مدن تونسية ساحرة ..على المتوسط - بقلم: تيسير حسين اللقياني
5 June 2008 مصنف في: تيسير حسين اللقياني
مدن تونسية ساحرة ..على المتوسط - بقلم: تيسير حسين اللقياني
عند بلوغ المدينة التونسية الشهيرة سيدي أبو سعيد تلمع النظافة الفائقة في كل الشوارع والبيوت والمحال التجارية والمقاهي والمطاعم وحتى الأشجار التي تكسو نسبة كبيرة من مساحة المدينة وتظلل شوارعها من الجانبين.
سيدي بوسعيد المدينة البيضاء، تراها من بعيد وأنت قادم من مدينة تونس باتجاه مدينة المرسى، كلوحة فنية بيضاء على سفح هضبة مخضرة تعانق مياه البحر الذي تلاطف أمواجه شاطئها بحنان ووداعة..
كل بيوتها مطلية باللون الأبيض، لون الحب والسلام، وأبوابها وشبابيكها الخشبية والحديدية مطلية باللون الأزرق، لون البحر بزرقته السماوية..
على مدخل مدينة المرسى الساحلية أيضاً، تأخذ الشارع المتجه يميناً، وبعد عشرات الأمتار، تجد اليافطة الحديدية الزرقاء التي ترحب بالقادمين " سيدي أبي سعيد ترحب بكم" باللغتين العربية والفرنسية، فاللغة الفرنسية هي اللغة الثانية في الدولة، حيث خضعت تونس للاستعمار الفرنسي لعشرات السنين، وخلال هذه المدة ألقى بظلاله على المشهد الثقافي التونسي، الذي عمل خلال ما بعد الاستقلال على إعادة الوهج لثقافته العربية الاسلامية.
شارع عريض وعلى جانبيه رصيف حجري للمشاة، ثم تجد متنزهاً يتربع على مساحة لا بأس بها على مدخل المدينة، وخلفه اشجاراً حرجية تكسو المكان.. وبعده تجد محلاً يقدم "الآيس كريم" ويزينها بالفواكة الطازجة والمجففة .. ثم تجد مجموعة من المنازل يميناً ويساراً، ثم مجموعة من المطاعم والمقاهي التي تضع بعضاً من كراسيها الخشبية الجميلة امامها على الرصيف، وبعدها تصل الى مركز المدينة الدائري المزروع بعشب الانجيل الاخضر ويتوسطه نافورة ماء تنثر ذرات مائها على العشب وقليل منه يلطف أجواء المارة وخاصة في أيام الصيف الحارة.
في الاتجاه يميناً يلاحظ على جانبي الشارع المؤدي الى مدينة قرطاج بعض المطاعم والمحال التجارية وسوق للخضار واللحمة وصيدلية ومخبز، وفي الجانب الآخر محال تجارية ومقهيين كبيرين نسبياً وبالكاد تجد كرسياً شاغراً من كثرة زوار وقاصدي المدينة. أما اذا اتجهت يساراً، فإنك تسير صعوداً على طريق مرصوفة بالحجارة الملساء باتجاه المدينة العتيقة، حيث البيوت المشادة على الطريق القديمة وللعديد منها قباب على اسطحها وتجد كذلك أقواس حجرية وأحواش خزفية وابواب خشبية مرصعة بمسامير حديدية ونحاسية في أشكال جذابة، وشبابيك خشبية، ولها من الخارج أغطية خشبية مخرمة على يد نجارين مهرة، وهي من التراث الذي حافظت عليه المدينة وتعيره دوماً الاهتمام والصيانة اللازمة.
بعد عدة بيوت يطل مدخل يؤدي إلى مبنى البلدية، إنه مبنى جميل وديع يتألف من عدة طبقات وسط غابة من الاشجار الحرجية والمثمرة.. بعده بقليل مدخل حجري مقوس يؤدي إلى ساحة واسعة، على جانبيها مقهى ومحال تجارية لبيع المصنوعات التراثية مثل النحاسيات، والملبوسات التقليلدية، والحقائب الجلدية والسجاد اليدوي وأقفاص العصافير البديعة الصنع والمطلية كما المدينة بالابيض والازرق.. وفي الساحة كراج للسيارات حيث أن طرقات المدينة العتيقة هي فقط للمشاة..
أثناء الصعود يتربع عالياً بيت كبير يستخدم كمركز ثقافي لعرض الكتب والمخطوطات، أو لعرض لوحات فنية مختلفة، وغيرها، وبعده وعلى جانبي الطريق تصطف مجموعة من المحال التي في مجملها تعتمد على المصنوعات التراثية والتقليدية، وهي أنواع وأحجام مختلفة، ويختلف سعرها باختلاف جودتها، وعلى أبواب هذه المحال تجد مجموعات من صور المدينة والمدن التونسية الأخرى (بطاقات معايدة) ويقال بأن البطاقات التي تحمل صورة المدنية هي الأكثر مبيعاً في العالم.
في الطريق مقهى يقدم "النارجيلة" والمشروبات الباردة والساخنة لصاحبة "عم حبيب" بلباسه التقليدي المميز، وبجانبه مقهى "القهوة العالية" ذي الشهرة الكبيرة والذي تمتلىء درجاته بالزبائن إلى جانب الكراسي والحصر المفروشة في داخله (للقعدات العربية) وبجواره محل لبيع حلوى تسمى "بلبلوني"، وهو عبارة عن نوع من العجين يضاف له البيض، ويتم تشكيله على شكل دوائر ثم يقلى في الزيت الساخن، الى أن يحمرّ ثم يرش بقليل من السكر ويباع للزبائن، وقلّما تجد أحداً يزور المدينة ولا يشتري من هذه الحلوى اللذيذة، فيما يقدم مطعم شعبي مقابله المأكولات التونسية، مثل الكسكسي والكفتاجي والطاجين والسلاطة المشوية وغيرها، ثم تصل الى مسجد المدينة، المسجد الذي يحمل اسم الولي الصالح الشيخ "ابو سعيد الباجي" الذي يوجد قبره ومقامه داخل باحة المسجد، ونسبت المدينة الى هذا الولي الصالح ومنه أخذت اسمها "سيدي بوسعيد".
في السير نحو البيوت العتيقة جميلة التشكيل يطل مقهى "سيدي الشبعان" المكشوف صيفاً وشتاءً، والمطل على مدينة قرطاج من جهة البحر وهو من المقاهي المشهورة في تونس، ويمتاز بجلساته على الحُصر الممتدة على مصاطب مرتفعة قليلاً، ومن ألذ ما تطلبه عدا الشيشة "التاي بالبندق" (الشاي الاخضر بالصنوبر)اذا ذقته لا بد وأن تعاود الطلب مرات ومرات.
ومما تشتهر به "سيدي بوسعيد" مشموم الفل الفوّاح والياسمين الطيب الرائحة (مجموعة من أزهار الفل والياسمين تجمع على شكل دائري مع أعواد طرية)، وكذلك قلائد بديعة من الفل والياسمين أيضاً، وبدون أن تطلب يقدم لك البائع بلباسه التقليدي الأبيض مشموماً ويقدم للسيدات القلائد العطرة، وتقدير الثمن يعود لك، يأخذه البائع بسعادة بالغة وهو يحييك بلكنته التونسية المحببة " مرحبا بيك خويا لعزيز في تونس"، ما أجمل هذه الكلمات وأحبها للنفس، وتسمعها من أي مواطن تونسي يعرف من لهجتك بأنك ضيف عربي.
نغادر هذا المقهى المطل على خليج تونس، الذي تشاهد في الطرف الآخر منه جبل بوقرنين ومدينة حمام الأنف، وتصعد بضع درجات حجرية لتواصل سيرك فاذا انت على قمة هضبة "سيدي بوسعيد" بين الاشجار الغابية وفي الأسفل تشاهد المرفأ الصغير للمدينة، وهي من أجمل المناظر التي يمكن أن تشاهدها على الاطلاق، ولا تستطيع الا توثيقها ببضعة صور للذكرى، كما فعلت منذ بداية الزيارة، فإذا لم تكن مزوداً بكاميرا فإنك سوف تخسر الكثير الكثير من اللقطات الفاتنة الساحرة.
في طريق العودة على يسار الشارع الرئيس نعبر مدخلاً يؤدي نزولاً إلى البحر من خلال عدة مئات من الدرجات الحجرية، فهو يخترق الهضبة القائمة عليها المدينة بأشجارها الحرجية الباسقة الطول، بحيث لا تشعر بأي تعب وأنت تهبط رويداً رويداً، فجمال المنظر وروعته ومعانقته لمياه البحر ينسيك أي تعب.
تصل الشارع الرئيس، شارع المرفأ، يحيط به بعض المنازل والفلل، والعديد من المطاعم، بجلساتها الوديعة الهادئة ما بين الأشجار والأزهار وزرقة مياه البحر الممتد أمامك .. تسير عشرات الأمتار فتكون على مدخل المرفأ المرصوف بالحجارة والذي يحتضن من الداخل العديد من المراكب، مراكب فخمة تحمل اعلامياً لدول أجنبية، ومراكب صيد لمواطني المدينة الذين يفرشون شباكهم ليلاً في عرض البحر، ويجمعونها بما حوت من أصنافٍ عديدة من الأسماك وغلال البحر عند الفجر. يبيعون بعضها على المرفأ مباشرة، ويوردون القسم الاكبر للسوق المركزي في مدينة "حلق الواد".
من فوق "كورنيش" المرفأ الوديع الجميل تراقب المراكب المختلفة الأشكال والألوان، وتلتقط على المقاعد الخشبية المعدة للزوار صوراً تذكارية تحتجز المدينة في الأعلى. تبدو المدينة بعد حلول الظلام وكأنها معلقة في السماء، لا يظهر منها سوى أضويتها والجزء الواقع تحت الضوء مباشرة، في مشهد خلاّب فاتن.
تعود إلى مدخل المرفأ، تجلس على المقهى المكشوف والممتد على مساحة كبيرة، بكراسيه وطاولاته، تطلب ما لذ وطاب من المشروبات الباردة والساخنة والحلويات التونسية، على أصوات أمواج البحر التي تنشأ من بعيد ثم تزحف باتجاهك وهي تكبر رويداً رويداً إلى أن تتكسر أمامك على شاطىء المرفأ، فيما نسمات رطبة عليلة تهفهف عليك من حين لآخر، في جلسة ساحرة من جلسات العمر المعدودة.
متحف المدينة أقيم في قصر أحد حكام تونس ما قبل الاستقلال وكان يدعى "الباي"، حيث تجد فيه اللباس التقليدي لنساء ورجال المدينة، بالاضافة لمقتنيات القصر من أواني وأثاث وكتب وفخاريات ورسومات وغيرها، وفي المدينة أيضاً معهد للموسيقى العربية، تقام فيه وعلى مدار العام حفلات عزف وغناء وطرب أصيل تشنف آذان السامعين بأجمل الألحان وأعذب الأصوات. واذا كنت محظوظاً ستحظى بمشاهدة "خرجة سيدي الشاذلي"، وهي فرقة صوفية بلباسها التقليدي الموحد، تحمل الدفوف والطبول وترفع رايات متعددة الألوان، تجوب طرقات المدينة وهي تؤدي الموشحات والأهازيج الدينية.
تعتبر مدينة "سيدي بوسعيد" قبلة للسائحين والزائرين من مختلف دول العالم وخاصة الاوروبية، الذين يفدون إليها بعشرات الآلاف، على مدار العام، وقلما تجد سائحاً يزور تونس ولا يزور هذه المدينة التي تعتبر بحق ليس فقط من أجمل المدن التونسية بل ومدن البحر الابيض المتوسط، وعروسه الفاتنة، إنها العراقة والاصالة والسحر.
نابل مدينة الخزف
في اليوم الثاني تابعنا رحلتنا باتجاه مدينة نابل التي تبعد عن سيدي أبو سعيد نحو سبعين كيلو متر في الشمال الشرقي..نابل مدينة زهرة الآرنج والخزف يتوسط ميدانها الرئيس جرة خزفية عملاقة طولها متران ونصف وبعرض متر ونصف تقريباً، تحيط بشجرة سرو معمرة وضخمة، فيما بدت بوضوح دقة التشكيل اليدوي للجرة وجمال نقوشها، وأصبحت معلماً بارزاً من معالم المدينة وتمنح صورة أولية عن طبيعة هذه المدينة التي تعتبر وبحق روضة من رياض المدن الساحلية المطلّة على البحر المتوسط.
عبرت مع زملاء لي شريان نابل الرئيس، شارع "فرحات حشاد" ما بين أشجار ظليلة وحدائق خضراء مزهرة وصولاً إلى طريق البحر، حيث الشاطئ في نهايته، برماله النظيفة الممتدة لعدة كيلومترات، ورواده الكثر من جنسيات مختلفة يتمتعون بسباحة هادئة وحمام شمسي، وهناك من يمارس التزلج على المياه خلف زورق سريع، أو يطير معلقاً بطائرة شراعية صغيرة.
يحفل الشاطئ بالمتنزهات العشبية الخضراء، والفنادق الفخمة المتعددة الأشكال والأحجام والمقاهي والمطاعم بمأكولاتها الشعبية الشهية، كالكسكسي بلحم الخاروف (العلّوش) والطاجن والكفتاجي ومرقة الدجاج والأسماك الطازجة واللبلابي، وجميعها بطعم "الهريسة" (فلفل أحمر مهروس جيداً مع القليل من معجون البندورة).
بعد الاستمتاع بالشاطئ اتجهنا نحو معرض الزهر الذي يقام سنوياً في شهر نيسان، حيث شهدنا كيفية جني الزهر، وخاصة زهر شجرة "الآرنج" البديعة المنظر العطرية الرائحة، وتعتبر ثروة زراعية ومن أبرز ما تختص به منطقة نابل.. ودققنا بعملية تقطير الأزهار بالطريقة التقليدية، وطريقة استخراج معجون زهرة "الآرنج" الذي يستخدم لأعراض البشرة، ومن المعروضات كان أيضأً العسل الطبيعي، إضافة للمعدات الزراعية القديمة. اتجهنا إلى المدينة العتيقة وأحيائها الشعبية المتميزة ببيوتها التقليدية الجميلة بردائها الأبيض، فيما يسحق الأزرق الشبابيك والأبواب الخشبية والحديدية بنقشها الخلاب .. ويشد الانتباه عربات خشبية مزينة ومغطاة تجرها الخيول في جولات سياحية لأحياء المدينة وضواحيها التي يزيد عدد سكانها على سبعين ألفاً، وتستقطب صيفاً عشرات آلاف الزوار والمصطافين الباحثين عن متعة المكان بمناظره الطبيعية الخلابة ونقاء الهواء الندي الرطب.
وبالإضافة لشهرة ابنة البحر، نابل، بالصناعات التقليدية مثل التطريز والسجاد (الزرابي) والجلود والحُصر والحدادة الفنية، فهي مدينة الفخار والخزف منذ مئات السنين، صنعة توارثها الأبناء عن الآباء، فعجنوا وصقلوا وأبدعوا، وهناك حالياً ما يزيد على ثمانية آلاف حرفي وعامل في هذا الميدان، والعشرات وربما المئات من محلات بيع الفخار والخزف بإشكاله المختلفة وكذلك تشكيلات فنية من التحف الخشبية والمصنوعات الزجاجية، تتوزع على كل شارع ومدخل وزاوية إلى جانب المحال التجارية الأخرى.
ومسك جولتنا كان متحف المدينة، وما يحويه من مقتنيات وكنوز أثرية تروي قصة ما يزيد على ثلاثة الآف عام، هضمت خلالها المدينة حضارات عدة تتالت عليها كالبونية والرومانية والفينيفية وغيرها، وصولاً للحضارة العربية الإسلامية التي طبعتها بطابعها الخاص، مما جعلها تتبوأ ثاني أهم وأشهر المدن التاريخية التونسية بعد "قرطاج".
نابل مدينة معروفة بانفتاحها على العالم القديم والحديث، تألقت دوماً في جدلية التبادل والتلاقي الفكري والحضاري، وهي ابنة البحر التي يمتد اشعاعها في الآفاق لتباهي بوداعتها وروعتها واحتضانها لزائريها المدن الساحرة التي تتمدد على البحر.

Comments»
مواضيع رائعة وشيقة تشد القراء وكانهم يرافقون الكاتب في زيارته . ولقد شجعتمونا على زيارة هذه المدن العربية الجميلة البديعة .
كل الشكر والاحترام لرواة المدن ولشبكة امين وواصلوا اتحافنا بهذه الفرائد الرائعة
وصف رائع ودقيق وكلمات جميله تصف المكان بكل تفاصيله بحيث شعرت انني في نفس المكان اتجول مع الكاتب واتذوق الاكلات التونسيه الرائعه واشاهد كل المناظر الخلابه التي ذكرها.
اتمنى زيارة تونس في يوم من الايام .
تسلمو بجد الصور تحفه