الرسالة نت – مها شهوان

“أحلام ونزار التميمي” أبطال حكاية صنعوها من عتمة السجن وقهر السجان, قصة حب كللت بالارتباط بعد أن رسما حياتهما في عالم الخيال عبر رسائلهما البريدية التي تبادلاها كل من زنزانته حتى شاء القدر وأطلق سراحهما.

قصة الخطيبين رغم المضايقات التي كانا يتعرضان لها في السجن الا انها بثت لمن حولهما الأمل وعلمتهم أسمى معاني الحب والتضحية ليدونا في رواية ستتناقلها الأجيال بدلا من تلك التي تنسجها الكتب التي تعتمد على وحي الخيال.

وكانت سلطات الاحتلال قد قررت ابعاد أميرة الحرائر “أحلام” إلى الاردن، ونزار إلى الضفة الغربية المحتلة بعد أن أفرجت عنهما ضمن صفقة ” الوفاء للأحرار”.

“الرسالة نت” أنصتت لتجربة ضيفيها للتعرف على فترة خطوبتها التي أسرها القضبان ما يقارب الست سنوات فقد أمضاها بقهر السجان ليكونا قدوة لكثير من الأسرى والأسيرات في الارتباط رغم المؤبدات التي نالوها عبر محاكم الاحتلال.

خاتم الخطوبة

في البداية لم يكن الاتصال بأحلام صعبا فبمجرد طلب رقمها أجابت مرحبة بالحديث “للرسالة” بعد تهنئتها بالإفراج عنها ومن ثم بدأت تروي تجربة خطوبتها بنزار ابن عم والدها الذي يكبرها بثماني أعوام –المحكوم مدى الحياة- قائلة بصوت ممزوج بالتحدي والرضا: تعرفت على خطيبي عام 1998 حينما حضرت جلسة حكم له من قبل الاحتلال،  وقتها لم أكن أعلم معنى الانتفاضة ومواجهة الاحتلال كوني مقيمة مع عائلتي بالأردن حتى أتيت للضفة من أجل مواصلة تعليمي.

وأضافت:” بعد زيارتي المتكررة لرؤية نزار بالمحكمة تعرفت عليه عن قرب حتى تمكنت من الجلوس معه مدة 45 دقيقة وفق العادات والتقاليد ومن بعدها بدأنا نتبادل الرسائل العائلية التي كان يرسلها من معتقله ، فحينها لم يكن الارتباط به سهلا فظروف اعتقالي حالت دون ذلك”.

وبعد لحظة صمت لم تدم طويلا واصلت أميرة الحرائر حديثها بعدما استرجعت لحظة الارتباط الحقيقي حيث روت أنه في التاسع من أغسطس عام 2006  أخرجت ونزار “وكالات” لوالديهما بموجبها عقد قرانهما بالمحكمة الشرعية ، موضحة أن ارتباطهما كان له اثر ايجابي في نفسها ومنحها الأمل لتصنع السعادة لخطيبها  المعتقل منذ عام 1993 ومن حولهما رغم ظلمة السجن.

ورغم أن الحديث مع أحلام كان عبر الهاتف إلا أن مشاعر الحب والتضحية لخطيبها كان واضحا عبر نبرة صوتها.

ولحديث نزار عن خطيبته مذاق مختلف خاصة وأن ارتباطه بها منحه حياة جديدة بثت فيه معنى حقيقي للحياة  كما روى “للرسالة”، بالإضافة إلى أنهما تمكنا من تجاوز العقبات وفرضا حكايتهما ليمنحا نفسيهما ومن حولهما الحياة رغم أن السجان حاول بكل المقاييس التعدي على جمالية المشاعر بينهما وعدم نضوجها .

وكما تجرى العادة فإنه بعد عقد قران أية فتاة ترتدي بدلة لتحتفل وسط عائلتها وأحبائها ، وعلى الرغم من أن أحلام بعيدة الا انها تمكنت من عيش تلك اللحظات مع الاسيرات كما تقول رفيقتها الأسيرة المحررة إسراء العمراني “للرسالة” حيث عادت بذاكرتها ما يقارب الست سنوات من خطوبة أحلام ونزار قائلة:” أدخلنا  فستان بسيط لعروسنا واحتفلنا بها لدرجة أن المحررة سمر صبيح أهدت أحلام وقتا خاتمها كدبلة, فذاك يوم لا ينسى”.

في حين أوضح خطيبها نزار أنه بمقدوره إدخال خاتم الخطوبة إليها لكنه رفض ذلك كونه يبتغي تقديمه لها بنفسه كأي عروسين.

الحمام الزاجل

وتعود العمراني لمواصلة حديثها بصوتها الخجول الذي جاء من الضفة عبر الهاتف لتكشف أن ارتباط أحلام بنزار شجعها على الاقتران بالأسير سامر عوض فهي مازالت تنتظر خروجه عما قريب .

