jump to navigation

رحلة الكاتب الالماني توماس بروسيج الى القاهرة - بقلم: توماس بروسيج

11 May 2008 مصنف في: توماس بروسيج

3 فبراير 2006

لقد أعلنت بصوت عال فيما كتبته في اليوم الأول أنني جئت إلى القاهرة كي أقدم وصفتي السحرية في مجال الصراع بين الحضارات. وفي اليومية التالية كتبت رقم تليفوني المحمول راجياً الحصول على إرشادات تفيدني في هذا الموضوع. قلت لنفسي: إذا كان المرء يستطيع عبر الإنترنت العثور على شخص يقوم بذبحه والتهامه*، فلن يخذلني التليفون. ولكن كيف كان الصدى؟ لم أحصل إلا على رسالة "إس إم إس" يتيمة من امرأة تدعي أندريا تنصحني بقراءة كتاب يبدو أنه لا ينتمي إلى جنس الأدب. ("الرقص بين الحضارات"، نعم، ألم أسكن في الأيام الأولى في فندق "فلامنكو"؟) لماذا لا يتصل بي أحد؟ هل هو عدم اهتمام؟ يأس؟ أم حيرة؟ أيتحتم عليّ إذن أن أقوم بكل شيء وحدي؟!
حتى أختصر الأمر: إنني أعتبر التعليم قضية جوهرية. ما سمعته عن نظام التعليم في مصر شيء تقشعر له الأبدان: المعلمون الذي يحصلون على مرتبات هزيلة لا يعلمون تلاميذهم في فترة قبل الظهر شيئا، وبعد الظهر يعطونهم دروسا خصوصية حتى يحصلوا على دخلهم الحقيقي؛ أما المضمون فإنه يقتصر على التلقين والحفظ عن ظهر قلب، ولا يهدف مطلقا إلى إعمال التفكير النقدي. المصريون يشكون أيضا من هذا الوضع. عديد من الآباء يتمنون إرسال أطفالهم إلى مدارس جيدة (أي أجنبية). في الوقت الحالي هناك ثلاث مدارس ألمانية في القاهرة. ولكن، ماذا إذا كانت عشر؟ إن اهتمام المصريين بإرسال أولادهم إلى مدارس جيدة اهتمام كبير. تعليم أفضل يعني فرص حياة أفضل. والألمان أيضا سيستفيدون من ذلك، فالتلاميذ الذين يذهبون إلى مدرسة ألمانية سيرتبطون طوال حياتهم بألمانيا. وبفضل المدارس الألمانية من الممكن إدخال الفكر الغربي في عقول الصفوة المصرية الناشئة. بالطبع لا أعني بذلك أن يقوم الغرب بتحريك المصريين أو العالم العربي عن بعد، ولكن جزءا كبيرا من أفضل المتعلمين سيكون عارفا  بالفكر الغربي والشرقي على حد سواء.
أعرف أن مثل هذه المقترحات ستُقابل في ألمانيا بالصرخة التالية: "ومن سيمول كل هذا؟" وأعترف أنه لا يمكن تمويل كل شيء من خلال مصاريف الدراسة. ولكن إذا كان – على سيبل المثال – الجزء الأعظم من المدرسين الألمان الذين يدرسون في الخارج من الشباب الذين يبدأون حياتهم المهنية، فمن الممكن عقد صفقة ما: مَن يقم بالتدريس عامين أو ثلاثة في مدرسة خارج ألمانيا مقابل مرتب قليل، فإن الحكومة الألمانية تضمن له بعد ذلك الحصول على وظيفة في ألمانيا. أما الشاب (أو الشابة) الذي ما زال في منتصف العشرينات وليس لديه الحماسة كي يقوم بالتدريس فترة ما في الخارج، فإن عليه أن يسأل نفسه عما إذا كان يصلح معلما. إذا قام معلمون ألمان بالتدريس عدة سنوات في هذا الجزء من العالم العربي، فسينمو التفاهم مع الآخر في ألمانيا: سيجلب المعلمون الألمان ألمانيا إلى المنطقة العربية، وسيجلبون الثقافة العربية معهم إلى ألمانيا. عندما نفهم الآخر، قد نستطيع أن ندرأ خطر "الصراع بين الحضارات". وأن نعرف ماذا يعني هذا الصراع.

