من تونس إلى فلسطين - بقلم: نجاة البكري
5 June 2008 مصنف في: نجاة البكريطارت أجنحتي من تونس نحو عمّان قبل اجتيازي نهر الأردن باتجاه الضفة الغربية.. كان ذلك في 28 تشرين ثاني 1994، تاريخ يصعب أن تلغيه ذاكرتي، كان عيد ميلاد ابنتي الصغرى التي بلغت عامها السادس على متن الطائرة متجهة نحو عمان. لدى وصولنا المطار استقبلنا البرد الشديد يلوح منه شبح الثلج، ومن عادتنا في تونس التفاؤل بالثلج كمؤشر لسنة خير ولعلها تكون طريق خير!.
بتاريخ 2 كانون الثاني، انطلقنا فجرا نحو نحو فلسطين لمعرفة هذه الرقعة الجعرافية التي سيطرت على ذهني وذهن أفراد أسرتي كسائر الذين يهتمون لأمرها، ولم يكن فضولنا دون أساسات واضحة بل بالعكس فحديث زوجي عنها وشقيقه المبعد منذ عام 1975 وضعنا في الإطار الكامل للمكان لدرجة أننا توقعنا أننا لن نستغرب ملامحه، فالصورة التي أحملها وأنا في طريقي للضفة كانت مشبعة بالحنين وبلمسات حب الجد وخرافات ليلية بنبرات أم حنون ما كانت لتتوقع بُعد أبناءها عنها لفترة تطول وتطول حتى أنها لم تتمكن من رؤيتهم إلا في زيارات مسترقة واحدة بالشام والثانية بتونس..كان ذلك قبل أحداث حمام الشط!!!
بعد اجتيازنا الجسور الحدودية وعمليات التفتيش والتدقيق في الأوراق والتمحيص في ملامحنا، وجدنا أنفسنا برفقة زوجي، الذي كان في استقبالنا بمطار عمان، في محطة سيارات عمومية وبالطبع أن وجهتنا نابلس وبالتحديد قرية تل* مسقط رأس زوجي، ورغم حالة الإرهاق التي كنا عليها إلا أننا لم نستسلم لها لنتعرف على فلسطين هذا البلد الذي "يشتهي" الملايين زيارته، فزيارته هي فرصة حسدني عليها رفاق دربي بتونس إلا أن والدتي اختلفت معهم لتخوّفها من أي احتكاك يُمكن أن يحدث مع عناصر الاحتلال الإسرائيلي أو كما نسميهم في بلدنا "اليهود".
دقة الوصف لأريحا لم يمنع استغرابنا من تضاريسها ومناخها الذي كان قد فصل بطريقة ما مشهدا كان يمكن له أن يتوحد لولا وجودها كجملة اعتراضية غير منسجمة مع بقية نصّ ما بين الأردن وأراضي الباذان وبقية الضفة الغربية، فقد كنا في شتاء شديد البرودة لنجد أنفسنا في جو دافئ لطيف لكنه مُحاط بجبال تتعانق فيما بينها لتتحدث لكل زائر عن خوف ما سكنها ويسكنها لم تعبّر عنه إلا بذلك اللون الرملي-الرمادي الذي يكسو تضاريسها المتعانقة بحثا عن حماية من شيء ربما ما زال يرتقبها، إلا أننا لا نخفي استمتاعنا بتلك الحرارة التي كست عظامنا ولو لفترة وجيزة من برد جد قاس…
لم تكن الرحلة لتطول في أجواء الدفء هذه حتى نعود لفصل الشتاء وتستقبلنا على مدخل الباذان طبيعة خضراء تزاوجت فيها مياه العيون المنسابة وسيول مياه المطر ليتناغموا ويضفوا على خضرة المكان لونا شاعريا لم يكن الرسام ليفوّته لولا حدة البرد…ذكّرني هذا المشهد بجبال عين دراهم بشمال غرب تونس التي كنا نسعى في رحلاتنا المدرسية الشتوية إلى التوجه إليها رغم بعد المسافة والاستمتاع بصورة التحدي التي يفرضها ذلك المنظر الطبيعي الخلاب حين ترى عيون الماء الهرهارة تقهر الثلوج المتراكمة رغم كثافتها وتستمر في سيرها بين صخور بدت منتصبة منذ الأزل لتكون ذلك الداعم والحامي لمجراها.
انعزلت عن السيارة رغم أصواتها الغريبة والمزعجة لأستمر في بحثي في تلك الطبيعة التي تسترسل صورها المتشابهة والتي لا تختلف في شيء مع طبيعة شمال غرب تونس حيث تطغى عليها الجبال المترافقة بخضرة الزيتون واللوزيات؛ ولم يفصلني عن عالمي إلا إشارة زوجي اللحوحة إلى معالم تربطه بها علاقة ما.
أدركنا المدينة المُحتضنة بجبلين كساهما سحاب أسود من جهة وضباب كثيف من جهات أخرى، وبتّ أدير رأسي يمينا وشمالا حتى أتعرف على نابلس جبل النار، ولم يشغلني عن متابعة المشهد إلا إلحاح زوجي الذي قام، طوال رحلتنا، بدور مرشد طريق ليشير لنا بيده إلى جامعة النجاح التي كانت بالنسبة له منبع ذكريات حافلة حين كانت مدرسة ثانوية…
في طريقنا إلى قرية تل جنوب غرب نابلس، قطعنا طريقها الملتوية والموشحة بشجر الزيتون والتين والرمان والليمون، وما كان الضباب ليسمح لنا برؤية أوضح …وصلت السيارة أمام بيت الأسرة حيث استقبلنا أفرادها بحفاوة وكانوا قد جهزوا لنا أقراص السبانخ والشاي الساخن بالميرامية حتى ينقذونا من رجفة البرد.
————————————————————-
1.عين دراهم: بلدة تقع في شمال غرب الجمهورية التونسية وبالقرب من الحدود الجزائرية وتبعد علة تونس العاصمة ما يقارب 250 كلم، وهي معروفة بارتفاعاتها وغاباتها الكثيفة
2.قرية تل تقع في جنوب غرب محافظة نابلس وتشتهر بالتين واللبن ولا تبعد على المدينة إلا 6 كلم


Comments»
مرحبا نجاة
شدتني كتابتك وهذه اللغه الجميله والمترابطه والتي اخذتني الى المكان والزمان في رحله جميله واكثر ما اعجبني هذا الوصف لمكانين و مدينتين يربطهما كل شيء وتبعدهما المسافات والحدود والحواجز المصطنعه
كلماتك الجميلة ذكرتنا باليوم الذي وصلنا فيه الى تونس قادمين من بيروت بعد معارك ثلاثة اشهر مع الجيش الاسرائيلي ، وحينها كانت تونس برئيسها الحبيب بورقيبة وحكومتها وشعبها في استقبال حافل للمقاتلين الفلسطينيين الذين وصلوا بعد رحلة بحرية عبر المتوسط الى تونس الحبيبة ، وان ننسى فلن ننسى حرارة الاستقبال ودفء اللقاء والحب الكبير الذي غمرتمونا به . فشكرا لك يا اخت نجاة وشكرا لتونس العزيزة على قلوبنا جميعا وشكرا لكل رجل وامراة وشاب وفتاة تونسية . ولكم منا كل الحب والتقدير والاحترام ووالله اننا نحبكم جدا جدا جدا .