ليلة واحدة في بانكوك: مدينة الملائكة - بقلم: فريد طعم الله
15 May 2008 مصنف في: فريد طعم اللهانهمك صديقي التايلاندي طوال الرحلة التي استغرقت تسع ساعات، في تعداد ووصف الأماكن السياحية التي يمكن زيارتها في بانكوك، وأعطاني ملخصا مفيدا حول تاريخ وعادات شعب تايلاند الذي وصفه بأنه طيب جدا ومتسامح ولا يدخر جهدا في مساعدة الغرباء رغم فقره الشديد.
صديقي عبد الله شاب تايلاندي مسلم في منتصف العشرينيات قابلته في مطار عمان، يقيم في الأردن بغرض دراسة اللغة العربية، وشاءت الأقدار أن يجلس بجانبي طوال الرحلة الطويلة من عمان إلى بانكوك، حيث كان في شوق شديد للوصول إلى مطار بانكوك حيث صديقته التي لم يراها منذ سنة بانتظاره.
بدت تايلاند من شباك الطائرة غابة كبيرة وخضراء تكسوها الاشجار والنباتات الاستوائية ويتخللها البحر و الغابات الاسمنتية المتناثرة هنا وهناك على طول سواحل تايلند. كنت انظر باهتمام بالغ من شباك الطائرة بينما كانت تخالجني مشاعر متناقضة من السعادة والقلق في آن واحد، كوني سأزور بلد غريب وبعيد جدا ولا أعرف عنه الكثير، ولكنها مغامرة محسوبة على كل حال فأنا لن أبقى في هذا البلد أكثر من ساعات محدودة ذلك أنها محطة ترانزيت في رحلتي إلى اليابان وهونغ كونغ اللتان لا تقلان غرابة بالنسبة لي عن هذا البلد.
حطت الطائرة في مطار سوفاري الحديث جدا وحركة الطائرات فيه وعلى مدرجاته الطويلة والمتعددة لا تهدأ، وهو مبني على أحدث طراز صمم ليستوعب الحركة المكتظة للطائرات والمسافرين في داخله، وهو يقع على بعد سفر ساعة خارج مدينة بانكوك التي تزحف باتجاهه بسرعة. وما ان وصلنا الى قاعة الاستقبال حتى استأذنني صديقي عبد الله بأنه سيفارقني كون صديقته بانتظاره، ودوّن لي رقم هاتفه على ورقة صغيرة ودعاني لمكالمته اذا استدعت الضرورة ذلك، لكنه لم ينس اعطائي الارشادات الأخيرة حول كيفية الوصول إلى وسط العاصمة بانكوك والأماكن التي يتوجب زيارتها.
ما أن خرجت من مبنى المطار حتى لفت انتباهي لأول وهلة طبيعة الطقس الغائم و المشبع بالرطوبة لدرجة تجعلك تشعر بالحر الشديد لدرجة الاختناق، والهواء الممزوج برائحة المطر في عز شهر تموز، فشعرت بالامتعاض الشديد واعتبرتها بداية غير موفقة لمغامرتي القصيرة.
ركبت التاكسي الذي أقلني من المطار لأفاجأ بأن السيارات ونظام السير لديهم يسير حسب النظام البريطاني فالسائق يكون على جهة اليمين، وذلك أدى الى شعوري بالغربة والخوف وأنا أركب السيارة و أرى كل حركة السير تسير بالمقلوب عكس ما دأبت عليه العادة لدينا و في معظم دول العالم التي زرتها من قبل.
وما أن انطلقت المركبة حتى بدأت أرى الطبيعة الساحرة للبلد السياحي بامتياز والخضرة والغابات المنتشرة على الطريق، تبعتها غابات حجرية بدأت تتراءى لي من بعيد، فها هي مدينة بانكوك تطل علي ببناياتها الشاهقة وشوارعها المزدحمة جدا وحركة السير بطيئة فيها رغم اتساعها وضخامتها.