إن المشاعر والعواطف تغلي هنا وفي أوروبا أثناء كتابتي لهذه السطور: أعني بذلك الرسم (أو الرسوم الكاريكاتورية) الذي (التي) يصور (تصور) النبي محمد إرهابياً. هنا يرون أنها إهانة بالغة للمسلمين وأنها تتخطى كل الحدود، إلى آخره. أما في الغرب فإنهم لا يقولون سوى إن هذه هي حرية الصحافة، وهي مقدسة بالنسبة لنا. وربما يكون هذا النقاش قد ازداد حدة لأن مقدسات كلا الجانبين تبدو – وبصورة نموذجية – في حالة صراع. هل نحن إذن في خضم صراع الحضارات؟ لست جبانا لدرجة أنني لا أعلن هنا عن موقفي.
إنني من أكبر المؤيدين لحرية الصحافة. وقبل المسلمين كان هناك عديدون تحتم عليهم باسم حرية الصحافة أن يبتلعوا إهانات بالغة. ولأنني من أكبر المؤيدين لحرية الصحافة فإنني أتساءل: هل نريد استخدام حرية الصحافة على نحو يؤكد لنا أحكامنا المُسبقة المشبعة بالإسلاموفوبيا (هذه الكلمة تعلمتها هنا) عبر مثل هذه الرسوم الكاريكاتورية؟ ولمذا يشعر المسلمون وحدهم بالإهانة؟ ربما أشعر أنا أيضا بالإهانة من هذه الرسوم لأنها تهدف بهذا المستوى – الذي ليس بمستواي – إلى الحصول على موافقتي وتصفيقي. لقد تعلمت سريعا أن المسلمين لا تعزيهم محاولات التهدئة وعقد المقارنات، مثلا عندما أحكي لهم أن المغنية الكاثوليكية شونيت أوكونور قد مزقت علناً صورة الآب المقدس، أو كيف يتعامل المسرح المعاصر مع أم الرب أو مع يسوع المسيح … كما أجد لزاما عليّ أن أعترف أننا أيضا لدينا محرمات، على عكس ما ندعي دائما. إحدى المناطق المحرمة لدينا هي – على سبيل المثال – معاداة السامية. (لا أشعر بأي قدر من الحنين إلى استخدام نوع من البلاغة معتاد هنا [هذا أيضا تحت مستوايّ]، ولكنني أجد عند كاتب مثل مارتين فالزر نوعاً من الشرطة الفكرية التي تقوم بين الحين والآخر بحملاتها – وهو ما لا يتناسب مع مجتمع متنور ليبرالي يتمتع بالسيادة.)
إنني أعتبر الرسوم الكاريكاتورية خطأ. رغم ذلك فإنني أعتبر أن من أهم إنجازاتنا في الغرب أن لدينا نظاما يسمح بوقوع مثل هذه الأخطاء. طالما هي ممكنة، فسوف تقع. وعندما تقع، فيجب أن يحدث ما يحدث عادةً بعد وقوع الأخطاء: على المسئولين (المحررين ورئيس التحرير والرسام) أن يعتذروا للمسلمين الذين لم يكن في نيتهم أن يجرحوا مشاعرهم. (أما إذا كانوا يريدون جرح مشاعرهم، فإنهم أغبى مما تصورت.) عندئذ نكون كلنا – هذا أملي – قد تعلمنا درساً. إذا كانت حرية الصحافة التي نقدرها تقديرا عاليا تعني أن الصحافة مسموح لها بأن تفعل كل شيء، فإن هذا لا يعني تلقائيا أن كل ما تفعله الصحافة الحرة لا غبار عليه.

*أصدقائي العرب: هذه الأمر الشنيع حدث بالفعل، وتحديدا في ألمانيا. رجل بالغ بحث عبر الإنترنت عن شخص كي يقوم بقتله ثم التهامه بعد ذلك. ثم وجد شخصاً، فتواعدا، وحدث ما حدث. ولم يعرف الرأي العام عن الموضوع شيئا إلا بعد مرور عامين ونصف. وحالياً يقف "آكل لحوم البشر" من مدينة روتنبورغ أمام المحكمة. أما اهتمام الصحافة بالأمر فهو هائل.

Pages: 1 2 3 4 5 6 7 8

Comments»

لاتوجد تعليقات - كن أول من يعلق .

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security text shown in the picture. Click here to regenerate some new text.
Click to hear an audio file of the anti-spam word