اليابان: بلاد منبع الشمس - بقلم: فريد طعم الله
26 May 2008 مصنف في: فريد طعم اللهأطل بصري من مطار "ناريتا" الدولي في مدينة طوكيو على عالم عجيب، خطف مشاعري باتجاه رواية " أليس في بلاد العجائب". عندما وصلتُ المطار، لم أجد طوابير البشر رغم ازدحامه، ولم أسمع الضوضاء - المعهودة في المطارات - إلا من مكبرات الصوت التي تعلن عن مغادرة أو وصول الرحلات.. بدا المطار واسعاً يلتهم مساحات كبيرة من الأرض، ويضطر المسافر حجز مقعد في قطار سريع من باب الطائرة إلى مبنى ختم الجوازات.
عندما خرجتُ من باب المطار داهمني طقس اليابان المشبع بالرطوبة العالية والحرارة المرتفعة خصوصا خلال فصل الصيف. ركبتُ الحافلة من المطار إلى مركز المدينة وسط الغابات الكثيفة والحقول الخضراء و الشوارع النظيفة والمرتبة بطريقة مبدعة. و فجأة، تلبدت السماء بالغيوم وبدأ مطر الصيف ينهمر بغزارة شديدة وفاضت الشوارع بالماء المنهمر، ثم ما لبث أن توقف المطر و اختفت الغيوم بلحظة كأنها حلم وأشرقت الشمس وتلألأت الحقول الخضراء والأشجار المبتلة.. حصل كل ذلك خلال رحلة حافلة استغرقت ساعة من المطار إلى مركز العاصمة طوكيو. لمستُ بوضوح طقس البلاد الجميلة: فصول أربعة يعيشها الفرد خلال اليوم، بل خلال ساعة واحدة دون مقدمات أو نهايات.
طوكيو: مدينة الشمس
استقرت الحافلة في شينجوكو مركز مدينة طوكيو متوقعاً أن يكون على ايقاع دوار المنارة في رام الله: ازدحام وضجيج ومشاة وعربات، لكني ذهلتُ حين نزلت من الحافلة ولم أجد أي فوضى ولا ضجيج رغم ازدحام السيارات التي تسير بهدوء وانتظام. وفي هذا المكان الذي يعتبر قلب العاصمة الاقتصادية ترتفع ناطحات السحاب في السماء بلا نهايات فيما تنتشر المحلات التجارية الفخمة في كل مكان، و ترى الناس في عجلة من أمرهم وهم يهرولون نحو مكاتبهم مشيا أو على دراجاتهم الهوائية التي تعتبر جزءا من الثقافة صديقة البيئة التي يتحلى بها شعب اليابان.
ركبتُ التاكسي من وسط المدينة باتجاه مكان اقامتي في مركز طوكيو الدولي TIC الذي يبعد أقل من ساعة، وخلال سير المركبة تفاجئت بالإشارات الضوئية في الشوارع، وكنت قد سمعت في نشرات الأخبار بأن اليابان احتفلت بإزالة آخر إشارة ضوئية في نفس اليوم الذي احتفلت به مدينة رام الله بوضع أول واحدة.. وتبين أن الخبر أحد الأساطير التي يلفقها الاعلام كثيرا عن اليابان.
كان سائق التاكسي الذي قابلني بابتسامة وانحنى أمامي مرحبا، يرتدي حلة نظيفة وربطة عنق مع قفازات بيضاء يقود المركبة بهدوء وصمت على غير عادة سائقي التاكسي المعروف عنهم كثرة الحديث مع الركاب. وبدأت المركبة تسير وسط شوارع نظيفة ومرتبة وهادئة وأنا أنظر من النافذة مشدوها بما أرى، فكل شيء مختلف وغريب: الأشجار، الناس، الطقس، المنازل وحتى نظام السير يسير بالمقلوب على اليمين. وشعرت للحظات بسعادة غامرة بددتها الصدمة الحضارية التي بدأت تتغلغل بوجداني..هذه اليابان التي سمعت عنها تفتح ذراعيها للغريب لتشعره بعظمة التطور والرقي التكنولوجي والأخلاقي والمدى الذي يمكن أن تصله الأمم أن هي أحسنت التخطيط وتوفرت الارادة.