كرونج تيب:مدينة الملائكة
لم يخطر ببالي وأنا أدخل مكرها إلى بانكوك هذه المدينة الفقيرة التي سأزورها لساعات قليلة، ستكون من أهم المحطات التي تسترعي انتباهي وتثير في الدهشة لهذا الحد، فالمدينة الضخمة التي يتجاوز عدد سكانها عشرة ملايين نسمة، تبهرك بمبانيها الحديثة وعماراتها التي تضاهي مدن أوروبا الحديثة ويكون انطباعك الأول بأنها مدينة عصرية بنيت وفق أحدث المخططات لتكون عظيمة و متميزة رغم فقر سكانها الذين يمتازون بالطيبة واحترامهم الشديد للسائح، حيث لا تفارق البسمة وجوههم، إضافة إلى أنها رخيصة جدا بمعنى أن تكاليف الإقامة والتسوق والخدمات فيها اقل بكثير مما تتوقع.
بانكوك هي عاصمة تايلاند وهي أكبر مدن تايلاند وأحدثها. ويسميها شعب تايلاند: كرونج تيب، وتعني: "مدينة الملائكة". وتقع في جنوب غرب مملكة تايلاند او سيام كما كانت تسمى قبل العام 1949. وتمتد على نهر تشاو برايا، حيث تعتبر المدينة الميناء الرئيسي لتايلاند إضافة إلى كونها المركز الصناعي والسوق الرئيسي في المملكة. ويدين معظم سكان بانكوك كما تايلاند بالبوذية التي تشكل 90% من سكان البلاد، وفيها أقليات أخرى من المسلمين والمسيحيين.
على الرغم من كونها أسرع مدينة نموا في جنوب شرق آسيا، الا أن بانكوك تعاني مشاكل اجتماعية و اقتصادية خصوصا في البنية التحتية نتيجة النمو السكاني الهائل المستمر باضطراد وهجرة السكان من الريف و المناطق النائية اليها، كما لا يخفى على المتجول في شوارع المدينة ملاحظة نسبة التلوث العالية في هوائها وبيئتها.
ليلة ملكية واحدة في بانكوك:
ما أن تصل بانكوك حتى ينتابك الشعور بأنك ملك غير متوج بفضل حرارة اللقاء والدلال الزائد الذي تتلقاه من سائقي و تجار و مواطني المدينة. فالجميع يبتسم في وجهك ويقول لك (ساودي) يوم سعيد ويدعوك للشراء من محله التجاري، وبطريقة محترمة جدا تعكس رفعة ذوق سكانها الطيبين.
وصلنا الى مركز المدينة المزدهر و المزدحم، و سألني سائق التاكسي بكل لطف ان كنت أرغب بالتدليك الطبي على الطريقة التايلندية. ولا عجب في سؤال السائق اذا علمنا بان سياحة الاثارة تعتبر هدف السواح الرئيسي من زيارة تايلاند وبانكوك تحديدا اضافة الى جزيرة بتايا القريبة و جزيرة فوكيت الساحرة.
أما أنا والذي قصدت مدينة بانكوك كمحطة استراحة في رحلة سفري الطويلة، وأنوي الاقامة فيها ليلة واحدة فقد تجولت في أسواق المدينة و أنا أحمل حقيبة صغيرة كانت على الدوام تثير فضول الجميع وتفتح شهيتهم لاقناعي كسائح للشراء أو الدخول إلى المحل التجاري، أو إلى محلات التدليك المنتشرة بشكل كبير جدا على طول الطريق، فتجدهم جميعا يؤدون التحية ويحنون رؤوسهم احتراما ويدعونني للدخول لرؤية وشراء بضاعتهم.
شهرة تايلاند في "المساج" تفوق شهرتها في أي شيء آخر، فعلى الرغم من أن التدليك هو ألأسلوب التايلاندي التقليدي للعلاج الطبيعي ويعتبر علاجا للصداع النصفي والضغط العصبي والحمى، الا أن بيوت التدليك " المساج" أصبحت تعرف كأحد اشكال الدعارة التي تشتهر بها المدينة، وهي موجودة في كل مكان وبكثافة عالية جدا، حيث تُعرض الفتيات بأجسادهن الرشيقة في واجهات المحلات و كأنها مجسم العرض الخاصة بالأثواب ( المانيكان) و عندما تقرر الدخول الى أحد هذه المحلات، فلك أن تختار الفتاة التي ستقوم بعمل المساج والخدمات الأخرى لمدة ساعة كاملة مقابل مبلغ زهيد لا يتعدى 4 دولارات، وربما أقل من ذلك اذا كنت قادرا على المساومة.
وجودي في بانكوك لليلة واحدة ذكرني بالأغنية الشهيرة لمغني البوب البريطاني موراي هيد "one night in Bangkok" والتي ذاعت شهرتها في ثمانينيات القرن المنصرم، والتي يصف فيها المعالم السياحية وحياة الليل في بانكوك، والتي هي بالفعل ممتعة وجميلة ولا تنسى.
القصر العظيم:
انشأت مدينة بانكوك بواسطة الملك راما الاول عام 1782 وهو اول ملوك السلالة الملكية الحالية لتكون عاصمة سيام بعد ان كانت مدينة ايوثايا هي العاصمة لمدة 417 سنة، و بنى القصر العظيم(Grand Palace) في نفس العام وهو من أهم المعالم التاريخية التي ينبغي عليك مشاهدتها خلال جولتك في المدينة حيث يتكون القصر من العديد من المباني المنفصلة و أهمها قاعة العرش الملكي المزينة والمزخرفة بطريقة تثير الاندهاش. وفي هذا القصر تدور أحداث قصة آنا و الملك التي تحولت الى فيلم شهير مثلت فيه جودي فوستر شخصية آنا المعلمة الانجليزية التي تعمل مع ملك البلاد راما الثالث على حماية وتطوير مملكة وشعب سيام العريق والمهدد.
أثناء تجوالي بالمدينة رأيت العديد من السائحين العرب والذين يقصدون بانكوك لأهداف مختلفة، وأعدادهم تتزايد باستمرار نظرا لجمال الطبيعة وتدني الأسعار. وقد استوقفني مشهد غريب جدا ومتناقض لسائح خليجي يرتدي سروالا قصيرا ( شورت) وفانيلة بيضاء بدون أكمام وقبعة، ويسير برفقة زوجته المرتدية خمارا أسودا و قفازات سوداء وعباءة طويلة تخفي كامل جسمها، وفكرت أن هذا بالضبط هو حال الرجل العربي الذي لا ضير لديه في أن يلبس ملابس الغرب ويتشبه بهم و يسعى لحريته بينما يمنع زوجته او ابنته من تنفس الهواء والتمتع برؤية الطبيعة خوفا من أعين الناس.
السياحة في تايلاند لا تقتصر على الاستمتاع بالشواطئ الجميلة والملاهي الليلية، بل تنوعت لتجتذب العائلات بشتى طبقاتها، فأصبح في هذا البلد ما يسمى بالسياحة الصحية التي توفرها مشافي على مستوى عال من الخبرة والمهارة والعالمية. ومنتجعات تضاهي منتجعات أوروبا، وهناك سياحة لرجال الأعمال، وسياحة للراغبين بالتعايش مع الطبيعة بعيداً عن ضوضاء المدن، وسياحات أخرى تلبي رغبات جميع الأذواق.
وليس أدل على ما تمثله بانكوك من مركز عالمي للسياحة أكثر من حقيقة أن غالبية المحلات التجارية تعلن عن خدماتها بلغات عدة منها اللغة العربية دلالة على حجم و أهمية السياحة العربية هناك.
أينما تتوجه في المدينة، تجد المأكولات البحرية اللذيذة ولكني لم أجرؤ على أكلها كونها تشوى وتطبخ وتعرض في السوق المفتوح وتحت أشعة الشمس، كما أن الروائح الغريبة المنتشرة في الاسواق جعلتني أنفر من فكرة تناول الطعام، خصوصا عندما ترى أنواع غريبة من الحشرات المطبوخة او المشوية تعرض على المتسوقين في أطباق جاهزة.
