اللجنة الدعوية في مسجد الرحمة-خان يونس

إيمانية-تربوية-إعلانات نشاطات اللجنة



مواضيع إيمانية

أكتوبر 19, 2010

أحمد العسال.. في قافلة الدعوة والجهاد

د. أحمد العسال

بقلم: د. كامل عبد الفتاح

 

كان أحمد العسال، رحمه الله، من الشخصيات التي تُنكر ذاتها في سبيل إسعاد غيرها، فكان دومًا عند حاجة إخوانه، يسعى لخدمتهم عندما كان طالبًا ثم معلِّمًا، فأستاذًا، وفترة دراسته في المرحلة الثانوية، وفي الجامعة من أخصب الفترات في حياته، إلا أنه لا يتحدث كثيرًا عنها، ولولا قيام الدكتور يوسف القرضاوي بالحديث عنها في مذكراته لما علمنا عنها شيئًا؛ لذا نريد أن نُلقي الضوء على تلك الفترة التاريخية المهمة في تاريخ مصر، وفي تاريخ العسال، وفي جهدنا الضئيل سأتناول الآتي:

 

 

 أولاً: أحمد العسال سيرة ذاتية(1)

 

الدكتور أحمد محمد العسال.. من مواليد قرية الفرستق، مركز بسيون محافظة الغربية، جمهورية مصر العربية عام 1928م، أتمَّ حفظ القرآن في مكتب القرية، وتخرَّج في كلية الشريعة جامعة الأزهر عام 1953م، وحصل على دبلوم الدارسات القانونية، عام 1958م، وعمل في مكتب الشيخ شلتوت شيخ الأزهر عام 1960م، ثم تمَّ ابتعاثه إلى قطر لتدريس مادة اللغة العربية في مدارسها الثانوية عام 1961م وحتى 1965م؛ حيث توجَّه إلى لندن لدراسة الدكتوراه، وحصل عليها في الدراسات الإسلامية من جامعة كامبردج سنة 1968م، كما عمل في جامعة كامبردج في تحقيق المخطوطات حتى 1970م، وفي المملكة العربية السعودية عمل رئيسًا لقسم الثقافة الإسلامية بجامعة الإمام من سنة 1970م حتى رأس عام 1984م قسم الدعوة في كلية الدعوة والإعلام في جامعة الإمام محمد بن سعود عين عام 1986م أستاذًا بالجامعة الإسلامية العالمية بإسلام آباد في الأعوام من 1986م، حتى 2002م فتمَّ تعيينه نائبًا فرئيسًا، فمستشارًا للجامعة الإسلامية في إسلام آباد إلى أن وافته المنية.

 

  

 

وقد شارك في تحرير مجلتي (منبر الإسلام) في الأوقاف، و(الوعظ) في الأزهر، كما شارك في إنشاء قسم الثقافة والدراسات الإسلامية في جامعة الرياض، وهو متخصصٌ في الثقافة الإسلامية، وله باعٌ طويلٌ في تأليف المناهج الإسلامية، وله العديد من المؤلفات في مختلف المجالات الإسلامية.

 

  

 ثانيًا: العسال وجماعة الإخوان

 

يقول الدكتور أحمد العسال عن التحاقه بالإخوان: “العجيب أنني والشيخ يوسف القرضاوي كنا نسير في الشارع بعد خروجِنا من المعهد، فوجدنا جوالة الإخوان تقف في الشارع تهتف: “الله أكبر ولله الحمد” وتقول: “الله غايتنا، والرسول قدوتنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا” فهزَّتنا المبادئ، فمضَينا خلْفَ الجوّالة فعرَفنا الشعبة، وكنا آنذاك في الصف الثالث الإعدادي الأزهري، وكان يدرِّس لنا في المعهد أستاذ طيب، وكان عضوَ مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين، وهو الأستاذ بهيِّ الخولي، فتولاَّنا، وكان يجلس معنا كل أسبوع مرتَين، يومي الأحد والثلاثاء، ولما دخلنا الثانوية أنا والشيخ يوسف تدرَّبنا على الخَطابة، وكان في ذلك الوقت الأخ أمين الوصيف المسئول عن قسم نشر الدعوة، فكان كل يوم خميس يوزِّع علينا القرى المحيطة بطنطا لنخطب فيها الجمعة، ومرَّت السنون حتى جاءت محنة 48 وتمَّ حلُّ جماعة الإخوان المسلمين”(2).

 

   

كان الطلبة- ولا يزالون- صوت الأمة الحيّ، والمعبِّر عن إرادتها وحيويتها، ولا سيما في أوقات الأزمات التي تحيط بالوطن، والأخطار التي تحدق به، فهم الذين يقودون الرأي العام الوطني، في مواجهة الاستعمار والاستبداد والظلم والقهر؛ وذلك لأنهم شبابٌ، والشباب يتميَّزون بالمشاعر الثورية، والعزائم الفتية، والنفوس الأبية، ولأنهم على حظٍّ من التعليم؛ فهم أكثر وعيًا بقضايا وطنهم وأمتهم، وكان الطالب أحمد العسال من هؤلاء الذين يبذلون الجهد الجهيد في سبيل تقديم النفع لغيرهم دون رغبة في مغنم؛ لذا عندما رشّح طلاب المعهد بكامل حريتهم وإرادتهم لقيادتهم والتعبير عنهم الطالب يوسف القرضاوي الذي كان قادرًا على خطاب الجماهير وتحريكهم بمثيرات الشعر والنثر؛ كان أحمد العسال من الأعوان الأقوياء الأمناء له (3).

   

 

وقد قام المعهد بدور كبير في القضايا الوطنية والعربية والإسلامية، ولا سيما قضايا الاستقلال ووحدة وادي النيل وقضية فلسطين؛ اللاتي شغلن تفكير الأمة، وشارك العسال زعماء المعاهد الإقليمية في عقد المؤتمرات لبحث المطالب الوطنية ومطالب التطوير والإصلاح، والنهوض بمستقبل الأزهر وإيضاحها، والإرسال بها إلى مشيخة الأزهر، وإعلانها على الطلاب، ومن تلك المطالب:

 

 

1- إدخال اللغة الإنجليزية في مناهج المعاهد الأزهرية.

2- تطوير مناهج العلوم الدينية والعربية بما يتلاءم وروح العصر.

 

3- فتح باب الدراسات العليا للمتفوقين، وتعيينهم معيدين في كلياتهم.

 

4- قبول الطلبة الأزهريين في الكليات العسكرية (الحربية والشرطة).

 

5- التوسُّع في إنشاء المعاهد الدينية في عواصم المديريات.

 

6- إنشاء معاهد للفتيات المسلمات، ليكُنَّ نواة لجامعة الأزهر للبنات (4).

 

  

 

وبعد عودة الإخوان 1949م كان من أهم جولات النشاط العلني التي قام بها العسال في تلك الفترة تأييد مرشحي الإخوان في الانتخابات؛ فقد تمَّ ترشيح عدد منهم في بعض الدوائر، وكان ذلك لغاية مهمة، وهي أن الانتخابات تتيح لهم- رسميًّا- الحديث عن الدعوة وأهدافها ومنجزاتها ومستقبلها، وإن لم يكن لديهم أملٌ في النجاح، فقد تمَّ ترشيح الشيخ الباقوري في دائرة القلعة، والأستاذ طاهر الخشاب في العباسية، والأستاذ مصطفى مؤمن في الجيزة، والأستاذ علي شحاتة في شبرا، والشيخ عبد المعز عبد الستار في فاقوس، والأستاذ فهمي أبو غدير في الوسطى وأسيوط.

 

 

