jump to navigation

رحلة الكاتب الالماني توماس بروسيج الى القاهرة - بقلم: توماس بروسيج

11 May 2008 مصنف في: توماس بروسيج

24 يناير 2006

.بالأمس قرأت في معرض الكتاب مقتطفات من اليوميات التي كتبتها حتى الآن. أثارت بالطبع مناقشات. ولكن ما تخوفته لم يحدث؛ أعنى أن يقفز رجال ملتحون منفعلون، يلمع الشرر من عيونهم، ويقذفون في وجهي سيلا لا ينتهي من الكلمات غير المفهومة. حتى عند الاختلاف في الرأي يبقى المصريون مهذبين للغاية. أكبر المشاكل في نظر منتقديّ هي أنني أتجرأ – رغم جهلي – وأكتب عن القاهرة والمصريين والثقافة العربية. وأنا أتفهم هذه التخوفات تاما. الشعور المسيطر عليّ، عندما أنشر رأيي حول أمور لا أفهم فيها كثيرا، هو أيضا شعور غريب (وغير مريح خصوصا). قبل أن أنشر عملا أدبيا أتمهل سنوات أقضيها في التأمل والكتابة والتنقيح. إنني لا أكتب إلا عن الأشياء التي أعرفها، أو إنني أصبح خبيرا عبر انشغالي بشيء. هنا الأمر مختلف: إنني هاو – رغم ذلك أكتب وأنشر ما أعتبره عادةً مسودة أولى للكتابة مباشرة على الشبكة الاليكترونية. وبذلك فإن الضلال والخطأ لا يمكن تجنبهما. كما أنني لا أشعر بالراحة لأنني أعمل في هذه اليوميات عملا "غير فني". اللغة والسبك والشعور الجارف: كل هذه أشياء لا أهتم بها مطلقا في حالتي هذه. المهم هنا – بمجرد أن أعيش شيئا أو أفكر فيه أو أشعر به – أن ينشر ويُتاح أمام جميع القراء. يقترب ما أفعله بالطبع من الصحافة أكثر من اقترابه من الأدب. رغم أنني أتلو دائما قصائد مديح للأدب لأنني أتمهل وأنا أكتبه، ولأن المسافة بين الحدث والوصف من الممكن أن تكون كبيرة …
إلى جانب ذلك فإن "اليوميات" ليست بيوميات: لا يفكر الكاتب في المعتاد أثناء تدوين يومياته  في النشر (نأملُ ذلك). أما أنا فأعرف لحظة الكتابة أن كل ما أدونه يستطيع أي شخص أن يقرأه.

 
اللافت للنظر أن بعض السلوكيات التي وصفتها على نحوٍ أستطيع إطلاق كلمة "حيادية"عليه، هي تحديدا التي أثارت انتقادات المصريين. ربما يرجع ذلك إلى كوني من برلين، حيث لا يمكن أن يحصل المرء على مديح أكثر من عبارة: "لا تستطيع الشكوى!" فإذا شعر البرليني نفسه بأن هذا المديح ضعيف جدا فإنه يقول – وهذه هي بالفعل الذروة في ثقافة المديح البرلينية: "أنت بالفعل لا تستطيع الشكوى!" هذا يعني أن البرليني (أي أنا) يشكو دائما، إلا إذا مر به شيء رائع … فإذا لم يرتفع صوت البرليني بالشكوى والنقد والسخرية والاغتياب – فإنه ليس برلينيا. إننا لا نستخدم كلمات مثل: "رائع، عظمة، رهيب!" – هذه كلمات هُربت إلينا.

 
تبدو القاهرة مدينة لم تتطور فيها كثيراً فضيلة إصلاح الأشياء. السيارات (والتاكسيات خصوصا) ليست إلا خردة على عجلات، صاج السيارات ليس به خبطات وانبعاجات، كلا، إنه لا يتكون إلا من خبطات وانبعاجات. رأيت مؤخرا سلما متحركا، معطلا بالتأكيد منذ 25 عاما. درجتان نزعتا بالكامل من مكانهما، ثم وضع لوحان من الحديد الصلب كي يخطو فوقهما الناس (فالسلم المتحرك هو المدخل الوحيد لعمارة سكنية). مرعوبا لاحظت قبل يومين أن أحد المصاعد في العمارة التي أسكن بها لا يعمل. تخيلت – عندما يفتحونه أخيرا بعد عشرين عاما – أنهم لن يجدوا إلا ثلاثة هياكل حديدية … ولكن اليوم – يا للمعجزة!! – كان يعمل.

 
لم أدع الفرصة تفلت مني كي أشاهد إحدى مباريات كأس الأمم الأفريقية: مصر ضد المغرب. أقيمت المباراة مساء اليوم في استاد القاهرة وانتهت بالنتيجة التي تنتهي بها المباريات دائما عندما أذهب للاستاد: صفر/صفر. ولكنها كانت مع ذلك جميلة جدا. وخاصة لأن الأجواء بأكملها كانت من صنع جمهور المتفرجين نفسه؛ خلافا لما يحدث في ألمانيا حيث يتم عبر الميكروفونات، وفي كل مناسبة ممكنة، سكب الضجيج الغزير على رءوس المتفرجين، فإن المتفرجين هنا الذين يقدر عددهم بحوالي 70 ألف (وليس التقنية في الاستاد) كانوا هم مصدر الضجيج. في تليفوني المحمول (نوكيا 5140) هناك مقياس للصوت، وقد وصل إلى 112 ديسيبل. (كما قلت، إننا نتحدث هنا عن صفر/صفر). فوجئت أيضا بوجود عدد كبير من النساء بين الجمهور، بالتأكيد أكثر من الربع. النظام الأمني كله كان مزاحا، لا مقارنة مع ألمانيا. ما أجمل ذلك. ففي بطولة العالم لن نرى أشياء كثيرة، إذ أن اصطحاب الأعلام والرايات ممنوع. أمر سخيف جدا. فاستاد مثل هذا، ملئ بأناس يلوحون بالأعلام ومجانين كرة، يعطي منظراً جميلاً، عندما تراه "لا تستطيع الشكوى".

 
في الاستاد كان معنا (أي كيرستين وأنا) إبراهيم فرغلي الذي كان قبل عام ونصف بفضل "مداد" راوي مدينة شتوتجارت. بعد المباراة دعانا إلى بيته حيث أطعمتنا زوجته وجبة مصرية لذيذة للغاية. أنت بالفعل لا تستطيع الشكوى! مساء قبل أمس رأيت حوالي 200 قاهري يرقصون ويغنون في احتفال أقامته فرقة موسيقية مصرية وأخرى ألمانية. هناك شكوك تحوم في رأسي: يبدو أن المصريين يستطيعون الاستمتاع بالاحتفالات، والطهي الممتاز، كما أنهم مجانين كرة – هل هم مثلا الإيطاليون بين الأفارقة؟

غدا نسافر إلى الصحراء. من المعروف أن عدد الذين غرقوا في الصحراء أكبر ممن ماتوا عطشا. سأتجاهل هذه المعلومة ولن آخذ نظارات غوص.
آمل أن يكون لدي "فكاهة جافة" بعد عودتي من الصحراء.

Pages: 1 2 3 4 5 6 7 8

Comments»

لاتوجد تعليقات - كن أول من يعلق .

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security text shown in the picture. Click here to regenerate some new text.
Click to hear an audio file of the anti-spam word