jump to navigation

رحلة الكاتب الالماني توماس بروسيج الى القاهرة - بقلم: توماس بروسيج

11 May 2008 مصنف في: توماس بروسيج

5 فبراير 2006

ضحى يوم الأحد. خلال عدة ساعات سأستقل الطائرة عائداً. إنطباعات الأسبوع الأخير كانت هي الأكثر غزارة طوال الرحلة. يوم الاثنين كان لدي قراءة (حضرها عدد محدود للغاية) في معهد جوته. قرأت من يومياتي التي كان يمكن متابعتها في ترجمتها العربية بواسطة برنامج "باور بوينت". خلال المناقشة تلقيت من مصرية نصيحة بأن أختلط أكثر بالطبقة الوسطى في مصر، وأن أتحدث مع المثقفين. أطعت واتبعت النصيحة، وكانت بالفعل فكرة جيدة.
كانت هبة شريف، مترجمة روايتي، هي الملاك الطيب الذي رافقنا في أيامنا الأخيرة. بفضلها تعرفنا بأشرف إبراهيم الصحفي والمؤرخ الفني الذي أجرى معي مقابلة صحفية في الأيام الأولى. تولى أشرف قيادتنا برفق، وطاف بنا في ربوع القاهرة، وقام باتصالات مهمة. بالأمس رافقنا عندما قابلنا الكاتب بهاء طاهر، وبفضله أيضا اتصلنا بالكاتب علاء الأسواني.
قابلنا بهاء طاهر، من مواليد 1935، في مكتبة "ديوان". لم يترجم له سوى كتاب واحد إلى الألمانية، رغم ذلك يُعد أفضل كتّاب مصر الأحياء. (لم أقرأ له شيئا، بينما قرأ هو الترجمة العربية لـ"شارع الشمس" – في مثل هذه المواقف أشعر دوما بالحرج البالغ). بهاء طاهر إنسان يحب الضحك – إنه يقتنص مجرد التلميح بنكتة لكي يفجّر قهقهة مجلجلة. نتحدث عن القاهرة والصحراء البيضاء ورحلته إلى ألمانيا الشرقية عام 1970، وعن معرض فرانكفورت للكتاب عام 2004 حيث كان العالم العربي ضيف الشرف. أجهل كل أسماء الأفلام والقصص والكتّاب التي يذكرها ("شيكولاته" / قصة لأبدايك تدور حول كاتب أمريكي يريد لقاء كاتب روماني منفي / فولفجانج هيلسهايمر). أما هو فلم ير فيلم بينجني "الحياة جميلة"، بل ولم يسمع به. الشجار حول مَن يدفع الحساب، يكسبه هو للأسف، وفوق ذلك يهديني أحد كتبه التي تُرجمت إلى الانجليزية ("الحب في المنفى") والتي يشتريها من أجلي في المكتبة.
 
 
ننطلق بعد ذلك لنقابل علاء الأسواني الذي حقق (وما زال يحقق) نجاحا ساحقا بروايته "عمارة يعقوبيان". يقوم هذا الكتاب بمحاسبة المجتمع المصري، مقدماً رواية سلسلة للغاية. تحكي روايته عن الرشوة والمحسوبية والتزمت الديني والرياء الأخلاقي والفساد المتغلغل في المجتمع. إنه يحكي عن مصر لا يستطيع أحد أن يصورها هكذا إلا مصري – أما إذا فعل كاتب غير مصري ذلك، فسيهاجم على الفور باعتباره معاديا لمصر. إنه كتاب شجاع، شجاع وجرئ للغاية. كتاب يتحدى الدولة والمخابرات وحراس الأخلاق والسلطات الدينية جميعا، لأنه يجعلهم مسئولين عن تردي الأوضاع في كافة المجالات. وليس النجاح الكبير للعمل – إذا أخذنا في الاعتبار الحساسيات السائدة – من البديهيات، بل إن مجرد ظهور الرواية يعتبر معجزة صغيرة، كما يؤكد العارفون ببواطن الأمور (وفي الوقت نفسه دليلا على الليبرالية).
علاء الأسواني، من مواليد 1957، طبيب أسنان، وقد استقبلنا في عيادته. إنه فخور بكتابه، ومن السهل أن يشاطره الإنسان بهجته. نظل معه ثلاث ساعات، نتحدث عن كتابه، وعن تحويله إلى فيلم (سيعرض في مهرجان برلين السنيمائي، وهو أغلى فيلم في تاريخ السنيما المصرية)، نتحدث عن المسرح وعن مشكلة الخروج عن النص، وعن طقوس الزواج الأمريكية وعن المنظمات الألمانية التي تتوسط لإيجاد شريك الحياة. بالطبع لا يحتاج الأسواني إلى ذلك، فهو رجل يتسم بجاذبية شديدة مثل غالبية الرجال المصريين. (ألم تقع الليدي ديانا صريعة الجاذبية المصرية؟) حصل الأسواني على ثلاثة عروض من دور نشر ألمانية لترجمة "عمارة يعقوبيان"، ونأمل في أن نتلاقى ثانية بمناسبة ظهور الترجمة الألمانية في الأسواق الألمانية.
 
