jump to navigation

رحلة الكاتب الالماني توماس بروسيج الى القاهرة - بقلم: توماس بروسيج

11 May 2008 مصنف في: توماس بروسيج

31 يناير 2006

كل يوم تمر بي دقائق فريدة، وهي تمر عدة مرات: عندما أقف في شرفة شقتنا على سطح "برج المصري" ويشرع المؤذن في تلاوة الآذان. في تلك الدقائق تصبح القاهرة جسداً من نغمات. شدو المؤذنين تختلط وتعلو ستين مترا فوق المدينة، متحولة إلى نغمة تذكّر بالطنين الذي يسود خلية النحل عندما يقترب إنسان. أو باللحظة التي تسبق بدء كونسير كلاسيكي عندما يظهر المايسترو ويضبط كل العازفين آلاتهم على نغمة واحدة … لعدة دقائق يستمر هذا النغم في المدينة التي تبدو كالمسحورة، إلا أنه يضمحل بنفس السرعة التي ظهر بها، وتتصاعد من القاهرة الأصوات المعهودة: كلاكسات ومحركات سيارات.
تقدم الصحون اللاقطة التي تزيد عن الآلاف، والتي تتلاصق على الأسطح، منظرا فريدا وهي تمد أعناقها في الفضاء كي تتصيد الموجات التي تحمل المعلومات.
في القاهرة تخوض العاصمة حربا ضد المدينة التي لا تتوقف عن التوسع؛ وليس واضحا من سينتصر. إن استمرار القاهرة في الحياة على هذا النحو لهو من المعجزات الصغرى: عدد سكان القاهرة يزيد بمقدار الضعف عن عدد سكان أكبر المدن الأوروبية، وبالرغم من تفاقم الفقر وانتشاره في كل مكان، ورغم أن الأقلية المسيحية كبيرة وتصلح لأن تكون عدواً للأغلبية – فإن الفقراء والأغنياء والمسيحيين والمسلمين نجحوا في التعايش مع بعضهم البعض. ليست القاهرة مدينة متوحشة مثل مانيلا (بالتأكيد هناك مدن أسوأ من مانيلا، أنا لم يسبق لي مثلا أن كنت في لاجوس)، وليست القاهرة مدينة معادية للمدينة مثل لوس أنجليس، كما أنها ليست برميل بارود مثل باريس.
إننا نسكن في الزمالك، وهو حي يذكر بعض الشيء بباريس، لأنه يتسم بحجم متمدن؛ فشوارع الزمالك ليست أعرض ولا أضيق من اللازم، وهناك محلات تجارية ومقاهي ومغاسل في كل مكان؛ البيوت ذات خمسة أو ستة طوابق، وفي كثير الأحيان أعلى أيضا. قد يفكر المرء في الأحياء الهادئة في باريس أو فيينا، لو - نعم لو - لم تكن حالة المباني على هذا الإهمال. الواجهات لونها – مبدئيا – بني أو رمادي، وتقريبا كل شيء يعلوه الصدأ، كل شيء متهدم، مبقع، مكسور، مُخَربَش، ملصوق عليه شيء آخر، معلق كيفما اتفق …  الطلاء دائما مقشر، المرايا نصف مظلمة. كان للمدينة يوما رونقها وبهاؤها، لا شك في ذلك. ولكنها تبدو وكأنها مهملة منذ عقود، مثل غرفة لم تُنظف من التراب أبدا، وما زال الغبار يتراكم فيها …
القاهرة مدينة متعددة الأوجه على نحو فريد، وغالبا ما تنفتح خلف الممرات الضيقة أو خلف مداخل البيوت عوالم بأكملها لا يعرف الواقف بالخارج عنها أي شيء. هناك دكاكين، وورش خياطة، ومقاهي ومطاعم صغيرة … الحياة المدنية مستمرة في الحارات والممرات والأقبية، لا وجود هنا للشعور بالخواء الذي يعرفه الألماني في الجراجات المتعددة الطوابق.
مؤخراً دخلنا حياً سكنياً (كلمة حي مبالغ فيها كثيرا)، الأزقة كانت من الضيق بحيث أن السيارات لم تكن تستطيع المرور، المنازل لا تزيد عن أربعة طوابق، السكان فقراء. بدا لي أن الناس يعيشون حياتهم في الشارع. الباعة متكدسون على حافة الشارع حيث كانوا يعرضون جبالا من الطماطم والبرتقال. القمامة تتكوم حولهم، الخرفان تسير بينهم، أو ترعى في الطوابق الأرضية أو في الشقق التي تحولت إلى حظائر. هنا وهناك كان يرى المرء خروفا مسلوخا معلقا، أو يرى ثلاثة رءوس خرفان في دلو. لا بد أن دماء البهائم كانت تسيل على أرضية الشارع قبل أيام فحسب، عندما ذبحوا الحيوانات. كان هذا الحي عالما بأكمله، وكأنه برلين الغربية مصغرة: عندما مشينا في حارة ووصلنا إلى نهايتها، تبدت لنا مرة أخرى القاهرة التي نعرفها – بسيارتها ذات الكلاكسات والخبطات والمرور الفوضوي.
 