وحينما سألت أحلام عن حفلة خطوبتها داخل السجن أجابت ضاحكة :” لست ممن يحلمون بارتداء الفستان الأبيض لكن يوم خطوبتي أردت بث الأمل في نفوس أخواتي الأسيرات وقهر العدو الذي يقلق سعادتنا بالدقيقة ألف مرة”، مضيفة : والدتي فارقت الحياة قبل دخولي السجن بأيام فقد تمنيت أن تفرح لي في جو عائلي لكن مشيئة الله أكبر وارتضي بها.

وكما احتفلت الأسيرات بعروستهن كان لنزار نصيب أيضا لدى إخوانه الأسرى فقد احتفوا به وصنعوا له زفة أعادت الأمل لنفسه واهدوه بعض الهدايا .

وفي الخارج لم ينس ذوو العروسين الاحتفال بهما كما أفاد فرج التميمي 29 عاما – ابن شقيقة أحلام – فالأهل أعدوا مراسم الخطوبة واجتمعت العائلة وجاء المهنئون، مبينا أن علاقة الحب بين نزار وخالته لا يمكن وصفها فهو شاهد عليها لاسيما وانه كان له دور في نقل الرسائل إليهما بالإضافة إلى قربه منهما فكثيرا ما كانا يرويان له ما يمرا به من مآس داخل السجن لدرجة أنهما أطلقا عليه لقب “الحمام الزاجل”.

وكما هو معهود فإن فترة الخطوبة دائما يكون التواصل بين الشريكين مميزا لاسيما وأنها مرحلة جديدة تحدد طبيعة الحياة بعد الزواج ، ولعل عزيزي القارئ قضبان السجن فشلت من أن تمحو العلاقة بين نزار وأحلام فقد كسرا القيود والحدود وتواصلا مع بعضهما عبر الخيال الذي سطره حبرهما عبر الرسائل البريدية كما ذكر نزار، بالإضافة إلى أنه لم يشعر لحظة أن السجن عائق في علاقته فقد تبادلا المشاعر فيما بينهما وتحدثا عن مستقبليهما.

وتعلق أحلام على ذكرياتها الجميلة خلال تواصلها مع خطيبها  قائلة:” كانت رسائلنا تخضع للرقابة الدقيقة بموجب عبورها على المخابرات ففي كثير من الأحيان كانوا يقومون باستفزازنا واللعب على الوتر الحساس من خلال سكب القهوة على الرسائل أو وضع إشارات باللون الفسفوري على بعض كلمات الغزل التي كانت تدور بيننا”، مستدركة : بعد متابعة رسائلنا بدأنا بكبح جماح مشاعرنا والتحدث عنها بحدود كي لا يعطى المجال للعدو بقراءتها ، وبرغم ذلك عشنا حياة المخطوبين من ناحية الترفيه في عالم الخيال.

وبالعودة إلى الأسيرة المحررة العمراني فقد ذكرت أن العلاقة بين ضيفينا لم تشهد لها مثيل فقد كانت تضع أحلام صورة خطيبها مقابل سريرها لتستيقظ وتراه أول شخص، و توصي إخوانها في الخارج بشراء الهدايا له في عيد ميلاده.

وعن أجمل هدية قدمها نزار لرفيقة دربه قالت بصوت يوحي بالخجل كأي عروس: في إحدى الرسائل وصلتني وردة مجففة بالشمس اعدها أجمل هدية في الكون”.

وكأي خطيبين رسم المحرران بيتهما في الخيال فقد كان يستعين نزار بالأسرى الذين يدخلون السجن ويسألهم عن أحدث موديلات أثاث البيت وأسعارها، لدرجة أنه في أحد الأيام أرسلت له أحلام صورة اقتصتها من جريدة وطلبت منه رأيه لتكون قطعة في بيتهم، وتعلق أحلام على ما سبق: سنبني بيتنا سويا.

سنخرج منها بسلام شامخين

وبعد خمسة أعوام من عقد قران أحلام ونزار التميمي اجتمعا أخيرا لاسيما وأن محاولاتهما بتقديم طلب لإدارة السجن كانت تقابل بالرفض، فهذه المرة جاءت ولم تكن بالحسبان فهما لم يتقابلا منذ 12 عاما أي عند اعتقال أحلام.

ويقول نزار بصوت حزين لاسترجاعه لقاءه بأحلام: حينما سمح لنا باللقاء في 30-3-2010م  أدركنا أن (الشاباك) طلب ذلك لمعرفة طبيعة العلاقة بيني وبين خطيبتي ما بعد التحرر كونهم كانوا متيقنين أننا سنكون ضمن صفقة التبادل، متابعا بكلمات تسبقه فيها مشاعره الواضحة من نبرة صوته :لقائي بخطيبتي من أروع اللقاءات رغم صعوبة الموقف وعدم توفر أدنى المتطلبات الإنسانية فيه فكم كنت أتمنى مصافحتها.