وكان العسال ينتقل من دائرة إلى أخرى للمشاركة في المسيرات المؤيدة، أو في حملات الدعاية، لمساندة الإخوان، الذين لا يملكون من وسائل الدعاية والتجنيد ما يملك خصومهم المرشحون، وقد طلب الإخوان منه السفر إلى أسيوط للمساهمة في تأييد مرشح الدعوة المحامي فهمي أبو غدير، الذي رشَّح نفسه في دائرتين: دائرة الوسطى، ومنها (درنكة) بلدة حامد جودة النائب السعدي الكبير، ووكيل مجلس النواب السابق، وقال الأستاذ أبو غدير: إن قصدي ليس النجاح، ولكن إحياء الدعوة في الدائرتين، وقد قام العسَّال بجهد طيب في زيارة قرى دائرة الوسطى، فكان يحدث الناس عن الإسلام ودوره في علاج مشكلاتهم وبناء حياتهم على أسس صالحة، وأن الأمة في حاجة إليه لتحريرها من الاحتلال البريطاني، وتحرير فلسطين من الاحتلال الصهيوني. وأخيرًا جرت الانتخاب بعد أيام قليلة، ولم ينجح أي مرشح من الإخوان، وهو ما كان متوقَّعًا؛ فالانتخابات فنٌّ لم يتقنْه الإخوان بعد، ويحتاج إلى تهيئة وإعداد طويل (5).

 

  

وعندما زار الشيخ أبو الحسن الندوي مصر في يناير سنة 1951م، وكان أحمد العسال وقتها طالبًا في كلية أصول الدين، مشغولاً بدعوة الإخوان المسلمين، مسئولاً عن طلبة الإخوان في جامعة الأزهر مع أخيه القرضاوي وعدد من الإخوة الكرام؛ ذهب العسال مع بعض زملائه لزيارة الشيخ الندوي في مسكنه؛ ما كان له أكبر الأثر في تكوين شخصيات الطلاب وتنمية مداركهم العلمية والعقلية، وإشعارهم بضرورة وحدة الأمة (6).

 

ثالثًا: أحمد العسال في معارك القناة

 

عاد الوفد إلى الحكم في يناير عام 1950م، وأسهمت الصحافة في إشعال الحركة الوطنية بنشرها الفظائع البريطانية؛ ليس فقط بالكتابة والتحليل، بل والصور أيضًا، وحرضت على إلغاء معاهدة 1936م، وقد استجاب الوفد لنداء الشعب؛ فعندما فشلت المفاوضات مع إنجلترا وتحت ضغط القوى الشعبية اضطر إلى إلغاء معاهدة 1936م واتفاقية 1899م، وقال مصطفى النحاس باشا رئيس الحكومة كلمته الشهيرة أمام البرلمان: “من أجل مصر وقََّّعت معاهدة سنة 1936م، ومن أجل مصر أطالبكم اليوم بإلغائها” (7).

 

  

وكان لقرار الوفد بإلغاء المعاهدة أصداؤه الدولية الواسعة؛ حيث أرسلت سورية وإيران وإندونيسيا والاتحاد السوفيتي برقيات التأييد كما اجتمعت اللجنة السياسية للجامعة العربية في 19 أكتوبر 1951م، وأبـدت مساندتها الكاملة لمصر (8)، أما بريطانيا فكان رفض القرار بسبب أهمية قناة السويس في السياسة البريطانية، وخوفًا من أن يغري ذلك دولاً أخرى على إلغاء المعاهدة والاتفاقيات المعقودة بينها وبين إنجلترا (9).

 

  

وقد ترتب على إلغاء المعاهدة عدة إجراءات اتخذتها الحكومة المصرية إزاء السلطات البريطانية، التي كانت تتمتع بكثير من المميزات وفقًا للمعاهدة فقامت الحكومة بإلغاء جميع الإعفاءات المالية التي كانت تتمتع بها السلطات العسكرية البريطانية، كما تم إنهاء تصاريح الإقامة للبريطانيين الذين انتهت إقامتهم بالبلاد بسبب الخدمة في القوات العسكرية البريطانية بالمطارات (10) وبالرغم من تلك الإجراءات فإنها لم تكن كافية فقد طالب الشعب المصري بالكفاح المسلح ضد الإنجليز لإجبارهم على الانسحاب من قناة السويس لكن الحكومة لم تعد للأمر عدته(11).وكانت استجابة الشعب المصري جارفة، فالحركة الوطنية اتسع نطاقها وانسحب العمال المصريون من العمل في المعسكرات البريطانية، واندلعت المظاهرات الشعبية في كل أنحاء مصر. (12)، وكان لجماعة الإخوان النصيب الأوفر في هذا الجهاد، وخصوصًا بين شباب الجامعات المصرية، الذين يعتبرون طلائع العمل الوطني دائمًا. وتجاوب الطلاب مع صيحات الجهاد، وقامت معسكرات التدريب في الجامعات، وكان الإخوان قادة المسيرة، وموقدي الشعلة، ومحركي الشعب للتفاعل مع هذا النداء، مستفيدين من جو الحرية، الذي توافر إلى حد كبير في ظل حكومة الوفد.

 

وقد أقام طلاب الأزهر معسكرًا لشباب الأزهر، واختار الإخوان محمد عبد العزيز خالد قائدًا للمعسكر ومعه الصفطاوي وأحمد العسال وعلي عبد الحليم وغيرهم، وقد استحوذ المعسكر على نشاطهم في تلك الآونة، يتدربون فيه على استخدام الأسلحة، كما اعتنوا بالتربية الإيمانية، فهي نبع القوة المعنوية، ولهذا كان المعسكر يشتمل- مع التدريب العسكري والرياضي- على دروس توجيهية تنمي معاني الإيمان والرغبة في الجهاد، وحياة الخشونة والجندية، القائمة على الطاعة واحترام النظام. وقد هيأ المعسكر عددًا من الشباب الذي أخذ نصيبًا كافيًا من التدريب ليسافر إلى الشرقية قريبًا من القناة، ليستكمل تدريبه، ويستعد لمهمته في الجهاد، وفق أوامر القادة في الميدان. وكانت تلك مناسبة طيبة لإبراز مكانة الأزهر ودوره في هذه المرحلة الحساسة من حياة مصر.

 

 

وتم دعوة عدد من كبار الشيوخ في الأزهر والدعاة من خارج الأزهر، منهم الشيخ محمد عبد اللطيف دراز، والشيخ محمد عبد الله دراز، والأستاذ عبد الحكيم عابدين من الإخوان، والشيخ محمد البشير الإبراهيمي رئيس جمعية العلماء بالجزائر وضيف القاهرة، وقدّم أحمد العسال للحفل، وألقى بعض هؤلاء الضيوف كلمات، وبعد ذلك سافر العسال وإخوانه مع الكتيبة إلى منطقة (تل بسطة) بالقرب من الزقازيق بالشرقية، حيث تدربوا على استخدام القنابل الشديدة الانفجار، استخدامًا فعليًّا، كما تدربوا على (التهديف) وغيره. وكان من مدرّبي هذا المعسكر شاب فلسطيني متحمس في كلية الهندسة اسمه ياسر عرفات (13).

 

وكان الإخوان المسلمون أول من أرسلوا كتائبهم لقتال الإنجليز في القناة لذلك أرسل إليهم سيد قطب التحية، لأنهم تركوا الخطب والهتافات وتوجهوا بسلاحهم إلى القناة لمحاربة الإنجليز، وأخذ يطالب بقية الأفراد والهيئات بانتهاج منهج الإخوان (14). وقام الفدائيون بتدمير المنشآت البريطانية وإطلاق النار على الجنود البريطانيين خارج المعسكرات والسطو عليها أثناء الليل، وقيامهم بإلقاء القنابل والزجاجات الحارقة على السيارات ومخازن الذخيرة، وتدمير أسلاك البرق والتليفونات ونسف القطارات المحملة بالإنجليز، وإحراق مخازن البترول، ومهاجمة بعض المطارات، كما قاموا بمحاولة اغتيال القادة الإنجليز (15).

 

  

أرادت الحكومة الوفدية السيطرة على الموقف خشية أن تأخذ المسالة صورة حرب على إنجلترا تتسم بعدم التكافؤ (16).

 

لكن أثبتت الأحداث عدم استعداد الحكومة الوفدية التصدي للعدوان الإنجليزي على المصريين بالرغم من تأكيدها أنها قد أعدت لكل شيء عدته ومن ذلك هجوم القوات الإنجليزية في 25 يناير 1952 على مبنى محافظة الإسماعيلية وتدميره وإبادة من فيه من عساكر بلوكات النظام (17) مما أدى لاشتعال المظاهرات في القاهرة ثم حرق القاهرة ويميل “عبد الرحمن الرافعي” إلى اعتبار أن حريق القاهرة كان عملاً محليًّا قامت به العناصر الرديئة من الشعب  (18) أو عملاً إنجليزيًّا ونتج عن ذلك إعلان الأحكام العرفية وتمت إقالة الوفد في اليوم الثالث للحريق (19).

