رحلة الكاتب الالماني توماس بروسيج الى القاهرة - بقلم: توماس بروسيج
11 May 2008 مصنف في: توماس بروسيج28 يناير 2006
لمدة يومين ونصف سُمح لي بأن أتحول من راوي مدينة إلى سائح عادي – رحلة إلى الصحراء السوداء والبيضاء. ثمن تذاكر الأتوبيس للرحلة التي تستغرق خمس ساعات إلى واحة البحرية 21 جنيه مصري، أي 3 يورو للشخص. "ليست هذه نقودا"، قلت لكيرستن. وعندما رأيت الأتوبيس الذي سيقلنا، قلت: "ولا هذا أتوبيس." (نفس الشيء يمكن قوله حول التاكسيات وأجرتها).
لا تختلف الواحة عن الصحراء إلا قليلا: إنها تبدو كمدينة بُنيت في الصحراء. في أماكن قليلة فحسب، مثلا حول فندق "هوت سبرينج"، تزدهر الواحة على النحو الذي يتخيله الأوروبي المتوسط الذي لا يدري عن الواحات شيئا. (فيما بعد قال لنا بيتر فيرت، مدير فندق "هوت سبرينج"، إن ماء الواحة نفد عام 1953، ومنذ ذلك الحين وهم يسحبون المياه من عمق 1000 متر. حتى 1953 كانوا يحصلون على المياه على عمق ثمانية أمتار فقط.)
أما الرحلة الصحراوية الحقيقية فقد بدأت من فندق "هوت سبرينج" بسيارة جيب كان يقودها حمودة البدوي. وصلنا الصحراء البيضاء قبل غروب الشمس بحوالي ساعة، وهناك أعد لنا حمودة عشاء على النيران التي أشعلها، وبعدها رقدنا لننام. (ولأنني سهرت طيلة الليلة الماضية فقد استغرقت على الفور في النوم.) نامت كيرستن في الهواء الطلق، أما أنا، الجبان، الطري، إلخ … (باختصار: الأديب)، فقد نمت في الخيمة.
الصحراء البيضاء معجزة الطبيعة، لم أسمع عنها من قبل: صخور من الحجر الجيري تسمو فوق رمال الصحراء وقد اتخذت عبر آلاف السنين (أم أنها ملايين السنين؟) أشكالاً لا تصدق: جمل، ودجاجة، وجه إنسان، مغارة، ثمرة فطر ضخمة كأنها سحابة نووية، وثمار فطر أخرى متنوعة … الصور التي التقطناها تبدو مثل صور ألاسكا.
المغامرة الحقيقية لم تكن رحلة السفاري وسط الصحراء، بل الرحلة بالأتوبيس، في الذهاب والإياب على حد سواء. ليس سهلا أن تعثر على محطة الأتوبيسات في مدينة يسكنها 15 إلى 18 مليونا، ولن تعرف ما إذا كانت هي المحطة الصحيحة إلا بعد وصولك. أثناء رحلة العودة لا بد أن تتوقع أن يقول لك السائق في أي مكان يحلو له في المدينة ذات الـ 15 إلى 18 مليونا أن الرحلة تنتهي هنا. لو لم يكن المصريون خدومين، لشعرت أنك مثل ضحية إحدى عمليات الاختطاف إثر إطلاق سراحها في مكان مجهول.
الرحلة نفسها: لا شيء يعمل تقريبا في الأتوبيس – إلا مكبرات الصوت. في رحلة الذهاب مضت أربع ساعات طويلة منحنا فيها سائق الأتوبيس الفرصة كي نحب موسيقاه. لم نقتنص الفرصة. (أتحدث بصيغة الجمع، لأن الأتوبيس كان يضم بالإضافة إلينا، نحن الألمان، يابانيين وكوريين وأستراليين وأمريكيين). ما كادت الموسيقى تصمت في الساعة الأخيرة حتى انهمك الراكب المصري الجالس خلفي في استكشاف تليفونه المحمول، فراح يجرب كل نغماته. (لعله كان يقرأ الأفكار، فعرض علينا – بعد أن عانينا من المقطوعات الهابطة من الموسيقى العربية – فظائع الموسيقى الغربية، وبذلك اتجهت لعناتنا إلى الشرق والغرب معاً).
لم يكن اليومان والنصف مجرد رحلة سفاري ومغامرات في الصحراء. كانت الرحلة ثقافية أيضا، أو على نحو أدق: لسد ثغرات في ثقافتي. كنت أعتقد دوما أن الصحراء تكونت عبر تقطيع أشجار الغابات أو تآكل التربة إلخ – أي أنها كارثة بيئية سببها الإنسان. غير أنها - كما تعلمت الآن - لم تكن كذلك. تكونت الصحراء مع نهاية العصر الجليدي في أوروبا، أي في عصر لم يكن فيه البشر في وضع يسمح لهم بأن يقطعوا أشجار غابات في حجم الصحراء الكبرى، حتى لو كان الأمر استغرق قرونا. معنى ذلك أنه عندما تم تحرير ألمانيا من الجليد، وعندما نشأت في ولاية ميكلنبورج الألمانية (وفي الدول الإسكندنافية بالطبع أيضا) أراضي صالحة للزراعة، تعرض شمال أفريقيا إلى الجفاف، إلى أن انهار النظام الإيكولوجي بسبب نقص الأمطار. وهكذا فإنكم ترون، يا جمهوري العزيز: حتى في ذلك العصر كان الشمال يعيش على حساب الجنوب … ليس هذا فحسب: عبر الأسطورة القائلة إن الإنسان هو الذي تسبب في نشأة الصحراء تتم التعمية على مسئولية الشمال في ذلك. ولهذا فإنني أنادي بوضع الأموال التي تم توفيرها من خلال برنامجي لإنعاش الاقتصاد (انظر مقالتي قبل الأخيرة) في برنامج إغاثة إنمائي لاستصلاح الصحراء. وإذا كان ذلك ممكنا من الناحية التكنولوجية، فإن علينا - نحن الأوربيين – أن نعمل على عودة الوضع القديم، وذلك بالتسبب في نشأة عصر جليدي جديد. وبالمناسبة: من الممكن أيضا إرسال كل الكتاب الذين يعتبرون أنفسهم مصلحي الكون إلى القمر، ولن يسمح لهم بالعودة إلى الأرض إلا إذا نجحوا في تحويل وجه القمر الضحوك إلى ابتسامة شماتة عريضة.

Comments»
لاتوجد تعليقات - كن أول من يعلق .