طوكيو تعني باليابانية العاصمة الشرقية و هي أكبر مدينة في الـيابان، تقع على الجهة الشرقية لأكبر الجزر الأربع للبر الياباني -"هونشو"- وعلى الضفة الغربية لـ"خليج طوكيو" وبالقرب من مصب نهر "سوميدا" وهي عاصمة اليابان منذ 1868 وتعتبر اليوم المركز السياسي والاقتصادي والثقافي للبلاد.
تمتاز اليابان بجمال طبيعتها الساحرة بدءاً من الغابات الكثيفة والخضرة الدائمة مرورا بسحر وغموض جبل "فوجي" الذي تعلو قمته الثلوج البركانية يطل على تاريخ عريق وشعب محارب بثقافته الفريدة، إلا أن أكثر ما أدهشني في اليابان شعبها المختلف عن كل الشعوب التي زرتها وعشت معها، فهو شعب راقي ومعطاء وفيه العديد من المميزات الخاصة: شعب متطور لكنه يتمسك بتقاليده المحافظة، وهو يعشق الحضارة الغربية لكنه ينافسها ويتفوق عليها، وهو شعب آسيوي بنمط حياة أوروبية وهو جزء من الحضارة الشرقية إلا أنه رمز من رموز تقدم الحضارة الغربية
هدوء ونظافة ونظام
مكثتُ في اليابان شهرا، أجدني لا أبالغ إن قلت بأنني لم أسمع منبه سيارة على الاطلاق، ولم أشاهد حادث سير واحد. فاليابانيون شعب هادىء جدا لدرجة الملل، فعندما تسير في شوارع طوكيو التي يسكنها 12 مليون نسمة لا تسمع أي صوت، وعندما تركب القطار المزدحم بالركاب لا تسمع تنفسهم بالمطلق، فالجميع إما منهمكون بالقراءة أو يغمضون أعينهم فلا أحد ينظر هنا وهناك أو يتحدث مع آخر إلا نادرا.
هدوء اليابانيين ينعكس على البلد نفسها، فتجد طراز البيوت و أشكالها هادئة وبسيطة، والشوارع داخل الحارات ضيقة ولكنها هادئة و مرتبة ونظيفة جدا، ويندر أن تصادف أحدا يسير في الشارع أو شبانا يتسكعون في الطرقات إلا في أيام العطل ونهاية الاسبوع عندما تغلق الشوارع وسط طوكيو أمام السيارات وتصبح مخصصة للمشاة فقط، حيث الباعة المتجولون ينتشرون في كل مكان في الشارع اضافة إلى الفرق الموسيقية و المهرجين يملأون المكان صخبا وضجيجا، وعند صباح اليوم التالي يختفي كل شيء وتعود البلد إلى الهدوء المعهود.
النظافة ركن أساسي في القيم اليابانية، كل شيء أنيقا ومرتبا، الشوارع والمتنزهات نظيفة جدا يغيب عن شوارعها المدخنون تماماً، وعلى الرغم من وجود ملاين البشر في المدينة الا أن شوارعها دون قاذورات يغيب عن بيئتها التلوث..وأعترفُ أني لم احتاج إلى مسح حذائي طوال فترة اقامتي في ثلاث مدن يابانية: طوكيو، كيوتو و اوساكا.
اليابانيون منظمون بشكل يثير الدهشة، وهم ملتزمون صارمون بالتعليمات والاجراءات والأوامر، حين تركب القطار المزدحم بالركاب وقوفا بالمقصورة، ترى مقاعد فارغة في نفس المقصورة ولا أحد يجلس عليها لأنها مخصصة للمعاقين رغم عدم وجود معاقين في القطار، إلا أن أحدا لا يجلس في ذلك المكان. التدخين في اليابان ممنوع إلا إذا اعتلت المكان إشارة تسمح بذلك، وهم ملتزمون بذلك جدا ويدخنون في الأماكن المسموح بها رغم قلتها، وتراهم في محطات الأنفاق يقفون بهدوء وانتظام على درجات يسار السلم الكهربائي، ذلك أن الجهة اليمنى تبقى فارغة لاستخدام الأفراد الذين في عجلة من أمرهم .من النادر جدا أن يلتقط البصر مشردين في شوارع طوكيو، ولا متسولين ولا نشالين وقد غابوا جميعا عن المشهد في البلاد الساحرة..في طوكيو بالذات يصعب السير لمسافة طويلة على الأقدام، فالشوارع تتقاطع مع الجسور والأنفاق وسكك الحديد إلا أنه يوجد أماكن مخصصة للركض وهواة المشي في الحدائق والاماكن العامة.
يتميز الشعب الياباني بدقة مواعيده المتناهية، فكل شيء محسوب بالدقيقة إن لم نقل بالثانية، فمواعيد الطائرات والقطارات والحافلات وفتح واغلاق المحلات والعمل دقيقة جدا وصارمة. فالهدوء والنظام يخلقان الدقة في الوقت الذي يقدره اليابانيون كثيرا، فتجد من المستحيل أن يخلف الياباني موعده ولو لدقائق، فهم يحترمون الوقت ويستغلونه بطريقة منظمة.
غادرتُ طوكيو لزيارة مدينة اوساكا التي تبعد حوالي 500كم جنوبا، وعند شراء تذكرة القطار السريع (الرصاصة ) والذي يسير بسرعة 250 كم/ ساعة، دققتُ جيدا بالملاحظة على التذكرة: موعد انطلاق الرحلة سيكون الساعة 1:29 ظهرا وموعد الوصول سيكون الساعة 3:37 وتكاد عملية الانطلاق والوصول تحسب بالثانية كأننا في سباق ماروثني دولي.. تعجبت وقلت في نفسي لماذا لا يكتبون الساعة الواحدة والنصف. ولكن هذا ما حصل حيث غادر القطار و وصل بالضبط كما هو مخطط له.
الشعب الياباني ودود وبشوش ومخلص ومطيع ومتواضع، ولم ألمس لديهم أي نظرة عدائية أو عنصرية تجاه المشاركين في الدورة التي شاركتُ بها خاصة وان كلهم أجانب.أحد الأشياء الملفتة للانتباه غياب اللغة الانجليزية بين الناس بشكل واسع، فمن الصعب أن تجد شخصا عاديا في الشارع يتحدث الانجليزية لتسأله عن مكان معين، وهذا ليس نابعا من نظرة عنصرية أو قومية تجاه اللغات الأخرى، وانما من عدم حاجة الناس لتعلم هذه اللغة.
اليابانيون بسيطون جدا، وأحيانا هم مثل الحاسوب الذي يصنعونه، يتعاملون بجمود مبرمجون جدا فكل واحد متخصص في مجال عمله ولا يعرف الكثير خارج اطار تخصصه. وهم شعب نشيط وعامل، فلا يوجد عمالة أجنبية كبيرة في اليابان، ولا يوجد استعلاء لممارسة أي مهنة مهما كانت، وعندما يعملون فهم مخلصون ويكدون بجد ولا يضيعون أي دقيقة من وقت العمل. فهم يقدرون الوقت ويحترمون العمل وهذا أحد أسباب التقدم الذي أحزته اليابان في سنوات قليلة.
أطلق الصينيون على البلاد اسم أرض منبع الشمس لوقوعها في أقصى شرقي العالم المأهول آنذاك. تتكون اليابان من ثلاثة آلاف جزيرة تقريباً أهمها وأكبرها بدءا من الجنوب إلى الشّمال: كيوشو شيكوكو هونشو وهوكايدو، ويبلغ سكانها أكثر من 120 مليون نسمة.
يمثل المجتمع الياباني وحدة عرقية و لغوية واحدة حيث يتكلم 99 % من الشعب اللغة اليابانية، الا أنه توجد أقليات عرقية أخرى. وعلى الرغم من أن أكثرية اليابانيين يعلنون أنهم لا يتبعون أي ديانة معينة الا أن تعاليم الشنتو والبوذية، تبقى راسخة في كل جانب من جوانب الحياة اليابانية اليومية. العديد من الفئات اليابانية، وخاصة الشباب تعتقد أنه يجب إبعاد الديانات و المعتقدات عن الإيحاءات التاريخية، و يرجع هذا الحذر إلى الدور الذي لعبته الديانة التقليدية للبلاد -شنتو- في تجنيد الشعب أثناء الحرب العالمية الثانية.
تكنولوجيا
لا تذكر التكنولوجيا إلا ويتبادر إلى الذهن: اليابان.. لم يأت ذلك من فراغ، فهي دولة متقدمة جدا في المجال التقني، وقد زرنا العديد من المؤسسات والشركات الكبرى مثل TOSHIBA و SONY ومحطات تلفزة ومعلومات، وكلها تبتكر باستمرار أنظمة الكترونية ورقمية متطورة، وهم يتبعون آخر ما توصل له العقل الياباني تكنولوجيا، ولديها إمكانيات مذهلة لا يمكن وصفها وهي قمة التكنولوجيا الرقمية في العالم..باختصار لا يمكن أن تعيش اليابان دون تكنولوجيا، كل شيء مرتبط بالحاسوب الذي قد يؤدي تعطل أنظمته لكوارث كبيرة جدا، وأيضاً انقطاع الكهرباء للحظات يسبب خسائر فادحة.. القطارات والمطارات وحركة السير وحتى المحلات التجارية تعتمد على أنظمة تكنولوجية في العمل. ورغم أن اليابان تشتهر بكثرة الزلازل إلا أن الأضرار تكون محدودة نتيجة تطوير نظام معماري مقاوم للزلازل بحيث يهتز المبنى ويتمايل مع شدة الهزة الأرضية دون سقوطه أو تضرره.
سيف "الساموراي" ؟
خرجت اليابان من الحرب العالمية الثانية مهزومة ومدمرة وجائعة نتيجة تدمير البنى التحتية والزراعية، وعاني الشعب المجاعة لمدة تزيد عن خمس سنوات وفتكت به الأوبئة والأمراض حيث اعتمد على المساعدات الخارجية من الغذاء والدواء، وكانت اليابان بلدا منكوبا بفعل الحرب والقنابل النووية التي ألقيت عليه في هيروشيما وناجازاكي. وشعر اليابانيون بالهزيمة الا أنهم لم يفقدوا البوصلة ولا العزيمة.
بدأ اليابانيون مطلع الخمسينيات عملية الاعمار واعادة بناء ما دمرته الحرب، فأعادوا رصف الشوارع وبناء المصانع، ونجحوا خلال عقد من الزمن باعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل الحرب، وما أن دخلت اليابان منتصف السبعينيات حتى أصبحت دولة صناعية غنية وعملاقة تنافس أوروبا والولايات المتحدة، وتحولت من دولة تتلقى المنح والمعونات الى دولة مانحة ومن دولة مستوردة الى دولة مصدرة.
وكان الشعب الياباني هو مفتاح النهضة والتطور، و لعبت الثقافه والقيم العريقة المبنية على الطاعة والاخلاص والانضباط والعمل بكد وتقدير الوقت، دورا أساسيا و ساهمت في اعادة بناء البلد الحديث والمتطور وفي زمن قياسي..ولكن ما هو الثمن الذي دفعه اليابانيون؟
أكد لي أصدقائي اليابانيون أن الثمن كان غاليا، فهم يخسرون بالتدريج ثقافتهم العريقة وعاداتهم وتقاليدهم المحافظة ثمنا لتقدمهم، فأصبح شباب اليابان من الجيل الذي ولد بعد الحرب نسخة عن نظرائهم الغربيين وبخاصة الأمريكيين فهم يتابعون باهتمام آخر الموضات والتقاليع الغربية ونمط الحياة الغربي، فانتشرت ثقافة الهيبز وابتعدوا عن السوتشي لصالح الوجبات السريعة كالماكدونالدز والسجائر الأمريكية، وبدأت الأسرة اليابانية بالتفكك لصالح ثقافة البوب والديسكو.
ولكن ماذا عن الروح القومية اليابانية؟
هذه القضية، اضافة الى العلاقة مع الولايات المتحدة هما كما لمست قضيتان حساستان وغامضتان جدا ولم أستطع الوصول الى تفسير لذلك!!!
أكد لي بروفسور ياباني أن الامريكان وان هزموا اليابان في الحرب ودوروها، الا أنهم لم يهزموا الشعب الياباني ولا روحه القومية بل على العكس ( والكلام للبروفسور) ازدادت النزعة القومية ولكن تغيرت طريقة التعبير عن هذه الروح من القتال الى المنافسة الاقتصادية والانتاج. اليابانيون يمتازون بالعمق رغم بساطتهم ومن الصعب جدا أن يصارحوا الغرباء بما يفكرون به، ولكني قرأت بين السطور بأن هناك روحاً قومية قوية ولكن لا يتم التعبير عنها بطريقة عنصرية كون ذلك مخالف للقانون ولاجماع الرأي العام في اليابان.
وبخصوص العلاقة مع الولايات المتحدة، فالبعض منهم يعتقد أنها هي التي دمرت و هي التي بنت اقتصاد اليابان، وهي التي جوعت و أطعمت الشعب الياباني. فالولايات المتحدة احتلت وقصفت اليابان بالقتابل النووية وفرضت عليها وثيقة الاستسلام في يوم بكى فيه الشعب الياباني وقامت بوضع دستور جديد يقضي على الروح العسكرية لليابان، ويقوم على الفكر الرأسمالي والديمقراطي والحرية الفردية وكلها قيم غربية دخيلة على ثقافة شعب الساموراي. وفي نفس الوقت قامت بضخ المليارات للاقتصاد الياباني لانعاشه من جديد وقدمت المساعدات الطبية والغذائية للشعب الجائع والمحطم بعد الحرب.
النظام السياسي في امبراطورية اليابان برلماني، بمعنى أن الامبراطور يملك ولا يحكم وليس لديه سلطات ومهام سياسية فهو حسب الدستور الجديد الذي وضع بعد الحرب " رمز وحدة شعب اليابان" ليس الا.
لا تمتلك اليابان الآن جيش بالمعنى الحقيقي، وانما هناك قوة عسكرية صغيرة مهمتها حماية البلاد من أي اعتداء خارجي، فيما يمنع الدستور خروج قواته المسلحة خارج الأراضي اليابانية، ولا يوجد وزارة دفاع وتتولى الولايات المتحدة ومنذ الحرب العالمية حماية اليابان وقدي كون ذلك احد العوامل التي ساعدت في نمو اقتصاد اليابان بسبب عدم الحاجة الى الانفاق العسكري الذي يستهلك جزءا كبيرا من ميزانيات الدول.
واليابانيون عموما مرتاحون لهذا الوضع وهم بالغالب لا يتدخلون بالسياسة وليس للبلاد أية طموحات سياسية أوعسكرية، وهمها الوحيد النمو الاقتصادي والتقدم التكنولوجي والمنافسة الحرة، ولا يزعجهم كثيرا وجود قواعد عسكرية امريكية على أراضيهم فهم مشغولون عن ذلك بالاقتصاد ومحاربة البطالة والمشاكل الاجتماعية.
والسؤال المهم هو هل اليابان بالفعل منافس اقتصادي حقيقي للولايات المتحدة؟
من الصعب جدا علي الاجابة على السؤال كوني لست خبيرا اقتصاديا ولكن من خلال قراءة المعطيات والتاريخ يمكن ايجاد مؤشرات تساعد في الاجابة:اليابان دمرت وأعيد بناؤها بالأموال الأمريكية ويتم حمايتها الان بالآلة العسكرية الأمريكية. ويتضح من ذلك أن أمريكا أرادت بالفعل ايجاد يابان قوية ومستقرة اقتصاديا لأهداف خاصة بها، وخلال السبعينيات بدأ الاقتصاد الياباني يزعج الامريكيين وأخذ ينافسهم في عقر دارهم وكان لا بد من وضع حد لذلك بتحجيم اقتصاد اليابان الى الحد المطلوب، فقاموا بشراء مليارات الين اليابانية مما أدى إلى ارتفاع سعر صرف الين عالمياً وأدى ذلك طبعا الى ارتفاع سعر السلع اليابانية فانخفضت قدرتها التنافسية فأصبحت غالية الثمن مقارنة مع مثيلتها الامريكية وأدى ذلك الى ضرب الاقتصاد الياباني في الصميم وخصوصا أنه ترافق مع الأزمة النفطية خصوصا وأن اليابان كما نعلم فقيرة جدا بالموارد الطبيعية كالنفط والغاز والحديد وهي تعتمد على استيرادها من الخارج ولذلك فهي عرضة لتقلبات السوق العالمية وخصوصا النفط. ويتضح من ذلك أن أمريكا تمتلك أكثر من ورقة للضغط على الاقتصاد الياباني متى شاءت.
بامكان الاقتصاد الياباني منافسة الأمريكي وازعاجه ولكن هناك خطوط حمراء لا تقبل الولايات المتحدة لليابان أن يتجاوزها وان فعل فانها لا تعدم الوسائل الكفيلة بتحجيمه وضربه متى شاءت.
إذا أردنا النهوض فلسطينياً وعربياً علينا دراسة التجربة اليابانية بدقة وعمق، والاستفادة من تجربتهم بالتركيز على نقاط القوة في اعادة بناء الذات، والابتعاد عن نقاط الضعف كما فعلت اليابان التي لا تملك الموارد الطبيعية ولا المساحة الجغرافية ولا عدد السكان الذي يؤهلها لتكون لاعب اساسي في الساحة الدولية، ولكن لديها العنصر البشري الذي استثمرت فيه الى أبعد الحدود فأبدعت وأبدع شعبها في النمو والمنافسة وأصبحت خلال سنوات قليلة عملاق اقتصادي يمثل ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة.
كما أن القيم الأصيلة للشعب الياباني تم المحافظة عليها و أسهمت بشكل كبير في اعادة النهضة في زمن قياسي، ولم تتنكر اليابان لقيمها المحافظة و المبنية على الاخلاص والانضباط والصدق و الاصرار، بل حافظت عليها و استثمرتها في بناء الانسان الياباني الذي يعتبر الذخر الاستراتيجي للدولة. فهل آن الأوان لدى الحكومات العربية التي تمتلك امكانات وموارد أكثر بكثير من التي امتلكتها اليابان، أن تكرر التجربة اليابانية وتهتم بالمواطن العربي ليكون ركيزة التنمية و التقدم؟؟
حتى يتحقق ذلك، فعلى الشعوب العربية التمسك بثقافتها و بقيمها الأصيلة علها تصبح يوما ما رافعة للتطور بدلا من اعتبارها أحد اشكال التخلف التي يجب محاربتها.


Comments»
أنا أقرأ هذا الموضوع عشت سكينة اليابانيين التي نحتاجها من حين لآخر لكن لن نستطيع تبنيها ولكن ليتنا نتعلم منهم الالتزام والنظافة مع المحافظة على خصوصياتنا.
شكرا على تزويدنا بمثل هذه المعلومات القيمة!!
ها هو المقال الثاني المقروء للقاص(فريد طعم الله) ويمكنني تسميته هكذا لعدم معرفتي بك فعذراً … حقاً فرحتي بإيجاد هذا الموقع توازي فرحتي بالعثور على موقع ناجي العلي وذلك قبل سنوات خلت مما حدا بي بكتابة مقالٍ ونشره بصحيفة الخليج الإماراتية ورغبتي الجامحة بالتعريف بموقع ناجي العلي للجيل اللذي ينشأ حالياً دون معرفة حتى اسمه فيكف بهم لو رأو رسوماته … المهم أني أستمتع بكل كلمة وحب المعرفة من خلال كلمات هذا المقال وأنا أثق تماماً من المعلومة التي تصدر من فم قائلها لتنساب عبر الكلمات والصور الجمالية وعمق تأثيرها في نفس الكاتب وبالتالي تنعكس على نفس القاريء في تذوق كل كلمة والإستمتاع بها وكأنه ينقلك بالصورة المُتخُيًَلة لنفس الموقع … ولا عجب من قرائتي لنفس التعليق الذي اعتراني بالسطور الأولى للمقال عن أمنيتي بأن تكون نظرتنا للأمور بإيجابية وترك نقاط الضعف حتى لا تشدنا للأسفل بدل النهوض والسير بإقدام سواء على المستوى الشخصي كأفراد عرب أو المستوى الوطني والدولي العربي وما إلى ذلك … وأتمنى منك سيدي أن تزودني بأهم عناوين الكتب الثقافية والروائية والتي ترى من وجهة نظرك أن على كل شخص التزود بمعرفتها ولأنها قيمة وَيُثري معرفتنا بجميع المستويات.
أما بخصوص النظام فقد لفتت إنتباهي جملة في إحدى التمثيليات لممثلة كنت أعرف وجهها فقط ولا أهتم لإسمها لأن دورها كان ثانوياً ولكن جملتها لفتت إنتباهي ودوماً أثناء غياب الشرطي الذي يقف عند مفترق الطرق بطريقي إلي عملي تكون السيارات منظمة ونسير بنظام فيصل كل منا إلى عمله بوقته المحدد، وعندما يغيب .. يا الله كم أستاء لأن الجميع يخاف من المخالفة ولا يوجد إحترام للنظام مع العلم أن الفوضى تُأخرنا وتجعل الجميع يتهافتون على مدخل الطريق وأتساءل ألم يلحظوا الفرق بالنظام واحترامه هل من الضروري دوماً ود رقيب على سلوكياتنا ولم لا تكون نابعة من الإيمان بها وصدقت ثناء دبسي في جملتها حين قالت (النظام حضارة).
تُرى متى سنتعلم النظام … ؟؟؟ تُرى متى سترقى تصرفاتنا مع أنفسنا أولاً ومن ثم مع الآخرين ؟؟؟
Mirvat
Thu 29.05.2008
شكرا لك يا مرفت على هذه الكلمات والمدح الجميل لروايتي عن اليابان. أنصحك بقراءة روايات أحلام مستغانمي فهي رائعة وأنا متأثر جدا باسلوبها الكتابي وأسعى للوصول الى مستواها الابداعي.
شكرا مرة أخرى، وأرجو أن تبقي زائرة دائمة لصفحتنا الالكترونية.
كل الاحترام
فريد طعم الله
شوقتيني أزور اليابان..
سأضع هذه الأمنية ضمن الأماني التي قد تتحقق وقد لاتتحقق..