“كلوس أَب” فلسطيني من أميركا وأوروبا….بقلم: عبد الباسط خلف
13 May 2008 مصنف في: عبد الباسط خلف, غير مصنف لقطة "أكشن":
في سويسرا المحايدة
نتحدث
عن كل شيء…
تحت الغيوم دائمة الظل في شتاء جنيف، راحت خطواتنا تتجول في المدينة متعددة الوجوه والذكريات، فهنا وفي مكان ما من سويسرا صنعت الحركة الصهيونية نفسها قبل قرن وحفنة من السنوات، وقبل عام بالتمام والكمال وقع فلسطينيون وإسرائيليون وثيقة غير رسمية لتسوية غضت الطرف عن اللاجئين الفلسطينيين، كما يقول الشاب المغترب والساكن لهذه المدينة شديدة البرودة سعيد عادل، وهنا ولدت اتفاقية جنيف الرابعة.
السير في فضاءات المدينة الخضراء والصديقة للبيئة، كالسير في عالم آخر، فحتى عمال النظافة والإسفلت يبدون في هيئة أخرى تفترق عن الصورة النمطية لبعض أصحاب المهن الذين يسرفون في إظهار آثار ما يعملون به.
حينما وصلنا إلى البقعة الأكثر حياداً في العالم، رحنا نسأل أنفسنا طائفة من الصيغ التي ظل جزء منها معلقاً حتى إشعار آخر. فوليد اللوح وغيره من رفاق الوفد الإعلامي الذي منحته الأمم المتحدة فرصة العيش بحرية مؤقتة أياما معدودات، صار يقول: هذا الحياد الذي يغطى بشوكلاه أو جبن يعتريه نقص.
استذكرنا يوم السابع من ديسمبر حيث هرعنا من بيت الضيافة ( أنترناسونال مين ديت) الذي يستلقي وسط غابة بيلفيوو القريبة من قلب جنيف العتيقة، أن هذا البلد يرفض الانخراط في الاتحاد الأوروبي، ولم ينظم للأمم المتحدة التي يحتضن قصورها ومقار هيئاتها غير السياسية إلا قبل عامين ونيف.
داخل قصر الأمم المتحدة الرئيس تحدثنا الأسترالية مارينا دي كونت ، دارسة التحكيم الدولي والمتدربة في قسم الإعلام عن حكاية هذا البناء الذي أشترط صاحب أرض التي أقيم عليها قبل التبرع بها، السماح لطاووس التنقل بحرية في حدائق الأمم المتحدة، وبالفعل راح هذا الطائر بريشه وغروره يملأ المكان الذي يحج إليه دبلوماسيو الدنيا… وأيضاً دي كونت مولعة بالعربية وتحاول تعلمها، فتمرر في تمرين أولي أناملها لإعادة كتابة اسمها.
في برنامجنا "الجنيفي" الكثير من اللقاءات والاجتماعات، وقبلها نتجول في ردهات المنظمة الدولية، تعاد لنا الأحاديث عن الأمم المتحدة وجمعياتها لجانها وتقسيمات عمل وكالاتها المتخصصة، ونتحدث نحن بدورنا للدليل الفرنسية عن التحدي الذي يواجه المنظمة، وحاجتها لإصلاح، لطالما تحدثت به أفواه كثيرة باتجاه مؤسساتنا الفلسطينية المضطهدة.
نسمع عن منظمة الغذاء والزراعة التي أعلنت أن السنة الماضية 2004، كانت محطة دولية للأرز، ونقرأ في أثناء الجولة الاستكشافية مقتطفات من كتاب الإرهاب والعولمة للبروفيسور الفلسطيني جمال نصار، الذي أختار للغلاف لوحة لفنان إيطالي تظهر فلسطينية تعزف على أداة موسيقية تراثية وبجانبها جدار الفصل العنصري قد تهاوى.
ندون في أوراقنا اليومية الكثير من التفاصيل التي نرى أن إعادة استخدامها قد تدخل القارئ في دوامة.
