jump to navigation

“كلوس أَب” فلسطيني من أميركا وأوروبا….بقلم: عبد الباسط خلف

13 May 2008 مصنف في: عبد الباسط خلف, غير مصنف

 
لقطة مكلومة:
أحاديث عن النكسة في شارع "أستوريا"
 ذات نهار من شتاء نيويورك، رحنا نفتش عن الشارع العربي الشهير في قلب جزيرة "كوينز"، كان بوسعنا التكهن بأن الهدف الذي نقصد هو الذي قادنا إليه السائق القادم من باكستان، والذي يعرف قليلاً من الكلمات العربية التي ألف بعضها منن عمله في هذا المكان.
  بدا شارع"أستوريا" كبقعة من أرض عربية، للوهلة الأولى تسرقك عدة يافطات خطت بلغة  عربية، لتخبر الزائر أنه في مكان مختلف من نيويورك الإنجليزية.
  نرى في الحيز الأول مطاعم ومقاه تحمل أسماء لبنانية من طائفة الروشة، وبعلبك، وليالي لبنان.
  وفي ركن ثان، نشعر وكأن القاهرة نقلت إلى هنا، فليالي الحلمية والسكرية وليالي الشرق وكوكبها، تنبئ أنك الآن في ضيافة أطباق عربية كالكوشري، والفطير المشلتت والطعمية وما يندرج في إطارها.
  في مقاطع  ثانية من الشارع الرئيس، ثمة يافطة  تحمل نكهة فلسطينية، وتروج لكنافة نابلسية بات تذوقها في مهدها كالحلم، لأن نابلس كسجن كبير.
 وعلى الناحية الأخرى، يمزج التونسيون والمغاربة والأتراك والسوريون بين نكهات بلادهم البعيدة، والمهجر الذي فتح لهم ذراعيه.
  ننحاز إلى مكان فلسطيني، مثلما نرتشف نكهات مصرية ولبنانية، ونستمع إلى وحيد حرارة، الشاب الفلسطيني الذي لا يعرف عن غزة، مسقط رأسه سوى الاسم، إذا أجبرته النكسة على الرحيل إلى الأردن، فالولايات المتحدة الأمريكية، حيث بدأ دراسته واغترابه وتجارته، ويشعر بأن جزءا من جسده اقتطع منه، فبعض ذكريات الطفولة لا يمكن التآمر عليها أو نسيانها.
  يقول حرارة: هنا في هذه البلاد، نعيش ونعمل ،ولكن الحنين إلى وطننا لا ينتهي، ومع ذلك فبوسعنا الاختيار والتصويت والعمل، لكننا لا نبالي كثيرا بالسياسة، تماماً كعزوف طائفة من الأمريكيين الأصليين والمجنسين عن السياسة.
  يجسد محمود أسعد، الفلسطيني الذي ذاقت عائلته مر النكبة والنكسة معاً، فوالده عاش في بيت محسير القريبة من القدس، قبل أن تدمر ويجبر على الرحيل عنها، وحينما أطلت النكسة برأسها كان على العائلة الرحيل ثانية إلى الأردن من البيرة، حيث لجأت.
  بعد النكبة بعام، رأى أسعد النور في عمان، وأحتار العائلة الرحيل للبيرة ثانية، لكن ذلك القرار تبدل في صيف النكسة عندما أختلط الخوف بالشائعات، وهاجرت العائلة إلى عمان ثانية.
  يحتفظ أسعد بالكثير عن طفولته في رام الله إذا خرج من المدرسة وبدأ يعمل نجاراً في شارع سينما الجميل.
 يتذكر في كوينز، وفي  قلب متجر للأثاث عشرات المقاطع التي  تستعصي على مغادرة ذاكرته، وكلها تتفرع مما سمعه وقرأه عن قريته بيت محسير التي كانت تشرف على إمدادات المياه والتموين  الموصلة لهداسا.
 كان أسعد شاهد عيان على حرب الأيام الستة، ولا زالت يحفظ عن ظهر قلب، عشرات المشاهد  عن تمركز الجيش الأردني، والقذائف و احتلال المدينة المقدسة فأجبرت العائلة على الرحيل عن البيرة يوم السادس من حزيران العام 1967.
 يسرد مقتطفات من رحلة الوجع: كان عيسى الحاج محسيري سميناً، ولا يقوى على المشي، وكان يلح علينا أن نبقى في جواره، ولا نبتعد عنه وكانت ترافقنا عشرات الأسر وأطفالها، وتكفلت في مهمة توفير الحليب لهم خلال رحيلنا من بعض البدو.
  في " خريطة طريق" أسعد التي لا ينساها رغم عيشه وراء المحيط الكثير من التفاصيل الصغيرة، بدءا من الرحيل عن مدينة البيرة  ، مرورا بالمبيت في عين يبرود و دير جرير، فعين العوجا والديوك.
 كان أسعد حينها شاباً في مقتبل العمر، وهذا حتم عليه أن يساعد الأطفال و الشيوخ على اجتياز المنحدرات الجبلية في مشارف غور الأردن، ولم  تسعفه إصابة العمل في منجرته التي طالت يده في التخلص من هذه المهمة.
 استمر المسير إلى أن وصلوا إلى مخيم الكرامة، وبدأت رحلة المعاناة، فلم يكن في حوزتنا سوى ملابسنا، واحتفظنا بمفاتيح بيوتنا تماماً كمال فعل أبي في عام النكبة.
  يروي من نيويورك: أمضينا في مخيم الكرامة مدة أسبوع، واستأجرنا منزلاً في جبل التاج.
 وفشلت محاولات العم عبد الرازق الذي كان يدير مخيم الأمعري من العودة لرام الله من جديد، فأختار أسعد الرحيل إلى الولايات المتحدة العام 1975، وأستمر الحنين يتصاعد في أحشائه بالعودة التي لم تتحقق إلا كزائر مؤقت بجواز سفر أمريكي.
  زار أسعد مقر الأمم المتحدة مرتين، وفي أعماقه أمنية أن تسعى هذه المنظمة الدولية لتطبيق قرارات الشرعية الدولية التي تعيد الحق المسلوب لأصحابه، وليتمكن من مشاهده أطلال بيت والديه في بيت محسير بحرية.
  تبدي الطائفة الثانية من أبنائه وأحفاده الحنين ذاته، مثلما يتذكرون كيف توفيت والدتهم  ودفنت  بعيداً عن ثرى بلدها وأهلها، بعد مطاردة ساخنة مع مرض عضال تخللتها أماني العودة لرام الله وبيت محسير لكنها لم تتحقق.
 

Pages: 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25

Comments»

لاتوجد تعليقات - كن أول من يعلق .

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security text shown in the picture. Click here to regenerate some new text.
Click to hear an audio file of the anti-spam word