بانكوك وحلم العودة:
أثار اعجابي في بانكوك مدى انفتاح و تسامح سكانها، وطيبتهم الكبيرة وترحيبهم بالضيف فهم شعب فقير ولكنه عصري ويتطلع للتقدم والانفتاح. المدينة حديثة و قديمة، غنية وفقيرة تمثل الماضي والحاضر والمستقبل في نفس الوقت، فالمتجول في أرجاءها، يرى التطور والتقدم والغنى الفاحش، وفي نفس الوقت يرى الأسواق الشعبية والمتاحف والفقر المنتشر في كل زاوية، وكل هذا التنوع يمتزج في لوحة رائعة من الانسجام والتسامح الاجتماعي والديني والثقافي القادر على قبول الآخر لا بل والتعامل مع مختلف أنواع و أهواء و رغبات السائحين من مختلف دول العالم.
ليلة قصيرة قضيتها في بانكوك كانت كافية لتثير في كل مشاعر الإعجاب و التعجب فقررت زيارتها مرة أخرى لاحقا لأقيم فيها وقت أطول لأتجول في شوارعها و أستمتع بجمال الطبيعة وحسن المعشر وبساطة الناس وزهد الأسعار.
عدت إلى المطار مع أول شعاع النهار الجديد لاستكمل رحلتي إلى بلاد مشرق الشمس، متعبا و لكن معجبا جدا بهذه المدينة وسكانها، وفكرت لو أن كل الشعوب عاشت بهذه الطريقة وابتعدت عن العنف والكراهية، بالتأكيد سيكون عالمنا أفضل و أكثر إشراقا كما هو حال المستقبل الذي ينتظر بانكوك وشعبها الرائع.


Comments»
لقد أرسلت تعليقي على هذه المقالة الرائعة والتي شدتني من عنوانها … فيكيف بي حين قرأت المقال بأكلمه … وقد لفت انتباهي جمال السر د والوصف ودقة المعلومات والتي كانت فقط من خلال ليلة واحدة للزيارة وعدت غير مستغربة … لآن روعة الوصف جاءت نابعة من حب تلك البلد … المهم لقد أرسلت تعليقاً قبل هذا أعتقد أنه يليق بهذه المقالة وصدق الإحساس فيها ولكن للأسف أكتشفت أنها لم تُرسل لخطأ في كتابة الأرقام في أعلى الصفحة وضاعت كلماتي أدراج الإنترنت … المهم أتمنى من هذه الكلمات أن لا تضيع هباءً منثوراً مرة ثانية …
أخيراً دلني الماوس على هذا الموقع خلال بحثي عن موقع لليابان يزيد من معلوماتي عن هذا البلد الرائع وعن مثلٍ ياباني شدني البارحة عن أهمية أي شخص نتعرف عليه … وسررت جداً بمعلومة أخرى وهي زيارتك لهذا البلد وأنا أثق تماماً أنه سيحوي سرداً رائعاً وتفصيلياً يبعد كل البعد عن الملل بل سيزيد شغفي بقراءة المزيد …
لا يسعني إلا أن أقول أن الكاتب فريد طعم اللة يملك من جمال السرد والوصف ما يشدك لقراءة النص من العنوان حتى آخر نقطة في سطر مقالته.
أتمنى أن لا تضيع كلماتي هذه المرة
Mirvat
Thu 29.05.2008
أشكرك جدا عزيزتي ميرفت على كلماتك الطيبة تجاهي وتجاه كتاباتي.
في الحقيقة، لقد أعجبت جدا بشعب تايلند، وأتمنى أن تزوريه انت أيضا لتلتقي بشعب فقير وطيب وغني بالقيم.
اما بالنسبة للتعليقات، فقد تحدثت مع الزميل بسام محرر الموقع ووعد بحل هذه المشكلة سريعا.
شكرا لك وخليكي معنا دائما.
فريد