إن حق الجماهير في المعرفة لا يمكن أن يتحقق دون تعددية مصادر المعلومات و تنوعها ، فذلك الذي يحقق لكل مواطن الحرية في اختيار المصدر الذي يثق فيه ، ثم يتيح أيضا للمواطنين القدرة علي المقارنة بين المعلومات التي تنقلها المصادر المختلفة .

لكن هذه الرؤية كانت غائبة عندما وضع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، و تبني مبدأ التدفق الحر للأنباء و المعلومات ، و قد اختصر مفهوم التدفق الحر علي إلغاء كل العوائق التي تعترض حرية تدفق الأنباء و المعلومات عبر الحدود القومية ، دون أية إشارة إلي ضرورة تعددية مصادر الأنباء و تنوعها ، و إلي ضرورة تحقيق التوازن و العدالة في تدفق الأنباء ، و قد جاءت صياغة مبدأ التدفق الحر للأنباء و المعلومات متأثرة بنظرة القرن التاسع عشر الليبرالية للعالم ، و بمذهب حرية العمل و الحرية الاقتصادية ، و كان ذلك نتيجة لتأثير الولايات المتحدة الأمريكية التي برزت كقوة دولية كبري في أعقاب الحرب العالمية الثانية .

ولقد تعرض مبدأ التدفق الحر للنقد خلال السبعينيات و الثمانينيات ، و جاء معظم هذا النقد من جانب دول العالم الثالث ، التي رأت أنها أضيرت بشكل حاد من جراء هذا المبدأ ، و انه قد استخدم في زيادة سيطرة دول الشمال الغنية علي دول الجنوب الفقيرة ، و أن الأخيرة قد تعرضت صورتها للتشويه في وسائل الإعلام الغربية ، و تعرضت ثقافاتها للتدمير في ظل السيطرة الغربية علي مصادر الأنباء .

و في مواجهة هذا النقد اتهمت دول الشمال دول الجنوب بأنها تسعي إلي تقييد التدفق الحر للأنباء و المعلومات ، في الوقت الذي استمرت فيه دول الجنوب توجه نقدها لمبدأ التدفق الحر نفسه ، دون أن يفكر مثقفوا دول الجنوب في تطوير خططهم لمواجهة السيطرة الغربية علي تدفق الأنباء و المعلومات ، بإثبات أن تدفق الأنباء في العالم المعاصر ليس حرا كما قرر الميثاق العالمي لحقوق الإنسان ، و أن الأوضاع الراهنة بعيدة تماما عن صيغة التدفق الحر ، و ان المطلوب هو تحرير التدفق من الاحتكار الغربي و الأطماع الاستعمارية ، و الرغبة في السيطرة علي العالم من خلال استغلال مبدأ التدفق الحر .

إن إثبات أن تدفق الأنباء في العالم المعاصر قد اصبح احتكارا للتدفق و ليس تدفقا حرا ، هو عملية اسهل بكثير من الهجوم علي مبدأ التدفق الحر نفسه .

و تهدف هذه الدراسة إلي الإجابة علي هذا السؤال : ما مدي حرية تدفق الأنباء في العالم المعاصر ؟
إن تدفق الأنباء في العالم المعاصر تسيطر عليه أربعة وكالات أنباء غربية كبري هي :

Reuter أولا : وكالة رويتر

تم إنشاء هذه الوكالة في لندن عام 1851 ، و في عام 1926 أعيد تشكيلها بنظام تعاوني ، حيث امتلكت هذه الوكالة أربعة جمعيات لناشري الصحف ، هي رابطة ملاك الصحف البريطانية – و هي تضم ملاك الصحف القومية البريطانية ، و رابطة الصحافة – التي تضم ملاك الصحف الإقليمية البريطانية – و رابطة ملاك الصحف الأسترالية ، و رابطة ملاك الصحف في نيوزيلندا . و يشترك في خدمات هذه الوكالة 6500 صحيفة ، و 400 محطة راديو .