 

انتهت هذه الفورة من فورات المقاومة للإنجليز، ولم تحقق هدفها النهائي، وإن أقَضَّت مضاجع الإنجليز.

 

العمل الطلابي في الأزهر

 

وقد اجتهد طلاب كلية أصول الدين فأنشئوا اتحادًا لطلاب الكلية، رأسه الأخ الشيخ مناع القطان في سنته الأولى بانتخاب من الطلاب، فلما تخرج الشيخ مناع اختار الطلبة يوسف القرضاوي لرئاسته. وتتلخص الفكرة في: أن ينشئوا في كل كلية اتحادًا لطلابها، وكذلك في المعاهد الدينية، ثم ينشئوا (اتحادًا عامًّا) لجميع طلاب الأزهر يتحدث باسمهم، ويعبر عن أمانيهم، ولكن الظروف لم تساعدهم، ولا سيما بعد أن قامت ثورة يوليو.

 

وكان يحمل عبء الدعوة في الأزهر القرضاوي مع عدد من الشباب الأقوياء الأمناء، من أبناء الأزهر على رأسهم: أحمد العسال ومحمد الصفطاوي من كلية الشريعة، وصلاح أبو إسماعيل، وإسماعيل الطحان والمحروقي من كلية اللغة العربية، وحسن الشافعي ومحمد المطراوي وعلي عبد الحليم من معهد القاهرة، وكانت لهم كتائب ورحلات إلى المقطم وحلوان، ومخيمات لتربية الإخوان وتدريبهم على الحياة الخشنة والتعاونية، وغرس روح الجماعة فيهم. وكان نشر الدعوة بين طلاب الأزهر قائمًا على قدم وساق، حتى أصبحوا في وقت من الأوقات، وكأن الأزهر أصبح بطلابه وشيوخه قلعة إخوانية، حتى الشيوخ كانوا متجاوبين معهم إلى حد كبير، وعلى رأسهم الإمام الأكبر شيخ الأزهر في ذلك الوقت: الشيخ محمد الخضر حسين.

 

ومن أهم المؤتمرات التي أقامها الطلاب في هذه المرحلة: المؤتمر الأزهري العام، الذي عُقد في ساحة كلية الشريعة وكلية اللغة العربية، في مبانيها الجديدة بالأزهر، وقد حضر هذا المؤتمر طلاب الكليات الثلاث، وطلاب معهد القاهرة الديني، وكان من مطالب أبناء الأزهر تلك المطالب التي طالب بها العسال وزملاؤه من قديم، منذ كانوا طلابًا في القسم الثانوي، ولم يُستجب لها، ومنها فتح باب الدراسات العليا، لطلاب الأزهر كغيرهم، وفتح باب الكليات العسكرية- مثل الحربية والشرطة- أمامهم، والعمل ملحقين دينيين في سفارات مصر، وفتح مجالات العمل في المصالح والوزارات المختلفة أمام أبناء الأزهر، وفتح معاهد للطالبات… إلخ. وقد وصّل الطلاب مطالبهم إلى الأمام الأكبر شيخ الأزهر الخضر حسين، وكان متجاوبًا معهم في كل مطالبهم، والجهاد، ولكن الدولة لم تكن تتجاوب مع آماله (20).

 

المحن والاعتقالات:

 

