“كلوس أَب” فلسطيني من أميركا وأوروبا….بقلم: عبد الباسط خلف
13 May 2008 مصنف في: عبد الباسط خلف, غير مصنف لقطة فرنسية:
يوم في حياة
مارسيال رونويرا…
قبل أن يشرق يوم منهاتن في أواخر الخريف الخجول ، تبدأ مارسيال رونويرا نهارها الذي لا يصل إلى خط النهاية بغياب الشمس.
مارسيال، المرأة الفرنسية التي تعمل منذ 12 سنة مساعدة لمدير برنامج حقوق الإنسان وتصفية الاستعمار والإعلام المنبثق عن منظمة الأمم المتحدة في مقرها الرئيس بنيويورك، دائمة الابتسامة وكتلة نشاط لا يعرف اليأس كلمة المرور إلى مخزونها الهائل من النشاط والفاعلية.
تبدأ يومها بتأمين وصول ولديها سام وجان إلى حضانتيها، وترعى والدتها التي أقعدها المرض قبل أن تواصل مسيرتها، فالأم مصابة بمرض عضال لا يعترف بهدنة وأن قلت، وهي في شوق كبير لولديها.
تصل شارع رقم 44 وجواره وتدخل إلى المقر الرئيس للأمم المتحدة، تحط في الطابق رقم تسعة والقسم المشار إليه برقم 439 لتستهل نهارها برعاية أزهارها بسرعة، القليل من السماد الكيماوي ورشفات من ماء.
تتفحص الجدول اليومي لرئيسها في العمل د. سليم فحماوي، فالتأكد من المواعيد الواجب الالتزام بها، ثم فحص البريد الإلكتروني،و توزيع برامج الدائرة على الأقسام المختلفة، فمتابعة النشرة اليومية لنشاطات الأمين لعام والجمعية العامة، يليه مواكبة كل ما يتصل بجديد برنامج تدريب الصحافيين الفلسطينيين الذي عاش العام الماضي لنسخه التاسعة، لتمضي في حديد الزيارات الواجب عليها أن ترافق أعضاء الوفد، ومتابعة الأمور الإدارية، واستمرار التنسيق للصحافيين الغائبين يوسف عطوة وألفت الحداد اللذين تأخرا عن البرنامج لأمور ذات صلة بحصار غزة ومعبر رفح وتأشيرة الدخول للولايات المتحدة،ثم تأمين أجهزة الحاسوب وتهيئتها كي يمارس عبرها الصحافيون الفلسطينيون عملهم، والتنسيق للبرامج القادمة والاعتيادية للقسم مع رفاقها الياباني هيرو ياكيو والبنغالي حسن والأمريكية إليزابيث والصينية أيضاً.
في مشهد دائم التكرار من التاسعة وحتى الخامسة والنصف والسادسة أحياناً، تعمل مارسيال على عدة محاور: تمسك سماعة الهاتف، أصابعها تداعب لوحة المفاتيح للحاسوب، تقرأ عيناها الوارد من بريد إلكتروني وتقليدي، تخطط في عقلها لفعل المزيد، تستخدم أحياناً عيناها في لبرد على بعض استفسار الصحافيين الفلسطينيين المتدربين، تدون في أوراقها ملاحظات قادمة، توزع البرنامج اليومي للتدريب، ترشد البعض على عناوين القاعات والأمكنة في أروقة الأمم المتحدة وفي فراغات منهاتن القريبة والبعيدة، تجمع وثائق السفر وتذاكر الطائرة تمهيداً لتأشيرة أخرى لدخول سويسرا الأرض المحايدة والمجاورة لبلدها فرنسا.
تتقن مارسيال الإنجليزية و تعلمت من زوجها اللغة الهندية إضافة للغتها الأم، وتحاول نحن تعليمها القليل من المفردات العربية ذات الأهمية بالنسبة لها، وتعرف الفنان اللبناني القريب من اسمها مارسيل خليفة وأغانيه ذائعة الصيت.
تطلق بشكل دائم ابتسامة مرتفعة ويطوق مرحها جو المكتب الذي تقضي فيه أكثر مما تسكن في منزلها أو تشاهد أطفالها.
تقول: أرفض التنازل عن أي يوم عطلة أسبوعية، لأنني أخصصه لطفلي ولزوجي ووالدتي ومهما يحاول رفاقي دعوتي لمناسبات واحتفالات فإنني أرد عليهم بالاعتذار بسرعة فلدي خططي الخاصة، أتنزه وأبائي وأقضي نهاري كله في إسعادهم وتعويضهم عن النقص طوال أيام عملي وغيابي عنهم.