 
في اليوم السابق حضرنا مبارة كرة قدم في دور الثمانية. هزمت مصر الكونغو 4/1. كانت الأجواء رائعة؛ لم يسبق لي أن شعرت يوماً في استاد رياضي بمثل هذه الأجواء المريحة. قست مرة أخرى منسوب الضجيج، أو بالأحرى أردت قياسه: > 114 ديسيبل، أي أن الضجيج فاق الدرجة التي يمكن قياسها بواسطة جهازي. قبل المباراة كانت هناك دقيقة حداد (استمرت حوالي 10 ثوان). سألت إبراهيم فرغلي الذي حصلنا بفضله على تذاكر الدخول عن سبب الحداد. أجاب قائلا: "شيء له علاقة بسفينة أو عبّارة …" ثم عرفنا من نشرة الأخبار أن سفنية قد غرقت في الليلة السابقة. مصرع ما يزيد عن الألف إنسان. إذا حدثت مثل هذه الكارثة في ألمانيا، فلن يتحدث الناس لمدة أسابيع عن شيء آخر، أما هنا فلا يكاد أحد يعرف عن الأمر شيئا. يتم - على كل حال - إلغاء حفل يقدم رقصات (صوفية). في هذا البلد يشتعل الغضب في الصدور بسبب رسوم كاريكاتورية ظهرت نهاية سبتمبر في صحيفة دانماركية. (الجملة [التي قالها أوسكار وايلد؟ مارك توين؟]: "لا شيء يبعث على الملل مثل صحيفة الأمس" تفقد بذلك معناها –لا شيء هنا يبعث على الاهتمام مثل صحيفة أمس قبل قبل قبل قبل قبل الأول.) وكما رأينا في أخبار هذه الليلة فإن الغضب لم يشتعل في الصدور فحسب …
في الأيام السابقة حاولت دائما أثناء أحاديثي مع مصريين من الطبقة الوسطى أن أقود دفة الكلام إلى الرسوم الكاريكاتورية. أتفهم أن يشعر المسلمون بالإهانة البالغة، أما حجم الشعور بالإهانة فلا أستطيع أن أفهمه؛ فلنقل إنه يقع خارج المنطقة التي يمكن قياسها بواسطة جهاز قياس الإهانة الخاص بي. المثقفون هنا يشعرون بالإحباط لأن الأوروبيين يجهلون المشاعر والحساسيات الإسلامية جهلا كبيرا. ورغم أنهم يعذروننا - نحن الأوربيين – لما لدينا من تراث طويل في عدم احترام الدين، ولما يعرفونه من حرية الصحافة، ولأنهم بالطبع لا يحملون الحكومة الدانماركية ذنب ما حدث – فإنهم يشعرون بخيبة أمل عميقة بسبب تجاهل مشاعر الناس هنا، ولامبالاة الغرب تجاه الحساسيات الموجودة في المنطقة. ورغم أنهم يطالبون بالحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان، فإنهم لا يجدون كلمة واحدة يدافعون بها عن الرسوم الكاريكاتورية.
 
