آخر المعروف……….

 

 

حينما يسقي احدنا شجرة ورد باستمرار.. يحميها من الذبول؛ وبذلك تثمر لنا وردا فاتنا برائحة طيبة و أوراقا خضراءا يانعة بحفيف ذو لحن جميل، فضلا عن إنتاجها لبذور جديدة كي نزرعها حتى تنمو وتستمر الحياة جميلة كالأزهار.

 هكذا هو الإنسان حينما يتعامل مع أخيه الإنسان.

فالفطرة الحميدة تقوم على الأخذ والعطاء، حيث كلما اشتدت حاجة الإنسان الحميد ليأخذ شيئا مهما كان، زاد حبه للعطاء نحو الخير والعكس صحيح؛ وذلك كي تستمر الحياة بحاجة البشر لبعضهم البعض في البأساء والضراء، والشدة والرخاء،و الراحة و البلاء وفي كل أمر وضعه الله على هذه الأرض.

بما أن هذه السنة الكونية خلقها الله دون أن تتعارض مع الفطرة، فلنتبصر إذن بما يدور حولنا من المواقف الحياتية اليومية التي تواجه الإنسان في كل شؤونه الدينية والدنيوية. فالله تعالى خلق الناس لعبادته وشكره وقد منحهم نعمة العقل، وبهذا تحقق مفهوم الأخذ والعطاء منذ الخليقة. وقد أنزل الله في محكم آياته: “ولئن شكرتم لأزيدنكم”، فبما أن الله خلق عباده ومنحهم نعمة العقل وقد شكروه فقد أعطاهم ومنحهم كل خير بل زاد في ذلك من حسن سيرتهم وبيان شكرهم وعلامات حمدهم له بركة في إيمانهم و رزقهم وعملهم وصحتهم وكل شيء في الحياة.

 إن الحكمة من “الأخذ والعطاء” هي تحقيق لرسالة وضعها الله في كل زمان ومكان لبني الإنسان في تعاملهم مع بعضهم البعض. فأقرب مثال هو مجال عمل الإنسان ورسالته في الأرض، ففي أحد مجالات العمل، يوكل أحد المدراء احد موظفيه الكرام بعمل ما في شأن وظيفته، فيقوم به هذا الموظف على أكمل وجه وقد سهر ليال وأبذل مجهودا على قدم وساق ينم عن إخلاصه في تقديم عمله لمديره الذي ينتظر استلام العمل بما يتماشى مع مصلحته أو ربما مصلحة هذا العمل بغض النظر عن الإحساس أو الاهتمام بشعور هذا الموظف وقيمة أدائه.

لقد مرت أيام طوال وهذا الموظف في انتظار من رئيس عمله أو ما ينوب عنه مكالمة هاتفية أو رسالة مبشرة بنجاح العمل وتقديم شكر لمجهوده الطيب تحفيزا له سواء كان معنويا بحروف أمل تدفعه نحو الأمام، أو ماديا كمكافأة إلى جانب راتبه؛ حتى تبقى سيرته وسيرة مكان عمله سيرة حسنة بين زملائه وأصدقائه وإخوانه سواء داخل العمل أو خارجه.

 و إذ بهذا الموظف يسمع خبرا من بعيد (من احد الزملاء مثلا) عن عمله الذي ربما سيصبح مشروعا كبيرا سيتطور على أيدي آخرين، أو ربما فشل العمل لأن رئيس العمل وبعد إعجابه بالأداء يأخذ برأي آخرين خارج مكان العمل قد أحبط هذا العمل و انتشله بغض النظر عن شكره أو اعتذاره أو حتى إخبار من كان الأساس في هذا العمل وقد تعب من أجله عن النتيجة الأخيرة بخصوص العمل. و في واقع الحال، فإن هذا الموظف ذو شأن عظيم، قد عاتب مديره إيمانا منه بأن العتاب لغة لا يدركها إلا ذوو الألباب، أو ربما تذكيرا منه لأخيه مصداقا لقوله تعالى: “فذكر إن نفعت الذكرى”. وفي نهاية الأمر كانت التجربة لهذا الموظف خير برهان، فقد حاول كثيرا معالجة أمر هذا المدير بالصبر والحسنى والعتاب والتذكير في أكثر من موقف في أمور وشؤون العمل المكلف بها وغير المكلف بها، ولكن لا حياة لمن تنادي، فقد كان العتاب لغة “الدواب” – أعزكم الله – وليس لغة ذوي الألباب. وكان التذكير لا يجدي نفعا أو حتى خوفا من نتيجة هذا التصرف أو ذاك بتدهور العمل أو خسارة الموظف وبالتالي سيادة الظلم و ضياع البركة لعدم شكر الله بشكر هذا الإنسان. فقد قال الله تعالى: “سيذكر من يخشى” ولا يخشى الله إلا شاكرا للنعمة غير كافر بها. و إذا بنتيجة هذا السلوك، فقد قام الموظف حفظا لكرامته وصونا لماء وجهه وإباء بتخييم خريف اليأس على روحه بترك العمل ليلتحق بمن سبقوه في تركه، لتشرق شمس نهاره في عمل آخر مع أناس نشؤوا على حب الخير إيمانا منهم أن الحياة كما هي بالأخذ.. هي بالعطاء، كشجرة ورد تُسقى بالماء. إن تركت وأهملت ذبلت من الإحباط، حتى وإن استمر التعامل معها في ظل الأخذ دونما العطاء فستكون النتيجة أسوأ فأسوأ…

 فالأوراق الخضراء سيغشيها الغبار إن لم يتم تنظيفها و الاعتناء بها وبالتالي شكلها غير مقبول أمام الناظرين.

