“كلوس أَب” فلسطيني من أميركا وأوروبا….بقلم: عبد الباسط خلف
13 May 2008 مصنف في: عبد الباسط خلف, غير مصنف لقطة أممية:
"برلمان العالم" بعيون منزوعة الحرية….
قادتنا خطواتنا إلى الأمم المتحدة، يعد ساعات من وصولنا لنيويورك، لم نعرف ونحن في فندق "الواي أم سي إي"، في شارع 45 أننا في جوار المنظمة الدولية التي بدأت علاقتنا بها منذ نكبتنا..
هنا بدأ كل واحد منا يستذكر الصورة التي تستقر في مخيلته الطفولية عن الأمم المتحدة، وبالطبع فإن الغلبة كانت لمشهد الشاحنات الزرقاء التي توزع الدقيق والأرز والحليب والصويا على اللاجئين أو تسعى لتوفير الملابس لهم، في "بقج" مختلفة المقاسات والألوان ومستهلكة، جادت بها شعوب من الأرض.
شرعنا في الاقتراب لمبنى المنظمة الدولية التي أسرفنا في مشاهدته عبر الشاشة الصغيرة، وعلى صفحات الجرائد، وليد اللوح القادم من غزة مثلاً تخيل أن يكون المكان الذي نشد الرحال إليه، أكثر ارتفاعا عما كان يشاهده في التلفاز، وآخرون تصورا أن يكون الدخول إليه أكثر سهولة، وأخريات كانت توقعاتهن بأن تكون المنظمة الدولية أكثر تعقيداً.
تملكنا الذهول مثلاً، ونحن نشاهد أن في هذا المنى الضخم، بطبقاته الـ39، وزجاجه وهيئته المستطيله، أسواقاً لبيع الملابس والكتب والمجلات، وسلسلة كبيرة من المطاعم الفخمة بمئات النكهات.
تزامنت لحظة وصولنا لمنهاتن يوم الرابع والعشرين من تشرين الأول، مع الذكرى التاسعة والخمسين لتأسيس المنظمة الدولية.
نحاول العودة للوراء، ونسأل مرافقتنا الفرنسية عن إجراءات الدخول والخروج من هذا المبنى الضخم.
ونحن في المكتب المتخصص بمنح بطاقات الدخول للمقر، نتذكر أن 51 دولة أقرت العام 1945 في مدينة سان فرانسيسكو أطلقت منظمة تعنى بصون السلام في العالم على ركيزة التعاون الدولي والأمن الاجتماعي.
في المكتب الصحافي هذا، راحت جنسيات الأرض تمتزج معاً وكفلسطينيين قدموا كلهم لأول مرة إلى هنا، كان بوسعنا تحديد هوية رفاقنا في المهنة من خلال لون البشرة وملامح الوجه ومرادفاتها .
تنازعت عدة لوحات قادمة من أفريقيا السمراء على احتلال الواجهات، وكل العبارات الموسومة فوقه تروج لثقافة الأمن والوحدة والرخاء ومحاربة الفقر والمرض والتمييز يين الرجال والنساء.
كعادتنا، لم نجد بعد ممارسة الصمت. في طابور الانتظار، رحنا نحاور من يسبقنا و يتأخر عنا عن جنسيته، و نقدم لهم القليل مما نسمع أو نعرف عن أوطانهم الحرة والكبيرة.
تعرفنا في غضون دقيقة على ست جنسيات لم تكن لتتوفر لنا في أمكنة أخرى، وشاهدنا كوتو القادم من غينا الجديدة، و ساعدتنا اللفة التي تعتمر رأس أتال أنه قادم من شبه القارة الهندية. وتحدثنا في أخبار أولى بلغة إنجليزية مع جنسيات "فرانكوفونية" وألمانية .
في هذا المكان أيضاً، تعرفنا إلى السكرتير الثاني في البعثة المصرية للجمعية العامة، محمد أبو زيد.
تحدثنا معه على عجالة عن شؤون بلدنا، وفحصنا إمكانية مساعدة رفاقنا القادمين من غزة، على اجتياز الأراضي المصرية دون" ترحيل".
ننجز مهمتنا بسرعة، ونستلم بطاقات خضراء، ستسمح لنا بدخول المنظمة الدولية، ليس بصفة زائر، ما يعني المزيد من التسهيلات.
نعلق: حتى هنا توجد حواجز، ومعابر، وفحص أمني، وخلع للمعاطف، وذكرتنا لاحقاً صور الفنان الفلسطيني شريف واكد في معرض يوم التضامن مع قضيتنا بسياسة"الكشف عن الصدور والبطون" كشرط لعبور للحواجز الإسرائيلية.
في المرة الأولى، دهشنا من المجسم الضخم لصورة المسدس المحكوم عليه بالإعدام الذي يرقد في مدخل الزوار، وتمنينا أن يكون حال أدوات القتل في بلدنا مماثلاً.
بعدها صرنا نألف المكان شيئاً فشيئاً، وراحت علامات الاندهاش تتطاير بالتدريج.
في الجولة الميدانية التي نستكشف فيها المنظمة من الداخل نتعرف إلى الأجزاء الستة التي تشكل المنظمة الدولية، وخمس منها هنا في نيويورك.