كانت أولى اعتقالاته وهو في الصف الخامس الثانوي، حينما قام هو وبعض من الإخوان بعمل إضرابات ومظاهرات حتى لا تُحَلَّ الجماعة، واعتقل هو والشيخ القرضاوي وبعض الإخوان الآخرون إثر هذه المظاهرات، وتم ترحيلهم من قسم أول إلى الهايكستب، ثم إلى معتقل الطور، ولما عرفوا أنهم طلاب ثانوية استحيوا وأعادوهم إلى الهايكستب، ثم أعادوهم مرةً أخرى إلى الطور، وكان الشيخ محمد الغزالي في ذلك الوقت هو مسئول الإخوان في المعتقَل، وكان معهم في المعتقَل الشيخ عبد المعزّ عبد الستار، وبعد خروجه من المعتقل بعد ما يقرب من 9 أشهر ونجاحه في المعهد الثانوي، تقدَّم إلى كلية الشريعة، ثم اعتُقل بعد ذلك عام 1953م على يد رجال الثورة ثم أُفرج عنه، ثم اعتقل فظل في السجن الحربي حتى يونيو 1956م، فخرج وأتم دراسته بالكلية، وبعد تخرجه منعَته الحكومةُ من التعيين في أي عمل وظيفي، فعمل في المدارس الخاصة. ويقول عن فترة اعتقاله في السجن الحربي: “حرمونا من المصحف، ومع ذلك كان كل واحد منا يقدِّم درسًا مما يعلمه، والاعتقال في السجن الحربي كان قاسيًا جدًّا؛ حيث منعوا عنا كل شيء، سواءٌ كانت مصاحف أو كتبًا، وحتى الزيارات منعوها، وكنا نتدارس مع بعضنا ما نعلمه، واللطيف أن البعض منا تعلم اللغة الإنجليزية على البطانية السمراء والصابون اللوكس، وأتذكر أن أول زيارة لنا في السجن الحربي كانت بعد 7 شهور” (21).

 

وبعد رحلة عمل وعلم كان آخرها توليه رئاسة الجامعة الإسلامية العالمية بإسلام آباد بباكستان عاد إلى مصر واستقر بها حتى مرت رحلة الحياة بهذا العالم الفذ وغادر عالمنا إلى الأرحب والأفضل بإذن الله تعالى وكانت وفاته في يوم السبت الثامن والعشرين من شهر رجب 1431هـ، الموافق العاشر من شهر يوليو 2010م.

 

رحم الله الفقيد الأستاذ الدكتور المجاهد أحمد العسال وأسكنه فسيح جناته.

 

 

مصعب بن عمير.. نموذج في الإصلاح والتغيير

بقلم: الشيخ/ السيد عبد الله  

حديثنا عن نموذج فريد في الإصلاح والتغيير، فقد كان ريحانة مكة، وأعطر أهل مكة، وأنعم شباب مكة، نشأ في النعمة، وغذي بها، عاش من حياة الثراء والترف ما لم يحظ به غيره من شباب مكة، وعندما سمع عن الإسلام، وعظمة الإسلام، ورقي تعاليمه، وسمو أخلاقه، تغير!  

فقد اختار الإيمان بالله واتباع رسوله، وتنازل عن كل ما كان يعيشه من الرغد والزينة، نعم إنه نموذج عظيم للتغيير، لشاب قبل أن يغير حياته من الضد إلى الضد، ونفسه بذلك راضية، إنه مصعب بن عمير- رضي الله عنه وأرضاه- نموذج الشاب الذي حطم قيود الجاهلية مع أنها كانت من ذهب، وتعاظم على عيش الجاهلية، وكان له رغد، وتعالى على رغبات نفسه ونزواتها، وإن كان سيكون فيه تعب ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)﴾ (النازعات).  

   

نشأ رضي الله عنه وأرضاه، في أسرة هي أنعم أهل مكة، وأكثرهم مالاً وثراءً ومتعةً، أمه هي خناس بنت مالك، امرأة تتمتع بقوة في الشخصية، ومال كثير وفير، يهابها أبناؤها ويعملون لها ألف حساب، ابنها مصعب كان مدللاً مترفًا، كان أشهر شباب مكة في الأناقة واللياقة، في تميزه في لباسه وعطره وحديثه، أوامره عند أمه مجابة، وطلباته ملباة.  

