jump to navigation

“كلوس أَب” فلسطيني من أميركا وأوروبا….بقلم: عبد الباسط خلف

13 May 2008 مصنف في: عبد الباسط خلف, غير مصنف

لقطات رقمية:

جدار و حواجز في
قاعة الجمعية العامة
 صبيحة الاثنين أو التاسع والعشرون من تشرين الثاني، تمنح شمس خجولة فراغات منهاتن القليلة دفئاً مستقطعا ًفي يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني الذي شطرت فيه الجمعية العامة عبر قرار 181 فلسطين لكيانين عربي ويهودي..
 السماء في هذا اليوم تمرح فيها طائرات عمودية تقترب قلياً من مبنى الأمم المتحدة الرئيس والساعة الواقعة قبالته معطلة أيضاً، وكأنها تنقل للفلسطينيين أن الزمن ليس مهماً بالنسبة لهم.
 تدخل المبنى، فتسرقك لبعض الوقت لوحات فنية لمعرض يتحدث عن فلسطين الأرض والوطن والحلم والواقع، تسرع ورفاقك إلى حيث قاعة اجتماعات سيتحدث ضيوفها عن تضامنهم مع الشعب الذي يعاني آخر احتلال على الأرض.
 في القاعة هذه، التي لا تبعد عدة خطوات عن الجمعية العمومية التي شهدت التصويت على قرار التقسيم، راح يستلقي علم فلسطيني وآخر أممي تتوسطهما خريطة الوطن ، ويعتليهما مجسم لامرأة وطائر لا يخلوان من دلالات.
 ينهمك المتحدثون في الإشارة إلى المناسبة الأولى التي تعقد بعد رحيل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، فهنا كوفي عنان الأمين العام للمنظمة الدولية و بول باجي رئيس لجنة ممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف، وبون بينج رئيس الجمعية العامة ورئيس اللجنة الخاصة للتحقيق في الممارسات الإسرائيلية برنار تكالي، ومندوب بعثة المراقبة الدائمة لفلسطين في الأمم المتحدة ناصر القدوة، وممثلون عن عدة كتل دولية وإقليمية.
 وسط صخب الحديث، وتداخلات الترجمة الفورية، تحاول النظر لزاوية أخرى فالقاعة ليست هي التي شهدت التصويت على القرار 181، والغائبون كثر، وأبرزهم الدولة التي أعلن عن ميلادها، والأنصار والمنشغلون بقضايا إقليمية والغارقون في " سبات شتوي".
 أيضاً تجلس ممثلة عمان بحجاب تقليدي ، فيما يدور جدل و حوار بين حاخامات من حركة يهود ضد الصهيونية، الحركة التي تصلي وفق شعارها من أجل تفكيك سلمي للدولة الصهيونية وامرأة محجبة، وتروج هنا سوزان بايل من الحركة العالمية للشيخوخة لبضاعتها، فهي تعبأ نماذج لمن يرغب في الحصول على نشرات مؤسستها، والعجوز الذي يحتل الشعر رأسه ولحيته ويتكئ على عصاه يلتقط بين الفينة و الفينة مشاهد من لقاءات اليوم ليبثها كما يحلو له، مثلما تفعل أناتيل الصحافية السمينة الشقراء على جهاز حاسوبها المتنقل.
  في الترجمة الفورية لكلمة رئيس الدائرة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية فاروق القدومي، تورد المترجمة عبارة: " منظمة التحقيق" قبل أن تعيد تصويبها، وقبل الكلمة الأقصر للسيد القدومي وبعدها يعيد الحضور تكرر فكرة رئيسية حول الدولة والصراع واللاجئين والضحايا والتعنت الإسرائيلي والسلام الضائع ورحيل ياسر عرفات.