ندخل الجمعية العامة، ومجلس الأمن الدولي، والسكرتاريا، ونتعرف إلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي، ومجلس الوصاية. ولا نمنح فرصة دخول الهيئة السادسة في لاهاي بالأرض الهولندية المنخفضة، وهي محكمة العدل الدولية التي صارت ترافق مناقشاتنا عبر الرأي الاستشاري الذي أصدرته لصالح عدالة قضيتنا في قضية سور الفصل العنصري الذي أقامته إسرائيل فوق أراضينا المحتلة.
يوما بعد يوم، صرنا على شرف البرنامج التدريبي للصحافيين الفلسطينيين، نجيد حفظ الأهداف الأربعة التي قامتها على أساسها المنظمة الدولية، "فالحفاظ على السلم والأمن الدوليين"، صيغة لا تنسى لأننا نفتقدها منذ دهر، و" تطوير علاقات الصداقة بين الدول"مسألة نحتاج إليها و تحتاجها قضيتنا، وكذا" تحقيق التعاون الدولي عبر حل المشكلات العالمية "، ولن يكون باستطاعتنا نسيان" التشجيع على احترام حقوق الإنسان" الغائبة عنا.
نتبادل أطراف الحديث، مع دليلنا الهندي، ونتوقف في قاعة الضيوف داخل مجلس الأمن الدولي، لنتحدث عن الحال الذي نعيشه في الأراضي المحتلة، ونتمنى أن لا تجابه مطالبنا بـ"فيتو" من أحد.
نختبر ذاكرتنا في التعرف للأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن، وعددهم عشرة.
نوفق في التعرف لثمان دول: نبدأ من الجارة الجزائر فحكايتها مع الشهداء لا تنسى، فالبرازيل ذات القهوة والرقص وكرة القدم، والفلبين التي ترتبط بأدمغتنا وفضيحة رئيسه الأسبق فردناند ماركوس، ورومانيا التي قدمت لنا نموذجا في الإطاحة برئيسها وإعدامه على الملأ، ونتوقف عند الأرجنتين والدنمارك واليونان واليابان، ولكل منهما حكايا من طراز حرب جزر " الفوكلاند"، والنسخة الثانية من الحرب الكونية واستخدام القنابل النووية لأول مرة في تاريخ البشرية ضد سكانها.
نعجز عن توفير بنين وتنزانيا، فهما على الأقل أكثر شهرة من ماكرونيزيا، الدولة الحليفة لإسرائيل.
نجادل الدليل، ونتحدث عن الخلل الذي يشير إليه كل فلسطيني، في هذا المجلس الذي يغلب عليه اللون الأزرق والسجاد الفاخر:المعايير المزدوجة وما يتفرع عنها.
ندرك أن هذه الهيئة الكبيرة، التي تقدم الدولة المضيفة لها 22 في المائة من موازنتها، ليس حكومة عالمية وإن كانت تحظى بلقب" برلمان العالم"، فهي لا تسن القوانين ولكنها تقدم إجراءات للتصدي للصراعات الدولية، ووضع سياسات حول المسائل التي تهم الإنسانية.
نمازح قلياً دليلنا، ونقول له دولة كالصين أو الهند لها الحق نفسه الذي تمتلكه جزر القمر أو ماكرونيزيا.
في ممرات المنظمة العملاقة، نكون علاقات وثيقة بحراس الأمن بدءا من الصيني الأصلع، وصاحب البشرة الصفراء الذي يحاول تعلم العربية، ومروراً بالروسية الشقراء، ووصولاً للمصري الوسيم أحمد، ونعرف رغم سحر أجنحة هدايا شعوب الأرض من سجاد وتحف ومجسمات وأدوات موسيقية، أن الأمم المتحدة تتولى 16 مهمة سلام في العالم، مع أكثر من ستين ألف عسكري و12 ألف مدني، يعرفون باسم" الخوذ" أو " القبعات الزرق" من حوالي مائة دولة، أما موازنتها فتقارب الثلاثة مليارات دولار.
من المكان، نستشف ونقرأ غير يافطة أو لوحة تعلمنا أن أكثر من ثلاثين منظمة تشكل جزءا من نظام الأمم المتحدة، وتهدف إلى إعلاء شأن حقوق الإنسان وحماية البيئة ومحاربة الأمراض ودعم التنمية والقضاء على الفقر.
في المدخل المخصص للزوار، يمكن مشاهدة صور لتسعة أمناء عامين تعاقبوا على رئاسة المنظمة، من بينهم عربي واحد هو بطرس بطرس غالي.
ويعلم من يتجول في الردهات الواسعة أن جائزة نوبل للسلام منحت ثمان مرات للمنظمة ولشخصياتها الرفيعة، تماماً مثلما نشاهد صورا تتحدث عن معاناة الشعوب بفعل الحرب والألم والمرض والفقر ومشتقاتها.
في اليوم الأخير، نلتقط صورة الوداع على مقربة من لوحة تشير على استحياء لقضيتنا، ونطير إلى جنيف…
Pages: 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25

Comments»
لاتوجد تعليقات - كن أول من يعلق .