jump to navigation

“كلوس أَب” فلسطيني من أميركا وأوروبا….بقلم: عبد الباسط خلف

13 May 2008 مصنف في: عبد الباسط خلف, غير مصنف

لقطة صامتة:
هدوء مختلف
في واشنطن
 

   لا تخلو الطريق إلى واشنطن من دلالات أو إشارات ذات مغزى تغرى  القادم لما وراء المحيط لمتابعتها، فهنا حيث الساعة تشير ذات أحد من نوفمبر إلى الرابعة وحفنة من الدقائق، نلتقي بعد اكتمال سلسلتنا الصحافية في محطة بنسلفينيا الجاثمة في شارع 34 يقلب نيويورك الباردةٍ، قاصدين العاصمة، قائد الرحلة  المنتدب من برنامج الإعلام المنبثق عن  الأمم المتحدة الياباني هيرو أكيو يجيد حدث القليل من العربية، مثلما نتقن نحن مراقبة الحانوت الضخم الذي يروج لمجلات ومواد دعائية في قلب محطة القطارات السريعة.
  تطالع العديد من المجلات، ووحدها" الإكونوميست" الشهيرة تختار كلمتين للإشارة  إلى رحيل الزعيم الفلسطيني: خروج عرفات، فيما المئات من المطبوعات تغني كما يحلو لها، للمطبخ و الديكور، وإن كانت تتوحد  كلها لصالح الإثارة والجنس وتسليع المرأة….
 تحاور قليلاً صحافية وقارئة جيدة، راحت تبحث عما يغذي فضولها السياسي، فتسألها عن سر المبالغة في الإثارة والميل للصحافة الصفراء، فتقول: هنا يمكنك التقاط ما تريد، والمرأة هنا هي صاحبة القرار في جسدها، وإن كانت المبالغة في الإثارة  مسألة جدلية.
  اللافت قبل الوصول إلى قطار واشنطن، جيش القراء الذين بوسعهم تفحص عشرات المجلات ، و"تقرير مصير" المطبوعة التي ستدخل الدفء إلى قلوبهم وعقولهم.
 راح القطار أو " مركبة الأرض" كما أسميناها، يخترق الضباب الملتف حول منهاتن  وضواحيها، الكل تموضع في مقاعده، والكثيرون من المسافرين امتلكوا خطة واضحة لقهر المسافات، فآنا رونسون أحضرت نسختين لصحيفتي النيويورك تايمز  والواشنطن بوست، وقررت استكشاف محتواياتهما، وليندا آثرت العبث الإيجابي بحاسوبها النقال طوال الطريق وتوم انحاز لكتابة يومياته.
  تسترق القليل من وقت آن، وتسألها عن الذي تعرفه عن شؤون بلدنا الممزق، فتقول إنها تقرأ عن الصراع و الاحتلال ولكن لا تعرف من هم الضحايا بالضبط، وتتمنى أن يتوقف حمام الدم ذات يوم.
  قريباً من القارئة الجيدة، تجلس أخرى راحت تنهمك في قراءة مذكرات الرئيس الأمريكي بيل كلينتون حول السياسة ومشتقاتها، هنا في عنوان مجلات تشرين الثاني، تطالع في النيويورك تايمز أخباراً ذات صلة بالموقف الأمريكي من الانتخابات الفلسطينية المبكرة بعد رحيل الرئيس عرفات.
 ينشب حوار آخر مع جارة ثانية لآن، فتنحاز قليلاً في مواقفها لصالح الاحتلال، فنتذكر نحن العشرة صحافيين المتجهين إلى حيث يصنع القرار الأمريكي، أن سفرنا وإن خلا من الحواجز ونقاط التفتيش لن ينجو من مواقف منحازة.
  في الثلث الأخير من الرحلة، نحاور الشاب الصومالي محمد  حسين وزوجته الأمريكية جنات، نسرف وإياهم في  في توصيف الحال اليومي لشعبنا، ونتحدث عن الأمية وحقوق النساء والفقر والموز والاحتلال الأمريكي القصير لمقاديشو، ومحمد فرح عيديد، ومستوى الحياة والحجاب وجدار الفصل العنصري.
  تقول جنات ، وهي موظفة في الكونغرس الأمريكي، إنها لا تعرف كثيراً عن فلسطين بخلاف زوجها، وتسأل عن حال المرأة الفلسطينية ومشاركتها السياسية، فنعلمها أن في بلدنا ثلاث وزيرات وعدد من النساء في منصب مدير عام، و استحدثت أيضاً وزارة لشؤون المرأة، وهناك نية ومناقشات حول إقرار " كوتا" لصالح الفلسطينيات في الانتخابات القادمة.
  في تبادلنا الإعلامي نعرف من محمد الموظف في إحدى المصارف الأمريكية، أن نسبة الأمية في صفوف النساء تقترب من الـ 70 في المائة، وإن سن الزواج آخذ بالارتفاع إلى السابعة عشرة، بعدما كان يزحف إلى الثانية عشرة، ويقول أن بوسع النساء العمل في بلاده، إذ هناك ظاهرة جديدة راحت تغزو بلاده، إذ تمارس الصوماليات العمل التجاري،فيستوردن السلع ويفتتحن الأسواق الخاصة بهن، وينتجن الكثير من الدخل في بلد ربما هو الأفقر بين دول الأرض.
