“كلوس أَب” فلسطيني من أميركا وأوروبا….بقلم: عبد الباسط خلف
13 May 2008 مصنف في: عبد الباسط خلف, غير مصنفلقطة تجريبية( بروفا):
"التفاحة الكبيرة"بعيون فلسطينية
أخذت طائرة "الإيرباص" تجافي الأرض وتصادق السماء في رحلة الــ 1882 ميلا من عمان إلى فرانكفورت هذه المسافة ليست بالكبيرة فهي في أسوأ الأحوال أقل من المدة التي يحتاجها أي شاب أو امرأة أو عجوز من مدن شمال الضفة إلى رام الله، أو من غزة لجارتها رفح.
قليلا قليلا، اكتمل عقد المغادرين، كان بوسعنا تحديد جنسيات جيراننا المؤقتين دون الحاجة لاستخدام اللغة و التخاطب، فجين فو القريب من مقعدنا صيني يدرس الرياضيات في تورنتو، يعرف القليل عن فلسطين وقوانين صراعها مع الاحتلال لكنه في الوقت نفسه يقدم وجهة نظر مختلفة للحديث عن "الجندر" في بلاده العظيمة سكانا وجغرافية فيقول إنهم يحرمون الأمهات من الاستمتاع بأمومتهم عبر تحديد النسل لاعتبارات كثيرة.
تقارن حالة أمهاتنا الفلسطينيات اللواتي يمنعهن الاحتلال من ممارسة حياتهن عبر تحجيم عدد أفراد الأسرة بالرصاص و وقضبان الحديد.
في السماء لا يغيب الحديث عن الأرض و شؤونها و شجونها، فجيراننا بالناحية الشمالية من الطائرة يتحدثون عن جدار الفصل العنصري وذكرياتهم في جبل أبو غنيم، فيما ينشط زميلنا علي صوافطة في إقناع جليسه الطارئ بعدالة قضيتنا ويسمعه شيئا عن غزة ورام الله.
حتى في الأجواء سيتذكر المغادرون المستعمرات الإسرائيلية فأضواء عمان والقاهرة ونظيراتها تقودنا من علٍ لأضواء المستوطنات الظلماء.
نصل فرانكفورت في الصباح، وتتأخر المدينة في وضع نهاية لنومها الهانئ، نبحث عن شيء من حوار لتجاوز بضع ساعات من انتظار، نفتح حديثا مع الكوافير البرازيلي الذي شد الرحال إلى لندن، فيسرنا أنه يعرف شيئا عن فلسطين وصراعها وعذابها، مثلما يتحدثون عن وانغاري ميتاي ، المرأة التي نالت النسخة الأخيرة من جوائز نوبل للسلام لحرصها وشغفها ببيئة قارتها السمراء.
نلتقط بعد اكتملت مجموعتنا الأولى القادمة من الوطن عبر عمان إلى هنا، صحفاً ومجلات مستعينين بجارنا الألماني عن جريدة عملاقة تتعدى المائة والخمسين صفحة وتضم عشرة أجزاء، لكن المرأة وشؤونها لا تقدم إلا سلعة لا تخلو من عريّ…
نصعد إلى الإيرباص الثانية في الطريق إلى نيويورك ونتذكر أن تسعتنا نحن المشاركين في برنامج تدريب للصحافيين الفلسطينيين التي تنظمها دائرة الإعلام في الأمم المتحدة نحتاج إلى خارطة طريق لجمع شتاتنا، فمها مطر وهيام حسان أكرهوا على السفر إلى القاهرة والمكوث فيها بنسب متفاوته فرارا من القيود والحواجز والمفاجآت، وعرفت هبة الطحان طريقها إلى نيويورك عبر مطار اللد، فيما تأخر سفر يوسف عطوة لأسبوع بعد أن استهلكته الحواجز ليصل القاهرة، وقدم المثنى القاضي من الصين حيث يعمل.
تسأل الهندي في رحلة نيويورك عن صراعنا مع الاحتلال فيخبرك بأن المسألة في فلسطين مجرد حرب أهلية أو "سفيل وار" .