 نسرع بعد انتصاف نهار نيويورك لمبنى المكتبة التي تحمل اسم أول أمين عام للمنظمة الدوليةحيث تستلقي شاشة عملاقة راحت تسرف إيجابياً في سرد تفاصيل ما بعد التقسيم، فهنا يشرح فيلم أنتجه محامون أمريكيون زاروا الضفة الغربية ويحمل عنوان" باسم الأمن" المأساة، فالمنازل تهدم والقذائف تثقب جدران البيوت الهشة في غزة ونابلس وجنين، وشهود العيان يتحدثون عن قتل الأطفال وحرمان الجرحى من تلقي علاج ربما يمدهم بحياة مشوهة.
 الحرب التي تجد ما يبررها من وجه نظر المحتل، تدفع جيف هيلبر الإسرائيلي للانخراط في حركة سلمية ضد هدم المنازل الفلسطينية تسعى لإعادة تشيدها، لكن أصوات البلدوزرات الصفراء والوقحة تعلوه ورفاقه، وتعرض الشاشة والظلام ينتشر في أجواء القاعة الحرب ضد مؤسسات فلسطينية، إذ لم يوفر المحتلون الحواسيب والملفات الطبية ووثائق وزارة الصحة.
 في نيويورك، يتحدث محامون من الولايات المتحدة عن نابلس  ومصانع صابونها  المدمرة وتراثها السليب، ويستمعون بعيونهم قبل آذانهم رواية والدة الطفل عميد الذي لم يشفع له دفاع والده من الموت.
 تختلط في المكان مؤثرا صوتية حزينة و أغاني السيدة فيروز ومارسيل خليفة حول القامة المنتصبة، لكن المشاهد و الوثائق والألوان والثقوب في خرائط فلسطين و المستعمرات و الجدران العازلة تنهك قامات الفلسطينيين وتحاول الانقضاض عليها.
  الجمهور القليل في القاعة ذاتها التي شهدت حفلاً غنائياً سورياً قبل أيام ملأ المدرج وشهد حضور رسمي على العكس من أفلام اليوم،  تفاعل مع مشاهد السيدة التي دمر الاحتلال منزلها في مخيم جنين، وهي توجه رسائل بالإنجليزية عن معنى السلام بعد هدم منزلها، وقتل أقاربها، وهي لا تفرق في مشهد النهاية التي أسدل الستار عليها بين واشنطن وتل أبيب فكلتاهما برأيها تتسببان بما يحدث، وتتساءل: هل أنتم تقتلون جيرانكم؟؟
  في مقطع آخر من الفيلم الوثائقي، يجهد عضو مجلس تشريعي فلسطيني وطبيب بشرح حكاية الاجتياح الكبير لمخيم جنين، فالخريطة التي خلفها الجيش تظهر مساحة المنازل التي وضعت على قائمة الهدم، قبل بدء العمليات العسكرية، في وقت ربط ضابط إسرائيلي ذراع شاب فلسطيني بسلك من المعدن، ولم تنفع توسلات الطبيب في إمكانية تلقيه للعلاج…
 يخاطب الفيلم أيضاً بصوره الحضور، فيعرض لهم شهادات فتى شدّ وثاقه بقطع من النايلون لساعات طويلة.
 يصمت التوثيق الأول، وتسرع عيوننا تجاه فيلم الجدار، فيشرع متضامنون أجانب و شبان فلسطينيون بمحاولة يمنعها جيش الاحتلال لزراعة أشجار زيتون بدلاً من تلك التي استهدفتها أعمال التجريف العمياء لتشييد أطول جدار للفصل، يفوق سور برلين.
  يغرقنا شهود عيان فلسطينيون وإسرائيليون مناوئون للاحتلال، بعرض نماذج إنسانية عن معاناتهم وأحلامهم المسروقة ويوصفون للمشاهدين الأسلاك الإلكترونية وأنظمتها و مقاصدها الحقيقية.
 يعرف المشاهد أن قلقيلية المدينة ذات الـ45 ألف نسمة، قد هجرها بعض من سكانها، والسبب أنها تحولت لسجن عظيم، إذ أحيطت بجدران أسمنتية خرقت أراضيها ولم تبق لها غير بوابة وحيدة، وهو ما دفع عضو من جمعية" الهيومن رايتس ووتش" للقول بعد أن مكث في المدينة السجن،: فقط بقي على الاحتلال توفير ملابس و ثلاث وجبات طعام يومية للسكان، لأنهم تحولوا لسجناء!