و الأزهار التي لم تقطف بعناية فستثمر زهورا غير بهيجة كما الأولى وفي نهاية الأمر شكلها غير مقبول للزينة.

وبالتالي، فإن اللوم العظيم يعود على عاتق من تحمل مسؤولية هذه الشجرة منذ البداية. الذي تركها فتركته حتى يأتي غيره ليهتم بها ويعطيها كما تريد أن تعطيه كي تستمر الحياة بمعانيها الجميلة.

 و بهذا، فإن الموظف الذي ترك عمله، حاول مرات عديدة متكررة هداية مدير عمله من أجل الرقي بمصلحة العمل. وفي لحظة ما ترك كل شيء حتى وإن كان العمل المفضل لديه في هذه الدنيا. فقد غلا عليه عمله فتركه ثقة منه بأن هذا العمل سيرخص يوما ما ويعود جميلا كما يأمل. قال الشاعر محمود الوراق:

و إذا غلا شيء علي تركته                               فيكون أرخص ما يكون إذا غلا

 فالحياة سنن وجمال سننها في إدراك النعم، وإدراك النعم بشكر من أودعها، و شكر من أودعها طلبا في الزيادة فيها، والزيادة فيها إما مباركة أو اختبار. فإن كان سلوك المسلم قويما؛ زادت النعم وحلت البركات واستمرت الحياة بجمالها وصفائها في الدنيا وصولا إلى دار القرار. و إن كان خلاف ذلك، قد حلت النقم، واندثرت القيم، وزاد الجرح والألم، وكانت الحياة كدرا وقهرا وتخبطا في ظلمات أمواج الأيام وغرقا في وحل الآلام والأوهام.

 و بما يشابهه، البشر تجاه بعضهم.. فمن لم يشكر الناس لا يشكر الله، وكان الأخذ دونما العطاء تسلطا دون الاعتراف بقيمة صاحب العمل و قد ساد طبع فقراء النفوس. فالفطرة غير حميدة تتلذذ بالأخذ دون العطاء، والحياة غير سعيدة ملؤها التخبط والمكائد والبلاء. و كان آخر المعروف كما يقال في اللغة المحكية هو “ضرب كفوف”، أو أوراق لا تُعرف قيمتها ملقاة على احد رفوف الزمان ملبدة بالغبار.

 بقلم:رزان السعافين

كُتب في Uncategorized | إرسال التعليق

وطن على وتر أعوج

 بين تلاطم الآراء المختلفة حول برنامج وطن على وتر.. أقدم رأيي الخاص على وتري الخاص بلحني خاص..

إن حرية الرأي والتعبير واجبة ولابد منها، لكن الحربة تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين ولا تبدأ حينما تنتهي حرية الآخرين بعد تكميم أفواههم والتسلط عليهم والتدخل في شؤونهم ومشاعرهم.

 أقول ذلك من باب أن النصيحة أولى من الانتقاد اللاذع، أقول لكم يا أسرة برنامج وطن على وتر الموقرين، أن البرنامج الذي تم عرضه على شاشة تلفزيون فلسطين الرسمية في شهر رمضان المبارك لقد تجاوز الخطوط الحمراء في وصف الواقع الفلسطيني اليومي، بل وتعدى على حريات الآخرين حينما انتهكت بالسخرية والهزلية.

 أقول بوجه الحق، إن كانت النية هي السخرية من هذا الواقع، فهل يجوز أن نسخر من أنفسنا “لنضحك على حالنا” و “نضحّك الآخرين على حال وطنّا”؟؟!

إن معالجة الأمور لا تتم عبر النقد الدرامي السياسي الساخر والهزلي الذي يجعل من الآخرين وخاصة “اللافلسطينيين” ينظرون بازدراء إلى هذا الواقع المرير.

فصراحة! إن الواقع الحالي بعيد عما وُصف في هذا المسلسل. وبغض النظر عن تعدد الألوان الحزبية، و المشاكل العقيمة بين طرفي الحكم، فإن من أراد إصلاحا ويسعى لتغيير الواقع نحو الأفضل، ما عليه إلا محاكاة الواقع بنية النقد البناء الذي يهدف ويسعى إلى إحداث إصلاحٍ جذريٍ يرمي إلى تهدئة النفوس وتوجيهها وتقويمها نحو الخير.

 إن الصورة المتحركة تؤثر في النفوس سلبا أو إيجابا أكثر من الصورة الثابتة، وبمعنى آخر، إن البرنامج الدرامي “وطن على وتر أعوج” ، ما هو إلا صورة لتحريك أبناء هذا الوطن على هذا الوتر الأعوج بدل من تقويمه بعد تقييمه. فكفى بالصورة الكاريكاتورية المعبرة والتي تنظر إلى الواقع السياسي الاجتماعي باستهزاء وليس “بازدراء” لتروح عن الناس وتثقفهم في آن واحد.

 وباختصار، فالكلمة المنطوقة مؤثرة في النفوس أكثر من المكتوبة وكذلك الصورة المتحركة تداعب أو تقتل و تثقف أو تلهي النفوس أكثر من الصورة الثابتة.

إلى هنا، لقد تم تجاوز الخطوط الحمراء عندما سخرت قناة “فلسطين” من أبناء وواقع فلسطين وتجاوزت الحد فيما عرضته من ألفاظ ومشاهد وصور لا تغني ولا تسمع من جوع ولا تروي ظمأ العطشان في سراب صحراء التشاؤم.

جاءت السخرية من أجل السخرية..

وأقبل الاستهزاء ليهزئ من نفسه..

فكيف تم بذلك معالجة الواقع والارتقاء نحو الأفضل؟

أترك لكم الإجابة…………………………………………………………………………………………………………………….. .

كُتب في Uncategorized | 4 تعليقات