نعرف أيضاً أن جنيف تحتضن على مدار العام 1700 اجتماع تحتضنها 34 قاعة، ويغطي أحداثها 250 صحافياً، ونشاهد جناح الهدايا فيستقطبنا رسم"هيفين" المعبد الصيني الذي يخدع النظر، ويجعل المرء يخال أن درجه يسير معه في كل اتجاه، وتستوقفنا التحفة الكبيرة المقدمة من اليابان، مثلما نذهل بالسفينة الكويتية والأشكال الفرعونية المصرية.
على الجدران الكبيرة والمرتفعة تستقر رسومات لأطفال ونساء يعبرون عن النجاح الذي وفرته لهم المنظمة الدولية على الصعد الصحية والتربوية والثقافية، ونشاهد الجسر الذي يربط بين شطري المبنى الأممي، فيما تستلقي في الخارج هدية أمريكية وأخرى روسية، تتحدثان عن العالم ككتلة واحدة..
الروس انحازوا لكرة الأرض الدائرية، التي أظهرت العالم كأجساد تتصل ببعضها البعض في مزج يحفل بالدلالات.
نشاهد أيضا بوابات خشبية أهدتها بلجيكيا لبرلمان العالم، وأكملت إيطاليا الإطار، وجادت فرنسا بلوحات فنية، فيما كان لسلطنة عمان انحياز للفن ولعصافير الشرق.
في قاعة داخلية نسرف قليلاً في تفحص الجدران والسقوف الذي أهدت أسبانيا رسوماته، كترجمة لمراحل تطورها الاجتماعي والثقافي وللتعبير عن حقب الحرب والطبقية وحروب النبلاء.
تصارع وتضاد وسادة وعبيد وعري وأسلحة هنا في قاعة تخصص لاجتماعات لجنة نزع التسلح التي تأسست العام 1979، وتضم في عضويتها اليوم 66 دولة.
في ردهة أخرى تضم قاعة لجان حقوق الإنسان ألفي مقعد، ونعرف أن في العالم 23 مليون لاجئ سوادهم الأعظم من أفريقيا السمراء.
على تلة مرتفعة تحيط بها مكعبات خضراء، تجلس بناية اللجنة الدولية للصليب الأحمر ، وفي أحشاء ردهات المكان تنشط غالبية سويسرية( 51 % من الموظفين) في " جيش" الإنسانية ، تتابع وتواكب وتبحث في قضايا البؤر الساخنة من الدنيا.
تستقبلنا لوحات فنية تتهكم على الحرب وتعتلي رسومات لأطفال وتقول: الحرب ليست لعبتنا، أبقوها بعيدة دعونا نلعب…
في قاعة محاطة بأشجار أستقطع الخريف خضرتها، راحت الإعلامية اللبنانية المسؤولة عن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، قبل شهر من سفرها لبؤرة العراق المتوترة، تتحدث عن أهداف المنظمة وطبيعتها، لتكمل بانوراما مصورة الحكاية.
في الفيلم الوثائقي الذي أمتد لأربعة عشرة دقيقة يوسع المشاهد الانشداد السريع مع الصور الناطقة، ويحاول الإجابة عن الأسئلة الكبرى المطروحة من طراز: هل مازال هناك مكان للكرامة.. للحدود … للإنسانية…
يشرع الفيلم في رحلة شاقة و لا تنجح خضرة سويسرا الباردة أو شوكلاتتها اللذيذة من تخفيف حرارة الوجع الوثائقي عن ضحايا النزاع.
هنا أيضاً حديث عن القواعد الإنسانية في التعامل وعن الحرب والقانون الدولي، وشرح لسبب إطلاق سياسة إعلامية للمنظمة الدولية ولتذكير المتحاربين بأن الأطفال والنساء يدفعون الثمن الباهظ للحرب.
نستمع ونناقش ونعيش أجواء لا تخلو من دم وقتل ومهمات إنسانية تحاول إطلاق اليد للحوار ونزع فتيل القتال الدامي.
نعرف هنا أن الحركة الدولية تقيم تحالفاتها مع منظمات طبية في ثلاثين بلدا، ونحاط علماً بسر ابتعاد اللجنة العلني عن عدسات الصحافة وضجيج إصدار البيانات بشجبها وإدانتها واستنكارها، حتى تبقى يدها طليقة في دنيا الصراع.
