“كلوس أَب” فلسطيني من أميركا وأوروبا….بقلم: عبد الباسط خلف
13 May 2008 مصنف في: عبد الباسط خلف, غير مصنف
لقطة بالأبيض والأسود:
الفن والسياسة معاً
والبيت المتحف
اجتهدت ماسحات السيارة البيضاء في تنظيف الزجاجي الأمامي الذي راحت الأمطار تقتص من وضوحه، هنا وفي الطريق الموصول من ولاية نيويورك ومدينتها للجارة نيوجيرسي، يمكننا وفي قلب المركبة الدافئ إعادة الحياة للماضي الأمريكي والفلسطيني أيضاً، فذات يوم من أيام الثورة الأمريكية أو حرب الاستقلال، كانت المعارك في أشدها بين جنود جورج واشنطن وخصومهم البريطانيين الذين تحولوا لحلفاء قي جولات لاحقة .
حتى في هذه الأجواء الساحرة والمتنوعة في مناخها بين مطر وشمس وغيوم حرة، تسرق عيوننا جرافات" الكتربلر" الصفراء التي تصنع على جنبات الطريق وغاباتها تطوراً وحياة، فيما عقولنا تطير لغزة ونابلس وسواها من مدننا حيث تعيث فيها هذه الآلة الضخمة التي تحمل اسم مخلوق دودة القز الضعيفة دماراً.
نحاول الهروب إلى الطبيعة، ونخترق الغابة القريبة من ولاية بنسلفينيا، هنا حيث تلقينا دعوة لقضاء عطلة عيد الشكر في ضيافة عائلة جو كاريرا المتعاطفة مع القضية الفلسطينية، نسرف في الرحيل لماضي المحطة التي يتضرع الأمريكيون فيها إلى الله شكراً بعد رحلة قاسية مع الجوع، ونتعرف إلى الديك الرومي الذي يحتل موائد الشعب الأمريكي.
حتى في عيد الشكر نتحدث عن فلسطين و حق العودة للاجئين من شعبنا ومواصفات الانتخابات الفلسطينية الحرة والمحتلة معاً، ونغرق في التسلل إلى السلام الضائع وجدران الفصل العنصري التي تصنعها إسرائيل باسم الأمن.
لم يصدق جو ولا زوجته ديانا أو ضيوفهما المنحدرون من أصول إيطالية أن طفلة فلسطينية لم تتجاوز التاسعة من عمرها تسكن في خربة رأس الطيرة القريبة من قلقيلية شمال الضفة الغربية المحتلة، منعها جنود الاحتلال من تلقي جرعات علاج لوأد الحمى التي اجتاحت جسدها إلا من وراء الأسلاك الشائكة.
الحديث عن السلام لا يملك أن يعيش في فوهة مدافع أدوات القتل و الموت الثقيلة، هكذا توصلنا لنقطة اتفاق، فأصحاب القوة هو الذي يصنع سلاماً لا غيرهم.
توم فليدروك المنحدر من أصول بولندية، وزوجنه إليزابيث يتحدثان عن تضامنهما مع الشعب الفلسطيني ويتمنيان من أن ينال في نهاية المطاف دولة حرة كسائر الشعوب، نعرف نحن بدورنا أن إليزابيث تناضل كثيراً فهي التي تسافر كل يوم خمس ساعات في رحلة عمل إلى الأمم المتحدة، وهذا يعنى أنها تغيب عن أسرتها 13 ساعة، لصالح تمسكها بحياة ريفية هادئة لا تزحف المدينة إليها.
المرأة في هذه البلاد تأخذ بعد الزواج اسم زوجها، وتناضل اليزابيث في تحالف وطني لمنظمات نسويه تسعى لتحقيق المساواة مع الرجال في ميادين الوظائف العامة والرواتب.
في قسم الإعلام حيث تعمل اليزابيث، وعند احتساب ميزان القوى العاملة يلاحظ المرء توازناً عادلاً بين الجنسين، فهنا خمس نساء ومثلهم من الرجال فرنسية وأمريكية وآسيوية يعملن في مكتب مشترك.