ورونويرا التي لم تتخطى عتبة سن الأربعين بعد، قدمت ذات يوم لنيويورك في رحلة البحث عن عمل، تنحاز لفرنسيتها وتبدي تضامنا كبيراً مع الشعب الفلسطيني.
في تشرين الثاني الماضي استقطعت أجزاء من وقتها الثمين لصالح مواكبة جديد الأنباء المتصلة بصحة الرئيس الراحل ياسر عرفات.
فتارة تبحر في فضاءات صحيفة الييموند الفرنسية عبر الإنترنت، وأخرى في موقع وكالة الصحافة الفرنسية، وترحل قليلاً ففي نظراتها إلى الشاة الصغيرة لمعرفة الأخبار الساخنة الواردة من "السي، إن ، إن" و"فوكس" غير البرئية و"إن، بي، سي" وغيرها، وتتصل بجيش المراسلين المنتدبين من وكالات عالمية المتواجدين في مبنى المنظمة الدولية.
تبخرت أحلامها و تلاشت ضحكتها في الحادي عشر من نوفمير، حينما قرأت الأخبار القادمة من المشفى العسكري الفرنسي عن وفاة الرئيس عرفات .
في أعماق مكتبها الذي يشرف على الساحة الرئيسة لمبنى الأمم المتحدة ، حيث سارية العلم الأممي، يمكن للزائرين الموسميين كحالنا نحن من مشاهدة إشارات لفلسطين وانحياز لها، فلا زالت تحتفظ بشارة الخطوط الجوية الفلسطينية التي قدمها لها زملاء من فلسطين التي تتمنى زيارتها، وتعلق أيضاً بطاقات بريدية للوحة للفنانة الفلسطينية منال أبو حميد وكأنها تحاول بطائرتها الورقية ذات الألوان الفاتحة التحليق في عالم نيويورك.
يقول رئيسها في العمل د. سليم فحماوي: لا يمكن أن ترفض مارسيال أي طلب يصلها، مهما كان صعباً، وتقابله بابتسامة، وتحاول ما بوسعها تحقيقه.
تروي :في محطات كثيرة أتناول طعام الإفطار وأنا أعد ورقة عمل أو أرد على مراسلة ما، فلا أمتلك وقتاً لتخصيصه للغداء في المطعم ، رغم استراحة رسمية تتيح للموظفين هنا من النزول للكافتيريا، واختيار وجباتهم المفضلة.
تضيف: من يعمل في مكان ما فعليه أن يفكر في واجباته قبل حقوقه.
ننحاز لشخصية مارسيل الفرنسية السمراء المرحة دائماً وسريعة الحركة والتي تدمج بين تنفيذ أكثر من عمل في وقت واحد، فنطلق عليها لقب " دينمو ناعم" ترد علينا بطلقات من الضحك، وتتمنى أن نشاهد بعضنا في وطنها الفرنسي الذي تحبه.
نقول لها: ليت شارل ديغول على قيد الحياة وليته هو الذي يحتل وطننا لأنه أعترف بخطيئة الاستعمار الذي صنعه أجداده في بلاد ليست لهم.
تتبنى أمنيتنا، ونذكرها بقبعة القائد الفرنسي ديغول، وما نعرفه من ألفاظ فرنسية محدودة، ونسرق قليلاً من وقتها للحديث عن حال النساء في عالمنا العربي، وكيف تدفع النساء الفلسطينيات الثمن الباهظ للاحتلال فالدموع لا تكف عن مطاردتهن بفعل الرصاص الذي يطارد فلذات أكبادهن، ونقر بأن هناك احتلال آخر لنصفنا الآخر من جانب ممارسات ذاتية عرجاء.
تعجب بوجود صحيفة تحمل اسم "صوت النساء"، ومجلة تعنى بشؤون العاملات وبرامج إذاعية متخصصة لحواء.
نودع مارسيال في يوم رحيلنا عن نيويورك، ونتذكر أن مجهوداتها وتفانيها وإصرارها تركت فينا آثراً كبيراً، وفتحت الباب على مصراعيه لعقد سلسلة مقارنات وتحليلات لا تخلو من "جلد" إيجابي للذات.
Pages: 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25

Comments»
لاتوجد تعليقات - كن أول من يعلق .