في أرقام سوداني الكثير من الأحاديث عن أسرى الحرب والصراع، ففي عام 2003 سرقت حرية 460 ألف بفعل الحرب المشتعلة في قريتنا الكونية.
تصل إلينا حالات عن معاناة نقاط ساخنة من العالم وتأسرنا الصور الإنسانية الناجمة عن الكراهية وغياب الحوار، فتختلط شؤون العراق وأرتيريا وأثيوبيا وفلسطين ولبنان وكمبوديا أمريكا العادية واللاتينية.
نصغي قليلاً إلى أرقام إضافية من طائفة أن 41 دولة وقعت على اتفاقية تطهير الألغام الأرضية ، ومع هذا دفع 130 ألف إنسان حياتهم ثمن لأدوات القتل الرخيصة هذه.
نصل لتساؤلات ربما كان الأجدر توجيهها لغيرنا عن إمكانية الحديث عن القواعد الإنسانية والحياة والسلام و الأمن الاجتماعي والصحي ولم شمل العائلات والمشردين واللاجئين والضحايا، فقوائمنا لا تخلو من كل هذا، نستذكر هنا فقط خال الحاجة مرزوقة الزريعي المواطنة الغزية التي أفقدها رصاص الاحتلال الوقح حياة أربعة من أولادها الخمسة.
تتحدث عن إضراب الأسرى وحرمانهم من الزيارة والإبعاد وهدم المنازل وجدار الفصل العنصري، ونسمع أن اللجنة لا تتعامل إلا مع الحياد، ولا نفهم أن هذا الحياد لا يتعرض واتخاذ موقف من العدوان والقتل الذي يصدره الاحتلال.
في أعماق جنيف العتيقة وقبل يوم من رحيلنا عن المدينة، ندنو من حدود فرنسا، فنخال في البداية أن هناك أسلاكاً شائكة، وشرطة وحرساً للحدود، فتخبرنا نادية شبيب أن الحقيقة مختلفة، فزوجها الدكتور خالد يطلب من بعض الجنود الذين يتوفرون في المواسم عبر نقاط عشوائية للتفتيش إدخال صديقه للعشاء في الأراضي الفرنسية من دون أن يكون في حوزته تأشيرة" الشينكيل"، وفي الغالب فإنهم لا يردون إليه طلبه، فالتبريرات الأمنية غالباً ما تختفي.
تقول نادية التي رأت النور قبل النكبة في يافا، إنها عاشت حالات لجوء حديدة، تنقلت فيها من بلدها فغزة فعمان والقاهرة وبغداد وتونس وبون وباريس وجنيف.
ودفع الحنين إلى الوطن بنادية لتشكيل جمعية تقدم المساعدة للأسر الفلسطينية المسحوقة، وإعادة بناء المنازل الفلسطينية التي يدمرها الاحتلال في الأراضي الفلسطينية .
نسترد ونحن ندخل بعض أزقة جنيف القديمة، ذكرياتنا مع القدس التي حرمنا من دخولها، فهنا دهاليز قديمة وأزقة وممرات ضيقة ورائحة للمكان من دون أن نجد ذكراً للسلاح والهراوات وحرّاس الحدود والشرطة .
نتمنى أن نعيش بحرية ونتجول ونلهو ونتحدث في قلب القدس القديمة، كما يفعل السويسريون الذين يحيون عيد الحادي عشر من ديسمبير، حيث التسلق والموكب الكبير الذي يصاحبه اللباس التقليدي لأزياء القرن السابع عشر في لمدينة العتيقة، إذ يحتفل السكان بذكرى المعركة التي وقعت العام 1602، وأشتبك فيها أهالي السافوا في الإقليم المجاورة مع سكان جنيفا.
تعيد لنا الفرنسية مليادا جوسية السائحة القادمة بسيارتها إلى جنيف حكاية صرح المدينة التاريخي، ووفق نشرة تصدرها إدارة الترويج السياحي في سويسرا ، فإنه ومنذ حوالي اثنتي عشر ألف سنة إلى الوراء، كشفت التقنيات الأثرية على جنيف أن المدينة مأهولة بالناس، وفي العصور الوسطى كانت تابعة للإمبراطورية ويديرها أسقف، ولاحقاً ضمت بالتدريج لأملاك أمراء السافوا، حتى اتسعت من البحر الأبيض المتوسط إلى حدود بيرن وبرغونيا إلى الفاليه.
