jump to navigation

“كلوس أَب” فلسطيني من أميركا وأوروبا….بقلم: عبد الباسط خلف

13 May 2008 مصنف في: عبد الباسط خلف, غير مصنف

 لقطة مهجرية:
فلسطينيو "جرينزبورو" حكاية بمذاق آخر
 لا زالت ذاكرة عيسى أبو زعيتير، تختزن التفاصيل الصغيرة لقصة هجرة صاحبها إلى الولايات المتحدة الأمريكية. فذات صيف من العام 1972، قدم لغزة د. فوريت، الذي كان يعمل في إتحاد الكنائس العالمي، في تأليف كتاب يتحدث عن فلسطين، حمل اسم"البلاد غير المقدسة". وكان نصيب عيسى الشاب ابن الثانية عشرة، أن ورد ذكره في الصفحة الثالثة من الكتاب، أنه أشقر الشعر. ولاجئ و نموذج للشباب الفلسطيني، جسده يشبه لاعبي كرة القدم الأمريكية.
 أرسل فوريت برسالة لإتحاد الكنائس العالمي، وكان الأخير تعرف للمحامي بالتو مارين لان، الذي انطوى في إطار الدعاية الصهيونية، وعاش في القرى التعاونية اليهودية" الكيبوتس"، وصار بالتدريج يسأل نفسه عن حال الفلسطينيين اللاجئين، وصورة محتليهم.
  بعد فترة، قرأ مسؤولون في الإتحاد قصة الشاب عيسى، وأرسلوا له برسالة تؤهله للوصول إلى الولايات المتحدة، ليبدأ حياته الأكاديمية كما كان يحلم.
 لكن والده أصر على إخفاء الرسالة، حرصاً عليه، و كي يظل بجانبه، فالغربة لها استحقاقاتها.
  بدأت رحلة أبو زعيتير من معسكر جباليا للولايات المتحدة يوم الجمعة  في الخامس والعشرين من أيار 1972، وصل لمطار جون كنيدي في نيويورك، واستقبله مسؤول رفيع في الصليب الأحمر، واسمه بالتي مور، وبدأ يبحث عن العجوز إيمت وايت، الذي تعهد بمساعدته بعد أن قرأ قصته، من غير أن يعرفه.
  ويحفظ عن ظهر قلب أنه من قرية اسمها"عراق سويدان" جنوب فلسطين المنكوبة العام 1948.
 استهل أبو زعيتير مشواره بعد أن وصل" جرينزبورو" ففي ولاية نورث كرولاينا، بالدراسة لمدة عام في إحدى المعاهد، وصار يعمل أيضاً في شركة نسيج، وتحول  لاحقاً لامتهان  فن ميكانيك السيارات في إحدى المعاهد.
  فقد عيسى مواطنته في غزه، وتعرف لإمرأة أمريكية، وحصلت على الجنسية في العام 1981، وبعد تخرجه من الدراسة، بدأ يعمل في عدة شركات،و دخل في شراكة مع مواطن أمريكي ومع فلسطيني مغترب قدم من رام الله.
 في أوراقه، الكثير من الذكريات التي لا تكاد تفارقه، إذ ظل يحتفظ بحقيبة سفره السوداء، استعدادا للرحيل إلى  وطنه في أية لحظة.
 وفي محطات حياته الطلابية إشارات عديدة، تتحدث كلها عن النشاطات التي عكف ورفاقه على تنظيمها دعماً لحق العودة، وكان هو و سلام كركر البجالي، وفيكتور اللداوي وحات الحسن وغيرهم، يسافرون إلى واشنطن للتظاهر مع أبناء الجالية.
 يسترد زعيتير أو الذي أصبح لاحقاً، أبو يوسف، الكثير من التفاصيل حول بدايات الجاليات العربية والمسلمة، ففي بلدة كجرينزبورو، كان عدد العرب لا يتعدى أصابع اليد قبل عشرين سنة، لكنهم تضاعفوا كثيراً.
  كنوع من ممارسة الحنين لوطنة البعيد،  قرر أبو زعيتير تشييد منزله وفق طراز شرقي، وصار يزرع في حديقة المنزل أصناف الثمار من طراز: الملوخية، وورق العنب، والباذنجان، وراح يوزع الفائض على الجيران.
 أسس أبو يوسف أو " المختار" كما يسمونه، تجارة ومطاعم ومحطات وقود وفرن بطراز شرقي، وتزوج من مواطنة أمريكية، وله ولدين يوسف الذي كاد السرطان يفتك به لولا لطف الله ومحمد الذي يعرف القليل من العربية، ويحرص على زيارة غزة بين الفينة والفينة.
  في ركن آخر من المدينة، نلتقي بكمال زمامري، صديق أبو زعيتير، الذي لم يزر القدس، مدينته التي ولد فيها، منذ العام 1963، يوم كان في الخامسة من عمره ، ونشأ طفولته المبكرة في باب الزاهرة0