في ارتفاعات السماء ذات الثلاثة آلاف وسبعمائة قدم عن الأرض والمحيط تطول الرحلة لثمان ساعات وخمس وعشرين دقيقة لكنها المدة نفسها التي احتاجتها الحاجة علياء حسين وولدها سامي ذات نهار للسفر من جنين إلى رام الله حيث مستشفى الرعاية العربية لإجراء فحوصات مخبريه غير متاحة في بلدهما.
نسترق قليلا السمع ونعثر على محطة عربية تجود بغناء شرقي في عنان السماء وينشط المغادرون في نوم مستقطع وحكايات متفاوتة عن حالهم واهتماماتهم.
تصلا مطار جون كندي الذي يذكرنا بالاغتيالات القذرة، فنمضي قليلا في التفتيش وإجراءات الأمن الكثيرة، ندرك أم أجزاء من نهارنا قد تبخر ونهبط مسرعين إلى قلب شارع رقم 45 في "منهاتن" بحثاً عن الراحة…
في يوم الدورة الأول يمنحنا نائب مديرها القادم من اليابان والعارف قليلا بالعربية هيرو ياكي، بطاقات دعوة لحضور حفل الأمم المتحدة لمناسبة عامها الخمسين نصل مقر الجمعية العمومية فتستقبلنا عروض الأوركسترا الكويتية الوطنية، وفرقة التلفزيون الكويتية نستمتع قليلا بالغناء الصامت القادم من الصحراء الثرية، لكننا لا نرى إلا أي يد خشنة مع أن المندوب الدائم لدولة الكويت نبيلة عبد الله الملة هي ذاتها الراعية للحفل إلى جانب السكرتير العام للمنظمة كوفي عنان.
هنا في نيويورك أو المدينة التي يطلق عليها سكانها لقب" التفاحة الكبيرة"لا يتحدثون عن "الجندر" والديمقراطية والجماعات المهمشة، فالنساء هنا يحظين بعدالة في التوظيف حتى أن جيش الأمم المتحدة الذي يقترب من الخمسة آلاف يعج بحواء، وتمارس هنا المرأة في الطوابق الـ39 وظائف قيادية وإشرافية، في الشوارع القريبة من المبنى تقود النساء الحافلات العامة، وتمضي بعضهن الكثير من الوقت في مداعبة كلابهن والترفيه، ولا يعني ذلك أن الشوارع تخلو من متسولات.
في الدروب الواسعة تنتشر شاشات عملاقة على عمارات شاهقة لبث الأخبار العاجلة، فتحتل أخبار الرئيس عرفات الصحية الواجهة وتتكاثر التحليلات في التلفزة الأمريكية، حتى أن محطة فوكس نيوز تقدم صورا غير بريئة وتعرض موسيقى حزن توحي وكأن الرئيس رحل عن الدنيا.
تستوقفك الفرنسية – الأمريكية مارسيل، المرأة التي تعمل في برنامج الإعلام، فهي كتلة من النشاط تعمل من التاسعة إلى الخامسة والنصف دون انقطاع ورغم ذلك فهي متزوجة وأم لطفلين أصغرهما لم يكمل الثامنة أشهر.
على مائدة الإفطار الرمضانية تنتشر الأحاديث الجانبية عن الوضع الصحي للرئيس الفلسطيني ويبدي التونسيون والسودانيون الذين التقيناهم خوفا على الرئيس ويتمنون سلامته قبل أيام من رحيله.
في بناية الأمم المتحدة الإنمائي حيث تلقينا شرحا عن اللاجئين ومعاناتهم يخبرونا بأن فرقة فلسطينية من الأشبال ستأتي يوم التضامن مع شعبنا نهار التاسع والعشرين من نوفمبر، نستعد لذلك ونمضي لأروقة الأمم المتحدة لاستكمال مناقشتنا السياسية والصحافية، ونرى حجم الصور الضئيلة التي تتعرض لنكبة شعبنا، كن الترتيبات تلغى بعد وفاة الرئيس عرفات …
Pages: 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25

Comments»
لاتوجد تعليقات - كن أول من يعلق .