سمع مصعب بدعوة الإسلام، ولعله لفت نظره التغير في سلوك بعض من آمنوا، ممكن كان يعرفهم، فرأى التغير الذي أحدثه الإسلام فيهم، فأراد أن يتعرف على الإسلام، وبدأ يبحث كيف يستطيع أن يلتقي بصاحب الرسالة، محمد- صلى الله عليه وسلم- إلى أن وجد من يدله، فذهب لدار الأرقم بن أبي الأرقم، وهناك استمع للنبي- صلى الله عليه وسلم- فعلم رقي الإسلام وعظمته، ووجد أن تمام الأناقة التي عاش فيها طوال عمره أن يكون من أتباع هذا الدين، فشرح الله صدره للإسلام، فأسلم، وحسن إسلامه ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ (17)﴾ (محمد)، ظل- رضي الله عنه- يكتم إيمانه، كي لا تعلم أمه بذلك- يتفادى بذلك غضبها- وظلت الأيام على ذلك حينًا، حتى أبصره من أخبر أمه، وهو يدخل دار الأرقم بن أبي الأرقم، فغضبت عليه غضبًا شديدًا، وصبت عليه جام غضبها، فحرمته من كثير مما كان يمتاز به، بل وصل بها الأمر أن حبسته، وظل هكذا حتى كانت الهجرة للحبشة، فاستطاع أن يتحرر من قيوده، وهاجر للحبشة، وهو في ضيق من العيش، ليس يملك من الدنيا دينارًا ولا درهمًا.  

 ودارت به الأيام، وعاد من الحبشة، ليختاره النبي- صلى الله عليه وسلم- بعد بيعة العقبة الأولى، لمهمة هو بها جدير، وبمقوماتها خبير، كيف لا؟ وهو رائد من روادها، إنا مهمة تغيير واقع مجتمع المدينة، ليتأهل لاستقبال دولة الإسلام الوليدة، كان لهذا الاختيار دلالة، فمصعب صاحب تجربة شخصية في التغيير، فهو مضرب للمثل لشباب الأمة، الذين يعجزون عن تغيير نفوسهم وإصلاحها، بدعوى عدم القدرة، كما أنه حلو الحديث، عذب الكلام، فقد كان لؤلؤة مجالس أهل مكة.  

استعد مصعب للسفر للمدينة، لتكون أول سفارة، وأول سفير في الإسلام، فنزل بالمدينة، مع بعض ممن بايعوا بيعة العقبة الأولى، ليشكلوا فريق عمل دعوي داخل المدينة، تحت إشراف مصعب- رضي الله عنه- واستطاع مصعب مع فريقه أن ينشروا الإسلام في أرجاء المدينة كلها حتى أنه لم يبق بيت في المدينة إلا ودخله الإسلام.  

 وهذا موقف من مواقفه الدعوية، تحفظه لنا كتب التاريخ والسيرة، فقد أقام مصعب بن عمير في المدينة، في منزل أسعد بن زرارة، ونهضا معًا يغشيان القبائل والمجالس، تاليًا على الناس ما معه من كتاب الله، وتعرض لبعض المواقف التي كان من الممكن أن تودي به، لولا فطنة عقله وعظمة روحه، فقد فاجأه يوما أُسَيْد بن حضير، سيد بني عبد الأشهل بالمدينة، شاهِرًا حربته، يتوهج غضبًا على الذي جاء يفتن قومه عن دينهم، وقال أُسَيْد لمصعب وأسعد بن زرارة: ما جاء بكما إلى حَيِّنَا تُسَفِّهان ضعفائنا؟ اعتزلانا إذا كنتما لا تريدان الخروج من الحياة.  

وبمنتهى الهـدوء تحرك لسان مصعب الخيـر بالحديث الطيب، فقال: أولاً تجلس فتستمـع؟ فإن رضيت أمْرنا قَبِلته، وإن كرهته كَفَفْنا عنك ما تكره، وكان أُسَيْد رجلاً أريبًا عاقلاً، هنالك أجاب أسَيْد أنصَفْت، وألقى حربته إلى الأرض وجلس يصغي، ولم يكد مصعب يقرأ القرآن، ويفسر الدعوة حتى أخذت أسارير أُسَيْـد تشرق، ولم يكد ينتهي مصعـب حتى هتف أسَيْـد: ما أحسن هذا القول وأصدقـه، كيف يصنع من يريد أن يدخل في هذا الدين؟ وأجابوه بتهليلـة رجت الأرض رجًّا، ثم قال له مصعب، يطهر ثوبه وبدنه، ويشهد أن لا إله إلا الله، فأسلم أُسَيْد وسرى الخبر كالضوء، وجاء سعد بن معاذ، ليصغى لمصعب واقتنع وأسلم، ثم تلاه سعد بن عبادة وأسلم، وأقبل أهل المدينة يتساءلون: إذ أسلم ساداتهم جميعًا ففيم التخلَّف؟ هيا إلى مصعب فلنؤمن معه، فإن الحق يخرج من بين ثناياه.  