 
عن قواعد المرور سمعت ذات مرة شيئا مقنعا من أورهان باموك: يعتبر الناس في اسطنبول قواعد المرور شيئا عقلانياً مجرداً، أي غربياً. الغربيون وحدهم هم من الغباء بحيث أنهم يقفون لمجرد أن الإشارة حمراء. ولذلك فإن أهل اسطنبول يرفضون قواعد المرور. الإنسان في الشرق حر وتلقائي ويتصرف وفق الموقف – لذا فهو ليس بحاجة إلى قواعد جامدة. غير أن باموك يحكي كيف تفجر صراع داخلي في صدر سائقه: كان الطريق مزدحما للغاية بالسيارات، والإشارة حمراء؛ إذا واصل السير حتى التقاطع، فإنه يكون قد قاد سيارته على النحو "الشرقي" – من ناحية أخرى كان يعلم أن عليه أن يقف عند الإشارة الحمراء، وإلا فلن يكون التقاطع خاليا من السيارات أبدا. شغلت هذه القضية سائق أورهان باموك: هل عليّ أن أقود السيارة على الطريقة الشرقية وأصل بسبب ذلك متأخرا؟ أم أن عليّ أن أخون الشرق كي أصل أسرع؟
المرور في القاهرة صورة مجسدة للتناقض: رغم أن كل السيارات بها خبطات وخدوش، رغم أنها – وكما كتبت سابقا – ليست سطحا مدهونا، بل سطحا من خبطات وخدوش – فإنني لم أجلس يوما في سيارة تنال خبطة من تلك الخبطات العديدة. (كنت أود أن أعرف الصوت الصادر عندئذ: هل هو "دوينك"؟ أم "أوفش"؟ أم أنه ببساطة "بوم"؟) متى إذن نالت السيارات كل هذه الخبطات الكثيرة؟
 
ثمة حي في القاهرة لم أر له مثيلا في أي مكان في العالم: إنه الحي الذي تحيا فيه زبالة القاهرة. الزبالة تُنقل إليه على عربات تجرها الحمير، ثم يتم فرزها. فرز الزبالة هذا يتم في البيوت. يقولون إن الفعالية التي تتم بها الاستفادة من الزبالة في القاهرة ليست موجودة في أي بلد صناعي، أما الفضل في ذلك فيرجع إلى الزبالين القاهريين. جبال من الزبالة تتكوم في حواري حي الزبالين، ووسطها تتمايل بسرعة السلحفاة عربات محملة عن آخرها بالزبالة تشبه عربات جمع الحشائش في أوروبا. رائحة العفونة تذيب الحجر، عندما سرنا في طرقات الحي فضلنا أن نمشي خلف سيارة ديزل حتى نستنشق العادم، ونرتاح قليلا من عفونة الزبالة. رغم ذلك فإن الناس يعيشون حياتهم هنا – وكالمعتاد – في الشوارع: مقاهي مفتوحة (وفيها مدخنو الشيشة ولاعبو الطاولة) باعة فيشار، جزارون يعلقون بالطبع هنا أيضا اللحم في الهواء الطلق. ليس أمامنا خيار آخر سوى إطلاق النكات، ثم يسيطر علينا الفزع، والغريب أن ذلك كان يحدث كلما رأينا الحمير الصغيرة التي تحيا هنا أيضا.
حي الزبالين مكان يزدحم بالمنظمات غير الحكومية والمؤسسات الخيرية. أما البرهان الأضخم على ما يفعلونه في الحي فيتجسد في الكنيستين اللتين شيدتا عبر تفجير الصخر. يقولون إن الأولى تسع 5000 إنسان، والثانية 20 ألفا (تقديري الشخصي: 2000 و 6000). تذكرني الكنيستان بالمسارح المدرجة. رأينا ساحات رياضية تمتلئ بالأطفال الذين يلعبون كرة قدم، وخشبات مسارح يتدربون فوقها. كل هذا يحدث وسط عفونة فظيعة لا تُطاق. سألنا أنفسنا: إذا ولد الإنسان هنا، ألن يشم العفونة أبدا؟
ملحوظة أخرى أعلن بها تصالحي مع الموسيقى العربية: مساء اليوم ذهبنا إلى حفل للموسيقى العربية. لا أعرف اسم الآلة التي كان يعزف عليها العازف المنفرد (على كل حال لم تكن جيتارا ولا باصا ولا درامزا ولا أورجا). كما أنني لا أعرف للأسف اسم العازف المنفرد (ليس على كل حال جون ولا باول ولا جورج أو رينجو). وصلنا متأخرين - وكيف لنا أن نعرف أن شيئا في القاهرة يبدأ في الموعد؟ أما العزف الذي أبدعه العازف المنفرد على الماندولين الضخمة، وبصحبته الكونتراباص والرق، فقد نال إعجابنا.

Pages: 1 2 3 4 5 6 7 8

Comments»

لاتوجد تعليقات - كن أول من يعلق .

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security text shown in the picture. Click here to regenerate some new text.
Click to hear an audio file of the anti-spam word