وراح يصف المكان الذي اجتمعا فيه مشيرا إلى أنه يشبه القفص الحديدي ولكن جدرانه زجاجية ويحتوي على سماعتي تلفون التي كانت طيلة الوقت تشوش.

ويستذكر نزار الهدايا التي منع من تقديمها لخطيبته لحظة لقائه بها بالقول:” كنت انوي أن قدم لها “سنسال” يدوي توسطه قلب مكتوب عليه اسمانا وعبارة “سنخرج منها بسلام شامخين”، وساعة يد ووجه وسادة مشغولة بطريقة يدوية أهداها إياه الأسرى يوم عقد قرانه ،إلى جانب مسجل صغير.

ومن جديد عادت العمراني لتشير إلى أن صديقتها احلام قبل لقائها بخطبيها انتقت أجمل الثياب كون أنه يسمح لكل زوجين مسجونين رؤية بعضهما ساعة واحدة بالعام في غرفة مغلقة ، منوهة إلى إلى أن أحلام كانت تنتظر هذا اليوم مع كل عام لكنها تصاب بخيبة أمل لرفض طلبهما.

ويقول فرج ابن شقيقة أحلام الذي استضفناه بداية اللقاء أن نزار أخبره عند دخول خالته الغرفة وقفت مصدومة على بابها وهي تبكي من هول المشهد، وبقيت كذلك إلى أن استطاع تهدئتها وبدءا يستمتعان بكل لحظة تمر عليهما رغم المنغصات التي فرضها عليهما الاحتلال.

وبحسب العمراني فإن أحلام كانت منهارة عند عودتها إليهم، فهي حساسة جدا ودموعها كثيرا ما تخونها وتتساقط على وجنتيها دون سابق إنذار، موضحة أن الأسيرات في تلك اللحظة تعاطفن معها وأخذن يهدئنها.

ربما كان حال أحلام أفضل من خطيبها الذي وضع بعد لقائه بها في زنزانة تشبه التي مكث فيها عند استشهاد والدته التي قضت نحبها اثر تعرضها للضرب على رأسها بالة حادة داخل المحكمة من قبل أم أحد المستوطنين.

ويتابع بنبرة صوت حزينة: بعد انتهاء لقائي بخطيبتي أغمضت عيني لتبقى صورتها هي الأخيرة، وتركت دموعي تسيل بغزارة في الزنزانة حتى عدت للسجن وخفف عني زملائي.

فرحنا وحدة وطنية

لحظة الإفراج كانت بمثابة نقطة تحول في حياة نزار فقد كان يدرك مسبقا أنه فور تحقيق الصفقة سيكون مع خطيبته سواء داخل أو خارج الوطن، لكن الصدمة جاءت قبل خروجه من السجن بساعات حينما استدعاه رجل (الشاباك) واخبره أنه سيتم إبعاد أحلام وعودته للضفة ويعلق على ما حصل معه: الإبعاد شيء قاس، لكن إرادة الله تسهل الصعاب ، وحتما سألتقي بخطيبتي ونكون العائلة التي نتمناها”

في حين وصفت أحلام لحظة الإفراج عنها بالحياة الجديدة وأنها ستحافظ على كل السبل للتواصل مع خطيبها ليكون لقاؤهما قريبا.

وفي دعوة وجهتها ضيفتنا للفتيات العازبات عبر “الرسالة” قالت: ادعوكن للارتباط بالأسرى فذلك جهاد في سبيل الله بشرط ألا يكون مشروطا، وكذلك أنتن زوجات الأسرى عليكن التأكد أن الشمس ستشرق ولا ترهقن أنفسكن وادعين لأزواجكن وحددن معهم وقتا للدعاء والصلاة المشتركة ،إلى جانب الإكثار من الاستغفار”.

وفي كلمة أخيرة عبر الأسير المحرر نزار التميمي عن حبه لأحلام بتنهيدة قائلا :” أحلام نصفي الأجمل، كانت ومازالت رفيقة الدرب ولن أسمح للمسافات بتفريقنا فذكاؤها وإيمانها سيجمعنا ليكون عرسنا جماهيريا”.

وتابع :” دعوة فرح أحلام ونزار مفتوحة كونها وطنية بامتياز، فهي ستدعو أبو مازن ومشعل ليكون فرحنا انطلاقة لغد فلسطيني مشرق نحقق عبره ما نصبو إليه”.

حكاية أميرة الحرائر وخطيبها لم تنته، فقصة ارتباطها التي خرجت للنور بدأت لتكون نموذجا لأي ثنائي ابعدتهما قضبان السجن وعتمته, والتاريخ سيسجلها في رواية تتناقلها الأجيال.

Be Sociable, Share!