهدر أوقاتًا من الممكن أن تستثمر فيما يفيد، بالإضافة إلى إهدار أوقات الغير، ورحم الله الإمام حين جعل من وصاياه “الواجبات أكثر من الأوقات، فعاون غيرك على الانتفاع بوقته، وإن كان لك مهمة فأوجز في قضائها”، وكأن الأستاذ عمر التلمساني- رحمه الله- يضع في مكتبه عبارة يقول فيها “وقت الدعوة لها لا لغيرها فدعه لها”.

 

واجبات ضائعة

ومن السلوكيات الدعوية الخاطئة التي قد يُصاب بها البعض التقصير في الواجبات المكلفين بها، فلا أحد ينكر أن هناك أشياء كثيرة في الواجبات المكلفين بها، فلا أحد ينكر أن هناك أشياء كثيرة أصبحت في أعناقنا بموجب انتمائنا للدعوة، ولكننا قد نكون نسيناها أو غفلنا عنها بمرور الوقت، فلم نشعر أنها أمانة في أعناقنا يجب أن تحفظ لا أن تضيع.. أن يعمل لها لا أن تركن على الرف. سنلاحظ أن هناك عهدًا وميثاقًا مع الله قبل أن يكون للدعوة، ومن هنا يتأكد لنا أن الطاعة لم تكن خلقًا متأصلاً عند البعض، ورحم الله الشيخ الغزالي حين قال في كتابه “فقه السيرة”: “والجماعة التي لا يحكمها أمر واحد، والتي تغلب على أفرادها وطوائفها النزعات الفردية النافرة، لا تنجح في صدام، ولا تشرف نفسها في حرب أو سلام، والأمم كلها- مؤمنها وكافرها- تعرف هذه الحقيقة، ولذلك قامت الجندية على الطاعة التامة”.

 

وهؤلاء غالبًا يعتبرون الطاعة تقييدًا لحريتهم، ونوعًا من التعسف ضدهم، يعتبرون الطاعة مذلة واستكانة للغير لا بد أن تقابل بالرفض والاعتراض. وفي هذا يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: “وإحسان الجندية كإحسان القيادة، فكما أن إصدار الأوامر يحتاج إلى حكمة، فإن إنفاذها يحتاج إلى كبح وكبت، ولكن عقبى الطاعة في هذه الشئون تعود على الجماعة بالخير الجزيل، وأسرع الناس إلى الشغب والتمرد من أقصوا عن الرئاسة وهم إليها طامحون”.

 

والبعض ينظرون إلى القادة نظرة أقران لا فرق بينهم، بل يظنون أحيانًا أنهم أكثر من حكمة، وأن آراءهم أكثر إصابة من آرائهم.

Be Sociable, Share!