  تنقل جنات بعضا مما تعرفه من زوجها، فالنساء الصوماليات بوسعهن الظهور على شاشات التلفاز وتقديم برامج إعلامية، لكنهن  لا يحظين بوظائف متقدمة ولا يسمح لهن بدخول سلك الشرطة.
 تسألنا المرأة السمراء ثانية عن سر غياب الأحزاب النسوية عن العالم العربي، فتندهش أن في فلسطين المحتلة أطراً نسوية ومنظمات غير حكومية تناضل لإنصاف النساء في مجتمع يشهد آخر وأطول احتلال في التاريخ الحديث، وهناك أيضاً صحافة نسوية.
 نصل واشنطن العاصمة، ونتخلى بسرعة عن شغف اكتشاف عاصمة الدولة العظمى لصالح النوم، لنغرق في اليوم التالي في فضاءات صحيفة " الواشنطن بوست"، ندخل بنايتها الواسعة ونبدأ في متابعة حكايتها، فهي التي رأت النور يوم السادس من ديسيمبر العام 1877، كأول جريدة رباعية الصفحات، وذات ثلاثة سنتات، وأهم نسخة من خمس صحف في العاصمة.
  يحدثنا روبين ميتور من دائرة العلاقات العامة عن المبادئ السبعة التي تقوم عليها الصحيفة، ويخبرنا بحكاية إفلاسها الشهيرة العام 1933، ويعيد لنا عجلة التاريخ إلى الوراء، فيعرفنا على أسس الطباعة اليدوية التي كانت تعتمد في النشر، ومراحل التطور والعصرنة.
  نعيد نشر أنفسنا في ردهات المبنى الممتد، فنجد جيشاً من الصحافيين والعاملين: ثلاثة آلاف نصفهم من النساء، يعملون كأسرة لإخراج مطبوعة يومية تمتلك كل يوم أحد مليون قارئ، ولها 80 ألف قارئ حقيقي  باقي أيام الأسبوع.
  في يوم الاثنين أو الخامس عشر من تشرين الأول، نستيقظ في الطابق الخامس لفندق " هارنكتون" دون أن نتعرف من أي الجهات تشرق الشمس الخجولة، في يوم إعلان استقلال دولتنا المضطهدة، ونرى من النافذة المطلة على الشارع الموصل للبيت الأبيض القليل من الساعين إلى عملهم، فهنا صخب المدينة هادئ ومختلف عن نيويورك.
  نبدأ بالبحث الصباحي عن " خريطة طريق" توصلنا لوجهتنا، يسألك صديقك: هنا في واشنطن يصنعنون السياسة، لكنهم في الشارع لا يعرفون شيئاً عنها، فبعضهم لا يفرق بين " باليستاين" و باكستان وأخريات كموظفة البريد السريع تعتقد أن فلسطين هي ذاتها أوزبكستان!
  داخل أروقة المتحف الوطني المخصص لشؤون الفضاء، تتحدث لوحات كثيرة عن نهاية الحرب الباردة في العام 1987، ويوم توقيع معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية بين الدولتين العظميين.
 نصول ونجول في ردهات المتحف الضخم، ونتعرف لنماذج من الطائرات والصواريخ والغواصات، وكلها ليست ملك يميننا.بعدها نتلقى دعوة يابانية لحضور فيلم عن حكاية غزو الفضاء، فنستل نظارات ثلاثية الأبعاد، ويبدأ الفضاء كمن يهبط إلى عيوننا، فنتعرف عن كثب إلى تفاصيل دقيقة في رحلة السفر إلى كوكب آخر، نلتقط العديد من الإشارات وأهمها الخجل من أنفسنا، فنحن صفراً على اليسار في لحظة الحديث عن القمر الذي لا ننام قبل أن نسرف في استهلاكه غزلاً …
  ندون رغم انكسارنا، حكاية وداع الزوجة الكازاخستانية لشريك عمرها ولحظة الحوار بين الأطفال والرواد وهم على الأرض.
 في السماء، نشاهد تفاصيل الحياة لهؤلاء، حيث تنعدم الجاذبية وتتطاير الأشياء في بحر جوي.. ينقلنا الفيلم الوثائقي إلى حكاية الرائدة الأمريكية التي صعدت وثلاثة من زملائها إلى دنيا مختلفة في المكوك " ديسكافري"، وكيف قضت لحظاتها الأخيرة قبل السفر..
 تنقل لزميلتك هيام حسان معلقاً: هنا أيضاً " يجندرون" الفضاء ، فالحركات النسوية لن تجد ربما بعد اليوم ما تطالب به…

Pages: 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25

Comments»

لاتوجد تعليقات - كن أول من يعلق .

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security text shown in the picture. Click here to regenerate some new text.
Click to hear an audio file of the anti-spam word