نغرق ثانية و توم فليدروك في الإشارة للقصة الإنجليزية لماري كوري، التي نقلت إلينا في طفولتنا عن حال المفتش الروسي الذي قدم ذات يوم محتل لوارسو وراح يبحث عن مصدر الصوت الأنثوي الناعم باللغة البولندية الممنوعة.
لا يخلو الحديث من دلالات كبيرة لا زلنا نحن نعيشها وأن تبدلت الصور ودارت الأيام.
على مائدة عيد الشكر تختلط الأطباق الأمريكية، والموائد التي صنعتها أم وقاس فحماوي، فالأرز والعدس والحمص و الحلوى الفلسطينية جاورت الديك الرومي والبطاطس الفرنسية والحلوى الأمريكية والبيتزا الإيطالية.
ننحاز لأجزاء من موائدنا ونجرب أخرى، ونشرع في جولة في القسم السفلي لمنزل جو كاريرا، الذي يتطرف في الانحياز للرئيس الأمريكي إبراهام لنكولن.
في البيت المتحف نشاهد بجلاء تماثيل ومقتنيات وكتب وأوسمه وميداليات و رسومات ومنحوتات تشير لمراحل مختلفة من حياة الرئيس الأمريكي الذي وضع حداً للعبودية والرق، وساوى بين الأمريكيين.
في هذا البيت نشعر بأننا على معرفة بالرئيس الأمريكي السادس عشر فكل شيء هنا يشير إلى ذكراه، ونحن الفلسطينيين أكثر ما نحتاج لمن يتضامن معنا ويحررنا من عبودية الاحتلال الذي أدمن انتهاك سيادتنا وأفقنا.
بروي الإيطالي الذي غرق في البحث عن هدايا رمزية يقدمها لنا تجعلنا من عشاق من يحب: الحرية و الأمل والحلم والإحسان تجعلك تنفق أغلى ما تملك لنصرة رمز يستحق ذلك بفخر.
ينفق جو الموظف في إحدى البنوك قسطاً كبيراً من وقته وماله في تطوير متحفه الخاص، وفي عطلة نهاية الأسبوع يبحث عن المزيد من المقتنيات التاريخية.
ما أن يستدير الزائر للبيت إلا وتتنازع على استهداف نظراته تماثيل برونزية للرئيس المحرر، وإذا ما قرر تبديل زاوية نظره تكون بانتظاره مقولات لنكولن حول الحرية وقيمها و العدالة و حرية التعبير ، وفي زاوية ثالثة يقدم الرئيس جورج بوش الأب شهادة عن احترامه الكبير للرمز الذي سبقه، ويقدم سطوراً لمناقبه وما يميزه عن غير من نظرائه الذين و صلوا البيت الأبيض حيث تطهى السياسة الأمريكية وتنقل لموائد العالم.
منذ 22 سنة راح جو يطور متحفه الخاص وبقدر ثمن المقتنيات التي يضمها بـ300 ألف دولار دفعها من جيبه الخاص، فيما دخله السنوي يتواضع كثيراً مع قيمة متحفه، فهو لا يتجاوز الـ 25 ألف دولار.
لا يتوقف جو عند هذا الحد من الاهتمام، فهو يدمج الفن بالسياسة وينشط على جبهة الصحافة، فيكتب وينشر مقالات عن الرئيس الذي يحب، ولا يقيل بفكرة المقارنة بينه وبين غيره من الرؤساء السابقين أو اللاحقين، لأنه آخي بين الناس وساعدهم ومنحهم الحرية والمساواة.
يقول: تساعدني زوجتي ديانا في ترتيب المتحف، وإعادة تفقده الدورية، ونقضي أوقاتاً مشتركة معاً، وحينما يزورنا الضيوف يدفعهم الفضول لأخذ جولة تفقدية في أرجائه…
انتقى جو دراسة التاريخ الذي أوصله لهذا المنسوب من الهيام بالرئيس أبرا هام، وفي جعبته أيضا نسخة من صحيفة" جورنال أوف سيفلايزيشن" أو صحيفة الحضارة الصادرة في السابع عشر من حزيران 1865 حيث كان الرئيس لنكولن فوق أرض أمريكية بدأت تتلقى جرعات الحرية والعدالة وفق جو.
Pages: 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25

Comments»
لاتوجد تعليقات - كن أول من يعلق .