وعندما أطل القرن السادس عشر برأسه حمل معه كارثة لجنيف عندما فرضت نظريات لوثر الإصلاحية نفسها وهيمنت على المدينة، وفي العام 1536 ولدت الجمهورية، وأستدعي كالفان إلى جنيف لتأسيس صرح روما البروتستانت فيها.
وعام 1815 أصبحت جنيف ولاية سويسرية، ومنحتها بحيرتها ونهر الرون المار فيها المزيد من الشهر.
" راح رشيد حميد، الفلسطيني الذي هُجّر من بلدة عين الزيتونة القريبة في الجليل العام 1948، وأنفق من عمره 12 سنة في أكثر بقعة حيادية في الكون يقول: هنا للكانتونات دلالات إيجابية إذ تتشكل سويسرا من اتحاد 26 كنتوناً معاً، وتنتشر فيها أربع لغات رسمية هي الفرنسية والإيطالية والألمانية والرومنيش القديمة.
في حديث رشيد حنيناً إلى عين الزيتونة التي لم يرها، وذات أرسل ابنته لتنقل بعينها وعدستها الإلكترونية مشاهد مسقط الرأس الضائع.
داخل مطعم الأمير وسط شارع فولتيير، راحت ألسنة الروائح الشرقية تتصاعد لتشكيل أطباق الشاورما والفلافل، وتختلط أصوات فرنسية وألمانية وعربية تطلب وجبات سريعة أو تعيد الحياة لطلبات أخرى.
هنا تستمع الفلسطينية نسمة شبيب في التعامل مع أطباق تذكرها بوطنها البعيد عن العين و القريب من القلب. تعلمت نسمة الغناء وصارت تني لفلسطين، وتعمل أيضاً في تسويق أزهار جورية تصنع من الخشب في فرنسا وتوزع في أنحاء سويسرا الخضراء، وأيضاً في مطعم للوجبات الفرنسية.
نتحدث مها عن الغربة والدراسة، وتتحدث عن "الجندر" السويسري، والعلاقة بين الجيل الجديد من الشباب ومؤسساتهم الأسرية، في وقت صار المال يتنافس على كل تفاصيل الحياة وفقما تقول.
ترتبط رنا سوداني بصداقة قوية مع الأسيرة سها بشارة التي أحتجزها جيش جنوب لبنان الذي والى الاحتلال الإسرائيلي، وسقط عمها بنيران القصف الإسرائيلي، وأعتقل شقيقها.
تقول قدمت سها إلى فرنسا بعد الإفراج عنها للدراسة، وأعجبت بشاب سويسري تضامن كثيراً مع الشعب الفلسطيني وتصدى بجسده لأدوات التدمير الإسرائيلية التي انقضت على المنازل الفلسطينية، وتزوجا.
انتشرت في محيط جنيف أو كما يسميها أصحابها" أصغر عاصمة أوروبية" أحاديث عن عيد الإيسبلانود، المحطة الذي حدثت فيها معركة فرنسية – سويسرية قبل حفنة من عشرات السنوات، إذ يعيد السكان للأذهان حكاية المرأة السويسرية التي راحت تطهو الطعام في وعاء كبير، وتلقي به على وجوه الغزاة الفرنسيين وتطعم الشق الآخر لجنود بلدها.
صار السويسريون يكرّمون أميرة الطنجرة هذه، فيشرعون في ديسيمبر من كل عام في صناعة مجسمات من الشوكلاتة الفاخرة على هيئة طنجرة.
ويحيي آخرون هذه المناسبة بطهو شوكلاتة ساخنة وبيعها في قرى مصنوعة من الخشب وخيام أيضاً.
تروي نادية شبيب: نستغل في أعوام كثيرة هذه المناسبة للترويج لأطباقنا الفلسطينية، ونسوق بعضاً منها، ونعيد مدخولاته لأسر فلسطينية محتاجة.
للشاب التونسي علي قصة أخرى، فهو الذي قدم لسويسرا لأغراض الدراسة والعمل، إذ بدأت علاقته مع "مين ديت أنترناسونال"، أو بيت الضيافة للبعثات الرسمية والمنظمات غير الحكومية الذي تدعمه الحكومة كمتطوع.