AFP ثانيا : وكالة الأنباء الفرنسية

و قد نشأت هذه الوكالة بعد انهيار وكالة هافاس التي تأسست عام 1835 و تعتبر أول وكالة أنباء في العالم. و لقد زاد من قوة هذه الوكالة انه في عام 1957 تم وضع نظام خاص لها ، و بمقتضى هذا النظام أصبحت و كالة الأنباء الفرنسية مستقلة عن الحكومة ، لكن مع ذلك ظلت الحكومة هي العميل الرئيسي لهذه الوكالة ، حيث تأتي 60 % من دخلها من الأجهزة الحكومية . و يشترك في خدمات هذه الوكالة 15 ألف صحيفة ، و ثمانون وكالة أنباء وطنية ، و مائتا محطة للراديو و التلفزيون ، و لها مراسلون في 140 دولة ، و تقدم خدماتها بعشر لغات أخرى غير الفرنسية .

A.P ثالثاُ : و كالة اسوشيتد برس الامريكية

و قد نشأت هذه ال وتعتبر كبري وكالات الأنباء في العالم كله ، و ترجع نشأتها إلى عام 1848 و يشترك في خدماتها 15 ألف مشترك في العالم كله ، و لها 80 مكتبا في دول العالم ، و 110 مكتبا داخل الولايات المتحدة الأمريكية و يعمل بها خمسة ألاف شخص . و يوجد في هذه الوكالة اعظم أقسام التسويق في العالم كله ، كما قامت بإنشاء قسم اقتصادي خاص بالبورصة بالاشتراك مع صحيفة وول استريت جورنال .

UPI رابعا: وكالة يونيتد برس انترناشونال الأمريكية

أنشأت هذه الوكالة عام 1958 نتيجة لاندماج وكالتي أنباء هما : اليونايتد برس و الانترناشيونال نيوز سيرفيس، و يشترك في خدمات هذه الوكالة عشرة آلاف مشترك في 112 دولة ، و لها تسعون مكتبا في الولايات المتحدة ، و سبعون مكتبا في الخارج ، و يعمل بها أربعة آلاف شخص .
و تسيطر هذه الوكالات الدولية الأربع الكبرى علي تدفق الأنباء في العالم كله ، حتى أن سوق جمع و توزيع الأنباء يعتبر مغلقا بشكل شبه كامل علي هذه الوكالات ، حيث تقوم هذه الوكالات بجمع المعلومات و الأنباء عن طريق مكاتبها و مراسليها في العالم كله ، ثم تعيد إنتاجها و توزيعها علي الصحف ووسائل الإعلام في العالم ، و بالتالي فليست هناك أي فرصة أمام العالم لمعرفة أي معلومات عن حدث لا تقوم هذه الوكالات الأربع الكبرى بتغطيته ، و لن يكون بإمكان الصحافة – خاصة في العالم الثالث – بقدراتها الذاتية و مواردها المالية تغطيته إلا في الحالات النادرة جداً .
و إذا كانت هذه الوكالات الأربع الكبرى تتمتع بوضع احتكاري في مجال جمع و تسويق الأنباء و المعلومات ، فان الدول الغربية ( أمريكا و أوروبا الغربية ) تتمتع باحتكارها لهذه الوكالات القوية بوضع المسيطر علي العالم في مجال الإنتاج الثقافي بشكل عام ، و في مجال الأنباء و المعلومات بشكل خاص .
ولا شك أن هذا الوضع الاحتكاري الغربي كان تعبيرا عن الكثير من المظالم التي تعرضت لها دول العالم الثالث ، و عن الاستغلال و النهب المنظم لثروتها خلال الفترة الاستعمارية ، و حتى الأن ، وهو ما خلق الفجوة القائمة الآن ، و أدى إلى تبعية دول الجنوب لدول الشمال تبعية اقتصادية و سياسية و ثقافية .

هذه المادة هى جزء من كتاب ” صناعة الأخبار فى العالم المعاصر

المؤلف / د / سليمان صالح

Be Sociable, Share!


أضف تعليق

XHTML: يمكنك استعمال الاكواد: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <blockquote cite=""> <code> <em> <strong>

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash