الدار البيضاء .. فاتنة الأطلسي بقلم: تيسير حسين اللقياني
22 May 2008 مصنف في: تيسير حسين اللقياني
" أُنظر ما أبهى هذا المسجد، وما أدق صنعته"، همست لزميلي
ابراهيم سجدية ونحن نقترب من مسجد الحسن الثاني في الدار البيضاء، هذه المدينة التي أخذت اسمها من راكبي إحدى المراكب البحرية قبل مئات السنين، والذين رأوا من بعيد داراً مطلية باللون الأبيض، فأطلقوا على المكان الدار البيضاء.
كنا في ضيافة الجماعة الحضرية للدار البيضاء، ضمن برنامج للاطلاع على التجربة المغربية في مجال الإدارة والعمل البلدي، فقد تلقينا دعوة محمد ساجد رئيس الجماعة الحضرية، وغمرتنا سعادة كبيرة لزيارة المغرب الشقيق لأول مرة.
أعددنا حقائبنا وانطلقنا فجراً إلى استراحة الجسر في أريحا، وبعد الظهر وصلنا العاصمة الأردنية بعد اجراءات المرور البطيئة على الجسر، وضعنا حقائبنا في "المنار" فندق جميل وهادئ غربي عمان وغادرنا صوب مطعم "القدس" الشهير لتناول وجبة خاطفة..بعد جولة في شوارع العاصمة عدنا منتصف الليل مشياً إلى الفندق.
في الثامنة صباحاً توجهنا نحو سفارة المملكة المغربية، بترحاب كبير حملت جوازات سفرنا تأشيرة دخول للمغرب معفية من الرسوم، لنكون على الساعة الثانية والنصف في مطار الملكة علياء، نتابع الإجراءات ونتجه إلى بوابة تطل على الطائرة القطرية لتشق السماء إلى الدوحة ومنها إلى الدار البيضاء في رحلة حجزت عشر ساعات منها ساعة واحدة قضتها الطائرة في مطار طرابلس الدولي.
يشعل مطار الدار البيضاء ذاكرتي بأيام العرب في الأندلس وحضارتهم العظيمة التي شيدوها إلى الشمال قليلا من هنا. تم بناء المطار على الطراز الأندلسي، بدت الأعمدة المربعة الشكل والأقواس الخزفية والزخارف البديعة وكذلك الأثاث الزاهي بنقوشه البهيجة.
وضعت جواز السفر تحت بصر الشرطية، نظرت إلي وتساءلت بسرور:"جيت من فلسطين؟" وأضافت: "مرحبا بكم في المغرب، كلنا معكم والله ينصركم". خطوت وزميلي باتجاه مخرج القاعة لنجد في الانتظار الصديق محمد العلمي المسؤول الإداري في سفارة فلسطين والصديق سعيد الدوح مسؤول العلاقات الخارجية والتعاون في الجماعة الحضرية للدار البيضاء، وزميله أحمد مرغيشي، اتجهنا إلى مقر إقامتنا في فندق "أنفا بالاس"، من أفخم فنادق الدار البيضاء..تمتعنا بالأطباق المغاربية: كسكسي وشوربة الحريرة، وهي فعلاً من المأكولات اللذيذة جداً، تبعها حلويات مغربية، بقلاوة باللوز، ثم الشاي الاخضر بالنعناع، والقهوة العربية على أنغام الأغاني التراثية المغربية.
صبيحة اليوم التالي كانت السيارة بالانتظار في طريقها إلى مقر الجماعة الحضرية وسط عاصمة يبلغ عدد سكانها تسعة ملايين نسمة، ومساحتها مع ضواحيها تعادل تقريباً مساحة الضفة الغربية، وتضم 17 مجلساً بلدياً ينبثق عنها " الجماعة الحضرية"، التي ترسم الخطط والسياسات لكل ما يتعلق بالدار البيضاء.
في مقر الجماعة الحضرية وعلى مدار عدة أيام التقينا مسؤولي الشؤون الادارية والمالية والتنظيمية والتخطيط والعمران والشؤون الثقافية والجمعيات والمؤسسات الأهلية، واطلعنا على كيفية تسييرهم لاعمالهم، وتقديم الخدمات المختلفة لهذا العدد الهائل من الناس، والصعوبات والمعيقات التي يواجهونها وطرق التغلب عليها.
في المساء وأيام العطلة الاسبوعية (الاحد) كنا نذهب في جولات سياحية للتعرف على المدينة: شوارعها، أسواقها، محلاتها التجارية، كورنيش البحر، وغيرها. وأكثر ما يشد الانتباه منطقة الكورنيش التي تسمى "عين الذئاب" من أجمل المناطق السياحية في الدار البيضاء، وربما في المغرب عموماً، فهي تمتد على شاطىء الأطلسي مسافة عشرة كيلو متر تقريباً، وبعرض لا يقل عن 60 متراً. تقع على أطرافها الفنادق المختلفة، الفخمة والمتوسطة والبسيطة، وكذلك المحال التجارية، والمقاهي الواسعة والمطاعم المتعددة، والمسابح والأحواض المائية المقتطعة من مياه المحيط. ويؤم المنطقة عشرات الآلاف من المواطنين والسياح العرب والأجانب الذين يجوبون الكورنيش سيراً على الأقدام..وعندما يشعرون بالتعب تسعفهم المقاهي بالشاي الأخضر بالنعناع ويسحرهم روعة المكان.
عقب إحدى اللقاءات مساءً سألنا مرافقنا عن مسجد الحسن الثاني وإمكانية زيارته، وبعد ربع ساعة في السيارة كنا نقف أمام الباحة الخارجية للمسجد، الذي يعتبر ثالث اكبر مسجد في العالم بعد الحرمين الشريفين، وهو بحق معلم ديني ومعماري فريد.
أقيم المسجد على مياه المحيط الأطلسي وتمتد مئذنته الأندلسية في السماء نحو 210 متر وهي أعلى مئذنة في العالم، واستخدم في بناء المسجد 65 ألف طن من الرخام، في حين يبلغ عدد أعمدته نحو 2500، وله سطح متحرك بحيث يفتح ويغلق حسب الحاجة، وتم زخرفة المسجد بالنقوش والفسيفساء والحفر على خشب الأرز، وعمل به على مدار ست سنوات نخبة من المهندسين والحرفيين والعمال المهرة ومبدعين من مختلف المهن والحرف التقليدية المغربية فاق عددهم 12500 متخصص.
يتسع صحن المسجد المغطى بالقرميد الأخضر لـ 25000 مصلّي، وباحته الخارجية تتسع لـ 80000 مصلّ، وملحق به مجمعاً ثقافياً متكاملاً، وبالاضافة لكونه معلماً دينياً فقد أصبح معلماً سياحياً يبهر الناظر بدقة التصميم وجمال الهندسة.. اقتربنا من المحراب، وصلينا ركعتين، ثم جلنا في أرجائه لأكثر من ساعة قبل عودتنا.
تناولنا في الفندق عشاءً مغربياً أصيلاً يسمى "البسطيلة" وهو يتكون من مواد مالحة ومواد حلوة في نفس الوقت، وهي عجينة تحشى بالدجاج والبقدونس والكزبرة والثوم والبصل واللوز المطحون والسكر والقرفة وماء الزهر، وتخبز في الفرن حتى تحمرّ، وتعتبر من الأطباق المغربية التي لا يمكن مقاومة طعمها.
في اليوم التالي اتجهنا إلى المحطة المركزية للقطارات التي تربط بشبكتها المدن المغربية من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، حجزنا مقاعدنا إلى العاصمة الرباط التي تبعد عن الدار البيضاء حوالي 80 كيلو متر والتي أسسها المرابطون في القرن الثاني عشر.
اخترق خلالها القطار عدة مدن صغيرة منها المحمدية. وكان يتوقف في كل مدينة لينزل عدد من الركاب ويصعد آخرون، وبعد ساعة أو أكثر قليلا نزلنا في المحطة الأرضية، ثم صعدنا إلى الأعلى لنكتشف أننا فوق الشارع الرئيس للعاصمة، شارع محمد الخامس، وهو شارع عريض تحيط به الأشجار الكبيرة من الجانبين ويتخلله مجموعة من الحدائق الممتدة على طوله، مزروعة بأنواع مختلفة من الورود والأزهار وبينها نوافير المياه التي تطلق رذاذاًَ كثيفاً، يزيد المشهد ألقاً وجمالاً.
تمشينا قليلاً، تفحصنا بناظرينا المحال التجارية المختلفة، والمطاعم والمقاهي إلى أن وجدنا أنفسنا أمام أحد المطاعم الشامية المشهورة بالفلافل والحمص والفول والمناقيش، وكذلك الخبز الشامي الذي يصنعه في فرن خاص لديه. لاحظنا أن أكثر رواده بالمواد الغذائية من العرب المشارقة.استمتعنا بوجبتنا وأكملنا سيرنا غرباً باتجاه مقهى الباليما غارقاً تحت الأشجار العالية الخضراء تنتشر تحتها الطاولات والكراسي تناولنا شاياً أخضر بالنعناع، ثم سألنا عن الطريق إلى الرباط القديمة. تسمرنا أمام سور قديم وبوابة ضخمة عريضة، دخلنا منها فوجدنا أنفسنا داخل المدنية العتيقة، وهي المنطقة الشعبية التي حافظت على رونقها العمراني البديع والقديم متجنبة الحضارة الحديثة. تزدحم بالمقاهي والمطاعم الشعبية، وبائعات الخبز العربي الذي يصنع يدوياً على نار الحطب، وبسطات الملبوسات والأواني المنزلية الزهيدة الثمن، ومحلات الخضروات واللحوم، وتزكم الأنف رائحة البهارات والأعشاب الطبيعية المختلفة، والعطور المركبة محلياً إلى جانب البخور ومحلات الملبوسات، والجلود والمصنوعات التقليدية من الاخشاب والنحاس وغيرها.
ويشد الانتباه في هذا السوق الشعبي المطرزات والملبوسات التقليدية المغربية، وخاصة الثوب الذي له من الخلف غطاء للرأس (قفطان)، هناك النوع الثمين المصنوع يدوياً وأيضاً الزهيد انتاج المعامل.. ينتهي السوق بمحلات المصنوعات الجلدية وهي ذات جودة عالية بنصف ثمن مثيلاتها في البلدان العربية. يبرز في خاتمة السوق السور القديم للمدينة، حيث شارع عريض مرصوف بالحجارة، وعلى جانبيه الباعة الذين يبحثون عن رزقهم من خلال السلال والبسطات الخشبية الصغيرة التي يحملونها على صدورهم.
تعبر البوابة الضخمة في الطريق إلى جوف المدينة العتيقة، والبوابة خشبية مقوسة من أعلى مرصعة بالحديد والنحاس، ما أن تجتازها حتى تجد أحدى المدافع القديمة والتي يقال أنها من بقايا الحملة الفرنسية، ثم تتابع المسير في الأزقة الفاصلة ما بين البيوت الحجرية، في طرق ضيقة نسبياً لا تسمح إلا بسير المارة على أقدامهم، ومن زقاق إلى آخر تلحظ أنها جميعها مرصوفة بالحجارة الملساء، كتلك المرصوفة في طرقات القدس القديمة، وصولاًً إلى عدد من البيوت العتيقة وقد تحولت إلى مقاه شعبية تجتذب الزائرين من سياح ومواطنين .. نجلس في إحداها والتي تقع على مرتفع يطل على نهر الرقراق، هذا النهر الجميل الذي يخترق بعض أطراف المدينة فيضيف لها رونقاً وجمالاً أخاذاً وخاصة مع انعكاس أشعة الشمس على مياهه في فترة ما قبل الغروب.