 ولنقف وقفة مع واقع أهل المدينة من الأوس والخزرج، فقد ساعد هذا الواقع سيدنا مصعب في مهمته من ناحية، كما جعلهم يقبلون الإسلام بأريحية واطمئنان من ناحية أخرى.  

 إن مجتمع المدينة قبل الإسلام، كان مجتمعًا جاهليًّا تسوده نظم الجاهلية السيئة، في كل مناحي الحياة، حتى أوصلتهم الضغائن والأحقاد، وسوء الأخلاق، إلى أن نشبت بينهم حرب أتت على الأخضر واليابس، ومزقتهم كل ممزق، وهم الذين كانوا أبناء قبيلة واحدة، أصلها اليمن، واستوطنوا المدينة (يثرب) وعاشوا بها، حتى طغت عليهم الجاهلية التي انتهت بهم لتلك الحرب، التي عرفت بيوم بعاث.  

 هذا الواقع الهش والمتوتر، والذي ساده الفساد في كل مناحيه، كان عاملاً مساعدًا للأنصار على الدخول في الإسلام، الذي وجدوا فيه كل معاني الإنسانية، والألفة التي فقدوها، ودفعوا لفقدها أثمانًا باهظةً- من دمائهم، وأرواحهم، وأموالهم-، فسارعوا للدخول في الإسلام، الذي لم شملهم، وأوجد الحب والألفة بينهم، وأطفئ نار الحقد والغل الذي كاد أن يعصف بهم.  

 وبهذا دخل أهل المدينة في دين الله أفواجًا، بعد أن وجدوا في الإسلام منقذًا لهم من الهلاك والدمار، الذي كان نتيجة سوء الأحوال التي عاشوها في ظل النظم الجاهلية، التي صنعتها أهواء البشر، فأفسدت حياة الناس، وجلبت عليهم الخوف، وعدم الأمن، وصدق الله تعالى إذ يقول ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ (الروم: من الآية 41)، ونجح مصعب بن عمير في مهمته بفضل صدقه وإخلاصه ومؤهلاته وخبرته، وبإيمانه بحاجة الناس الملحة للتغيير والإصلاح، فوفى بعهده مع ربه، وصدق الله القائل ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23)﴾ (الأحزاب).   

 فالتغيير يستدعي وجود مصلحين مخلصين للقيام به، والدعوة إليه، كما يستدعي الشعور العام بالحاجة للتغيير، وضرورته، وأن البديل هو الهلاك والدمار، ولنتخيل لو لم يدخل الإسلام للمدينة، كيف كانت الصورة؟ ولنتصور كيف لو لم نعمل على إصلاح مجتمعنا، وتقويم أحوالنا، أي مصير ينتظرنا؟ وينتظر الأجيال من بعدنا؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11).  

 وواقعنا لا يختلف كثيرًا عن واقع المدينة قبل مجيء الإسلام، فقد شنت الحرب علينا، على يد الكثيرين من الأغنياء ورجال الأعمال، الذين تزوجوا السلطة، وكانت نتيجتها أن مزقوا قطاعًا عريضًا من المجتمع إربًا إربًا، ما بين الأعداد الهائلة- ممن ماتوا ومن ينتظرون- من مرضى السرطان، والفشل الكلوي، والوباء الكبدي، نتيجة الأغذية، والأدوية المسرطنة، التي انتفع من وراء ها أولئك بالملايين والمليارات، وطوابير من البطالة، والأمية، والفقراء، والعوانس، والمنتحرين… إلخ، والتي جاءت نتيجة الفساد والسرقة والنهب لثروات الوطن، أليست هذه حرب إبادة لكنها بدون سيف أو مدفع؟   

 ومن هنا كانت الحاجة لمصعب الخير أن يتحرك، ليأتي الخير، وللمجتمع أن يتجاوب معه ويتعاون، ليحافظ على ما بقي له من مقدرات، لينعم بها، ويؤسس لمستقبل أفضل للأجيال القادمة ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117)﴾ (هود).   

 

Be Sociable, Share!