 
وهكذا أجد نفسي بسرعة في المنطقة المعروفة التي تسكنها نظريات المؤامرة. إن المصريين عمالقة في هذا المجال، وفي هذه الحالة أيضا يجدون النظريات الملائمة: البعض يعتقد أن أوروبا تريد معرفة إلى أي مدى يمكنها السير في طريق إيذاء المسلمين. آخرون يعتقدون أن الحكومة المصرية وراء الموضوع، لصرف الناس عبر الرسوم الدانماركية عن المشاكل الجسيمة المطروحة حاليا على الساحة السياسية الداخلية. هذا ما يلفت نظري في هذا الشعب: إنه يجيد دوما القيام بدور الضحية؛ المصريون يفضلون أن يروا أنفسهم ضحايا. الأمر يشبه شخص يجرب جاكيتة في متجر، ويقف أمام المرآة ويستدير يمينا ويسارا، ويجد أنها تلائمه، فيقول: هذه هي.
عندما زرت مصر قبل أربع سنوات كان الانفعال كبيرا بسبب زيارة شارون للمسجد الأقصى، أما اليوم فإن الانفعال بسبب رسومات من أمس قبل قبل قبل قبل الأول. ماذا حدث لكم؟ لماذا تخرجون بسرعة عن طوركم؟ مسموح لي بأن أتساءل هنا، ولكنني لن أحصل على رد.
التقطت كيرستن صورة للافتة في سوبر ماركت لا يعرض منتجات دانماركية. وعندما تكلم معها أحد الحراس في المتجر، راحت تؤكد أنها ليست دانماركية.  If you are Danish, no problem – يقول لها الحارس. We are all human beings. ويحذرنا ألا نسيء استخدام الصور حتى لا نزيد الصراع اشتعالا.
لم أقم بالرحلة إلى الأسكندرية، كما لم أقم بأشياء أخرى كثيرة. دخنت شيشة، لعبت طاولة (وخسرت دائما)، وشاهدت في بطولة كأس الأمم الأفريقية حراس مرمى يثيرون الضحك … (بالأمس انتهت مبارة الكاميرون وساحل العاج بركلات الجزاء الترجيحية. لم أر مثل هذه الركلات: كل لاعبي الفريقين – 22 لاعبا – أدخلوا الكرة في المرمى، معنى ذلك: من بين 22 ضربة جزاء لم يصد حارس المرمى أي كرة. ولم تنته المباراة إلا عندما لعبوا ضربات جزاء مرةً ثانيةً، ثم صوّب إيتو – نجم الكاميرون الأسطوري الشهير بدقة تصويباته – الكرة في تجاه السماء الليلية.)
لقد تعرفت إلى أشخاص كثيرين سأسعد عندما أراهم مرة ثانية: أشرف الذي سأقابله مرة أخرى بكل تأكيد، إبراهيم فرغلي وهايدي، بسام وعلاء الأسواني وبهاء طاهر، ووو … وبدون مساعدة الألمان الخبراء بالمشهد المصري، كنا ضعنا هنا – لهذا أتوجه بجزيل الشكر إلى يورجن شترياك، وإلى هبة شريف، وأشكر كل العاملين بمعهد جوته في القاهرة والإسكندرية، وخصوصا إليزابيت وساره. وأتوجه بالشكر الحار إلى كل الفريق الذي وهبنا ثلاثة أسابيع متنوعة لا تُنسى!
إنني أرحل وفي قلبي شعور جميل: إنني أعرف بعد الرحلة أقل مما كنت أعرفه قبلها. هذا معناه: ستظل مصر تشغلني.

Pages: 1 2 3 4 5 6 7 8

Comments»

لاتوجد تعليقات - كن أول من يعلق .

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security text shown in the picture. Click here to regenerate some new text.
Click to hear an audio file of the anti-spam word