غادرنا هذا المكان الساحر، الذي ذكّرنا كثيراً بالقدس وحاراتها وأزقتها، وربما لهذا لم نشعر بالغربة عززه طيبة أهل المغرب ومحبتهم لزائريهم وخاصة من بلاد المشرق العربي وبالذات فلسطين . دخلنا أحد المطاعم الشعبية لنطلب طعاماً مغربياً شهيراً "طاجين"، دجاج أو لحم ضان يوضع في قدر فخار مع بطاطا وبندوره وفلفل أخضر وبهارات، ويغلق القدر بغطائه الفخاري ويوضع على الفحم حتى ينضج، ثم يسكب في صينية فتنبعث منه رائحة شهية جداً..وقد كان هذا القدر الفخاري من الهدايا التي حملناها معنا عند عودتنا عسى أن نحظى بوجبة شهية.
صبيحة اليوم التالي زرنا معهد الدار البيضاء للموسيقى: مبنى تاريخي منذ مئات السنين بحجارة ملساء على الطراز القديم، حيث الأقواس والأبواب المرصعة بالنحاس، والشبابيك الخشبية.. صعدنا درجات المعهد لنلتقي مديره الحاج يونس ويصطحبنا بجولة في أرجائه الذي يحتوي على أقسام للمسرح، الموسيقى، التمثيل، الرقص الحديث، وأخرى لمختلف الفنون.. وفي احدى الغرف دققنا النظر مطولا في "بيانو" عمره أكثر من 200 سنة، وما زال محافظاً على شكله وأوتاره، وأبلغنا الحاج يونس بأن الكثيرين حاولوا شراءه بمبالغ طائلة ولكن القائمين على المعهد رفضوا بشدة كل العروض المغرية باعتباره جزءاً من التراث المغربي القديم.
الحاج يونس، موسيقار في الستين من عمره، درس الموسيقى واحترفها منذ نعومة أظفاره، وهو يتقن العزف على كافة القطع الموسيقية، وخاصة آلة العود، وقد درّس معظم فناني ومطربي المغرب، ولذلك يعتبر العازف الأول ليس فقط في المغرب، بل وفي المغرب العربي عموماً، وقد أحيا العديد من الحفلات في المغرب ودول العالم، ونال الكثير من الجوائز التقديرية، وهو من أشد المناصرين للقضية الفلسطينية. أحيا مرة في مدريد احدى الحفلات بحضور الآلاف من العرب والإسبان مفتتحاً بأغنية المصري الراحل والشهير محمد عبد الوهاب: أخي جاوز الظالمون المدى. تجاوب الجمهور معه لدرجة اضطرته لاعادة الأغنية عدة مرات.
غادرنا المعهد وسط وداع كبير من صديقنا العزيز الحاج يونس ودعواته لفلسطين بالتحرر والنصر ليشارك في أفراح استقلالها.في الواحدة ظهراً، كنا نحزم حقائبنا المنتفخة استعداداً لمغادرة هذه المدينة العريقة.. ودعنا رئيس الجماعة الحضرية والكاتب العام، فيما أقام لنا الأشقاء في العلاقات والتعاون الدولي مأدبة غداء وداعية، تداولنا خلالها في الزيارة ومدى الاستفادة التي تحققت منها، ثم رافقونا إلى المطار بحقائب زائدة الوزن..تدخل مسؤول المطار شخصياً وتجاوز مشكلة الوزن ومنحنا مقعدين متجاورين في مقدمة الطائرة، بل ورافقنا حتى باب الطائرة وهو يشد على أيدينا ويتمنى لشعبنا النصر والاستقلال.. ما أطيبكم أيها الأشقاء في المغرب الحبيب وما أصدق مشاعركم تجاه فلسطين نتمنى تحرراً سريعاً للقدس حتى نراكم بيننا كما عهدناكم في الماضي لعلنا نرد بعضاً من مآثركم.

Comments»
لاتوجد تعليقات - كن أول من يعلق .