  الموسيقى التصويرية للفيلم وشهوده الفلسطينيين والإسرائيليين وبعض المتطوعين الأجانب، تجعل المتفرجين رهائن للوجع الفلسطيني، وتختلط إشارات الناشط الإسرائيلي حاييم أنجيل الذي يتحدث عن مقاربة مؤلمة لحال الفلسطينيين وأولئك الذين يسكون المستعمرات.
 تختلط السياسة بأكواب الشاي التي تقدمها عائلة حسني زهران أحد المهددين بالعزل عن قريتهم القريبة من بيت لحم، وترفض العائلة الرحيل.
 ويقارن أنجيل بين المجتمع الفلسطيني صاحب التراث والطراز الطارئ من المستوطنين.
 يدمج المصور الإسرائيلي مايكل كريستمان الذي بدأ علاقته بالعدسة العام 1986، بين المشاعر الإنسانية للعائلات الفلسطينية والإسرائيلية التي فقدت أعزاءها.
 هنا خلفية لقلقيلية الأسيرة، وعلى الشاشة تتداخل الخريطة ذات الثقوب والبقع والطائرات العمودية والأحلام المسلوبة معاً، وبعدها يقول مكي كريستمان الناشط في جمعية بيتسيليم الإسرائيلية لحقوق الإنسان إن التوسع الاستيطاني ازداد بعد  التوقيع على اتفاقية أوسلو العام 1993.
 عميرة هيس الصحافية الإسرائيلية التي تسكن رام الله تتحدث كيف أصبح الفلسطينيون يتنقلون بتصاريح بين مدنهم وقراهم بفعل الجدار، ويشاطرها نظيرها جيرون بويرت الشعور، فيقول : عندما يسمع الأطفال الفلسطينيين عن اليهود فإنهم يتصورون الجنود فقط.
 تتجول العين الإلكترونية بين شطري أبو ديس القريبة من القدس ، والتي شطرها الجدار لنصفين، وتتحدث الكاميرا عن تسلق الأهالي للسور الطارئ للوصول إلى مدارسهم ومشافيهم وجيرانهم..
  سيكلف الجدار وفق مصادر إسرائيلية وبلسان الإسرائيلي أيضاً دانييال سييرمان  سبعة بلايين دولار، فيما فاطمة أسعد المدرسة الفلسطينية تروي حكاية من آلاف القصص المؤلمة عن سرقة أحلامها واجتثاث شجرها واضطهاد الفضاءات الخاصة بها.
 في لقطة أخرى، يقف عجوز فلسطيني فوق بيت يشرف على منزل مجاور راحت جرافات الاحتلال تنقض عليه وتهدم ذكريات أصحابه بدعوى أنه خارج على القانون.
 ليتسا بيندر اليونانية الأصل الأمريكية الجنسية، ورانجييار أكارتييار بريطانية الجنسية وبنغالية المولد، كانتا من بين الحضور، وبيندر التي راحت كوفية فلسطينية تطوق ذراعها تقول: من لم يزر الأراضي المحتلة لن يصدق ما يسمعه عن الجدار والمعاناة" ما رأيته بعد زيارتي شيء لا يصدق" هكذا قالت..
 أصبحت ليتسا ناشطة عفوية ضد الجدار، فقبل عدة أيام من ذكرى تقسيم فلسطين، نظمت في منزلها بولاية نيوجيرسي عرضاً لفيلم السلام  و الأرض الموعودة، وشهده أكثر من ثلاثين من أصدقائها وجيرانها، الذين تبرعوا بالمال لأصحاب البيوت المدمرة في رفح.
 أما رانجييارا، فهي ناشطة في جمعية للدفاع عن الأقصى و السلام في فلسطين، وتجهد نفسها في توزيع نشرات ومطبوعات وأخبار وتحليلات عن القدس والسلام المفقود.

Pages: 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25

Comments»

لاتوجد تعليقات - كن أول من يعلق .

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security text shown in the picture. Click here to regenerate some new text.
Click to hear an audio file of the anti-spam word