  ليس بعيداً عن بحيرة "مايفت" المحاطة بأشجار خلابة، أسس رياض صوافطة وثلاثة من رفاقه الفلسطينيين، شركة تعنى بعلم الجزيئات متناهية الصغر، وشرعوا في إجراء تجارب وأبحاث لأغراض طبية وعلمية مبتكرة، تستند على " النانو تكنولوجي"، الذي يجمع بين الفيزياء والكيمياء والهندسة.
  أطلق صوافطة ورفاقة أسم" كواركس" وهو أصغر جزء في الطبيعة يمكن قياسه، قبل ثلاث سنوات، لتكون واحدة من ست شركات في العالم تعنى بهذا الجانب بالغ الأهمية والتعقيد.
 أنتج الأربعة 28 مادة ذات خصائص مهمة تستخدم في العلاج، ومن بينها مادة تنتج لأول مرة واسمها" إيدلتي فور"، التي بوسعها التحكم في خصائص مغنطة المادة، ومن ثم تدخل في استخدامات طبية معقدة.
 راح صوافطة ومشاركوه ينتجون موادا مطورة، وصار بمقدورهم تقليص المدة الزمنية للمواد التي تحتاج لاختبارات من 48 ساعة إلى 17 دقيقة فقط.وأصبحت السرعة والتكلفة الأقل والدقة مواصفات توفرها الشركة.
  كان صوافطة المسؤول عن برنامج الطاقة اليابانية، وصار يطور الكثير من الأفكار العلمية سعياً وراء استخدام مفيد للفيزياء النووية.
 في ضيافة عيسى أبو زعيتير وزوجته، بمطعم " ماهيس" المتخصص في وجبات السمك، نشرع في لقاء آخر فنحن الصحافيين القادمين من رام الله وجنين والقدس وغزة، نحاور  أعضاء جاليتنا الذين قدموا إلى كارولاينا الشمالية، لغير سبب.
 تختلط السياسة والحنين للوطن وأحاديث الانتخابات والإصلاح والطفولة والبيئة والزيتون في " كوكتيل" لذيذ.
 فمسعود عورتاني القادم من عنبتا، يذكر بشكل جيدا عشقه بالأراضي الممتدة لبلدته، ويمارس حنياً عالياً لها، ما دفعه لطلب عبوات من زيت الأشجار التي زرعها والده، قبل عشرات السنوات  عبر البريد السريع.
  بينما لا تخفي هنادي الشخشير، القادمة من نابلس خوفها من العادات و التقاليد الأمريكية التي أصبحت تتسلل إلى ثقافة بناتها وأولادها، ما دفع أفراد الجالية لتنظيم سلسلة فعاليات اجتماعية لدمج الأجيال و التفكير بصداقة من نوع خاص.
 وترى إيمان عياد، التي قدمت إلى المدينة قبل 16 سنة من بلدتها أبو ديس، أن الجاليات العربية في المدن الأمريكية الكبيرة  يتعرضون للتهميش.
 يقول أحمد ذيب الذي رأى النور في قرية حجة، التي تنازعت غير مدينة فلسطينية على ضمها لها، إن الأجيال الحالية من أبناء الجالية ذات طريقة تفكير مغايرة عن الذين  قدموا بتقاليد ولغة وتراث مختلف من وطنهم.
  يبدي عبد الله أبو هاشم حنيناَ إلى بلدته دورا، ويتحدث عن رحلة مع الولايات المتحدة، تماماً كما فعل سامر زيتاوي.
   في ركن آخر، راحت حرارة حديث عبد الرحيم الناطور، ترتفع، وهو يسترد ذكرياته في قرية قلنسوة بالمثلث المحتل عام النكبة.
 بجاور الناطور،  جلس المهندس الشاب حسام حلمي ، المصري الأصل و العاشق لفلسطين، فهو لا يتحدث إلا بلهجة فلسطينية ويتمنى أن يزور الأراضي المحتلة، ويطلق عليه رفاقه" حسام الفلسطيني"   .
  نعرف أن في هذه المدينة  22 ألف مواطن،  ينتشرون فوق 365 كيلو متر وتبلغ موازنة سلطتهم المحلية  2 مليار دولار.
 نودع جرينزبور، وتسرق آذاننا أغان شرقية تحفز "علوش" للاستيقاظ من سباته، وتقتحم عيوننا جبال وسهول وأشجار وأنهار وطرق سريعة، وتعيش في ذاكرتنا لحظات بلا حواجز….
 

Pages: 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25

Comments»

لاتوجد تعليقات - كن أول من يعلق .

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security text shown in the picture. Click here to regenerate some new text.
Click to hear an audio file of the anti-spam word