صار علي يعرف الكثير عن هذا المكان الساكن في أحشاء الغابة، فكل غرفة فيه تقدم للنزلاء وجبة إفطار ومواصلات بأسعار رخيصة جداً مقارنة ببورصة جنيف المرتفعة ، وتحمل أيضاً أسم مدينة من العالم، فقرطاج التونسية تجاور سانت ياغوا، ومدن يوليفيا تصادق أذربيجان.
قريباً من محطة القطارات المركزية القريبة من الحدود مع فرنسا، تخصص مسارب من الأرصفة لراكبي الدراجات الهوائية التي تزدهر موضة تأجيرها، فيما جنبات الطريق محتلة بحشاش الخرشوف ونباتات ورق اللسان التي نستخدمها نحن في أطباقنا.
نلتقي بالأسترالية ماري دي كونت مجدداً، وتنقل لنا مقاطع من الحياة في بلدها الحارة- الباردة، ننفل لها أسرار تنوعنا المناخي، قلدينا أخفض بقعة في العالم، وعندنا رواب عالية وأنهار وبحر وصحار وبحيرات وهضاب ووديان وسهول واحتلال إضافي.
تستغرب دي كونت كثيراً من الحياة الفلسطينية تحت الاحتلال مثلما يصعب عليها تصديق حقيقة أن بعض الأسر الفلسطينية لها من الأبناء والبنات العدد نقسه الذي يتشكل منه مجلس الأمن الدولي بأعضائه الدائمين و الدوريين.
في داخل مقر الأمم المتحدة لا يلتفت دبلوماسيو الأرض للطاووس الذي يصول ويجول في فراغاتها، أو البط المنتشر حول بحيرتها، فالاعتيادية أفقدت الطائر وسامته، لكننا لم ننس الأرض الذي وضعه صاحب المكان قبل إنشاء مقر المنظمة الدولية بالإبقاء على حرية الطائر الوحيد بين مخلوقات الله الذي تزداد جمالية ذكورة عن إناثه.
كأنهم هنا يشتاقون للرمال، إذ اختاروا الألوان الصفراء كخطوط إرشادية للسابلة، تجانبها آثار أقدام صفراء أيضاً، كتلك التي تظهر في كثبان الصحاري التي تبتعد عن أوروبا.
في محطة كورفان، الخطوة الأولى باتجاه جبال الألب، يمكننا التقاط المزيد من الصور المختلفة، فالعصافير المنتشرة في بلدنا والتي تفر من البشر بسرعة البرق، يطعمها هنا ريتشارد وسواه بيده، وكأنها وقعت اتفاق سلام دائم لم يشهد خروقات أو اتفاقات تفسيرية وملاحق إضافية .
راحت خطواتنا تدنو من قمة جبال الألب في اليوم الذي شهد ولادة الانتفاضة الفلسطينية الأولى العام 1978، الثلج هنا مختلف ودلالاته البيضاء تفوق المواسم النادرة في وطننا العَطِش ، في السماء فوق الغيوم وقريبا من الشمس شاهدنا على ارتفاع 2500 أضواء الطائرات، وانحزنا إلى الترتيبات الخاصة التي صممها السويسريون الذين صنعوا سكة حديد خاصة للصعود إلى القمة.
داخل المطعم حيث تعمل نادلة سمراء وسط بقاع بيضاء، تحدثنا عن الانتفاضة الأولى واتفاقية جنيف غير الرسمية وموقفها من اللاجئين،و ارتشفنا مشروب ساخن يعادل ثمن كوبه الواحد دخل أسرة فلسطينية حيث يعيش أكثر من نصف الفلسطينيين وفق أحدث تقرير للبنك الدولي في عالم الفقر.
ننفق جزءا من النهار، ونعود للوزان وبيلفيوا وماندروا لنتذكر أن هذه الحرية ستتبخر عند عتبات أول حاجز إسرائيلي، وهو ما حصل مع نصف أعضاء وفدنا القادمين من غزة، إذ لا زالوا ينتظرون فتح معبر رفح.
Pages: 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25

Comments»
لاتوجد تعليقات - كن أول من يعلق .