رحلة الكاتب الالماني توماس بروسيج الى القاهرة - بقلم: توماس بروسيج
11 May 2008 مصنف في: توماس بروسيج21 يناير 2006
يُقام معرض القاهرة للكتاب – إنها على كل حال الدورة الثامنة والثلاثون – على أرض معارض واسعة، مباشرة بجوار استاد القاهرة الدولي. حوالي 15 قاعة موزعة على أرض المعارض. التوافد الكبير إلى المعرض يلفت الانتباه، الطوابير أمام المدخل تتعدى في كثير من الأحيان المئة متر. بالأمس أغلقوا المعرض فجأة قبل الحادية عشرة صباحا. السبب: في المساء ستقام في الاستاد المذكور مباراة الافتتاح في بطولة كأس الأمم الأفريقية بحضور مبارك، ورجال الأمن المسئولون عنه أمروا بإغلاق المعرض. كل البرامج والفعاليات التي تم تنظيمها لمدة أسابيع وأنفق عليها إنفاقا غاليا - ذهبت مع الريح! في اليوم السابق كان وزير الخارجية شتاينماير ضيفا على المعرض. لأول مرة في حياتي أعي إلى هذا الحد أن السياسيين يعيشون أحيانا حياة مشوهة وتستحق الرثاء. دخل الوزير إحدى القاعات، ألقي كلمة استغرقت نحو نصف ساعة أمام حوالي 300 شخص، لم يفهمها سوى من يتحدث الألمانية (صحيح أن أربعة مترجمين فوريين كانوا موجودين بالقاعة، ولكن السماعات – إجمالا حوالي 60 – كانت في الأغلب موضوعة فوق المقاعد المحجوزة للوفد الألماني). بعد الكلمة شق طريقه وسط المعرض محاصرا بالصحفيين. تجاهل البوفيه الذي أعد له، وواصل طريقه. المحطة الأولى كانت بعد حوالي 200 متر، أمام مدخل الجناح الألماني: جدار خشبي به ثقب في حجم كرة قدم. (حتى وزير الخارجية الألماني يتم استخدامه في خطة الدعاية التي تقدم كرة القدم وألمانيا على أنهما شيء واحد.) ولكن المكان يزدحم بالمصورين، ولذلك لم يكن بقدور وزير الخارجية أن يصوب الكرة في الثقب، لأن الصحفيين الذين احتلوا أفضل الأماكن يسدون الطريق أمام المرمى، ولم يحدث أبدا من قبل - كما هو معروف - أن قام مصور بإخلاء مكانه. لم يصوب وزير الخارجية تجاه أي مصور – لقد ركل الكرة ببساطة في اتجاه الجدار الخشبي، ثم دخل القاعة. في الجناح الألماني شق الموكب طريقه ببطء وبلا هدف تقريبا. في كل دقيقة تقريبا كان شخص ما يُدفع دفعاً في طريق وزير الخارجية، لكي يقول ما قد حضّره: التعريف ببرنامج للترجمة، التقليب في صفحات كتاب أطفال، التأكيد على مشروعات التعاون. وعندما دفعوا بي أنا أيضا في طريقه، كان خائر القوى إلى درجة أنه اعترف على الفور أنه يعرفني. شرحت باختصار سبب حضوري إلى هنا، وعرفت بجمل قليلة مشروع "مداد"، ثم تركته يواصل طريقه. شعرت بعد ذلك بأنني مثل أحد العُبط الكثيرين الذين يضايقون الآخرين في فيلم وودي ألن Stardust Memories، والذين لا يتوقفون عن الكلام ومحاولة إقناع ساندي بتس (قام بدوره وودي ألن). ما هي حصيلة هاتين الساعتين (لم يكن مسموحا له خلالهما أن يذهب إلى دورة المياه) بالنسبة إلى إنسان مثل وزير الخارجية؟ ربما، لا شيء على الإطلاق. لماذا يسمح لهم بذلك؟
مر على وصولي إلى هنا حوالي أسبوع ، ولست راضيا تماما عن نفسي. أريد أن أخرج من هذه الدائرة المحيطة بي، دائرة معهد جوته ومعرض الكتاب والصحفيين. إنني في القاهرة أساساً حتى أعرف شيئا عن البلد والحياة. سُئلت اليوم عما إذا كنت أتخيل أن أعيش هنا مدة أطول – فأجبت بالنفي. سأتحمل نصف عام على أكثر تقدير. ولكن، إذا لم أعش هنا كضيف فحسب، إذا وجدت مكاني في المجتمع، وخضعت للقواعد السائدة متقبلا إياها باعتبارها أمرا مفروغا منه – أعتقد أنني عندئذ، على أبعد تقدير، سأشعر بالحنين إلى الوطن. (أفضل في حالة الشك أن أكون ألمانيا.) سمعت عن حركة السير البطيئة دائما، وسمعت أنها متعمدة سياسياً: مَن يقضِ عدة ساعات يوميا في زحمة السير، سيكون في المساء متعبا جدا، ولن تكون لديه الطاقة كي يعمل بالسياسة ويعارض الحكومة. لقد رأيت اليوم أيضا كيف أثار سائق تاكسي غضب أحد رجال الشرطة، لمجرد أنه توقف لنا كي نركب، فالشرطي كان يريده أن يواصل السير. سجل الشرطي رقم السيارة، وسيحصل السائق على غرامة مالية. أي أن الحياة هنا مترعة بالتعسف والظلم. بالطبع لست ضحية هذا التعسف، ولكنني سأتعرض له لو عشت هنا.
والآن، وكما وعدت، يأتي وقت التحدث عن برنامج الإنعاش الاقتصادي المستلهم من مصر، وهو برنامج لا يكلف في الحقيقة شيئا. مربط الفرس هنا هو المال العزيز. من المعروف أن "الألمان يتشبثون بالمال" و"ينفقون أقل القليل"، وأنه "بدون تزايد الطلب في السوق الداخلية" لن "يحدث انتعاش اقتصادي". إن المصريين يشيرون لنا إلى الطريق الصحيح: الأوراق النقدية المصرية مهترئة وقبيحة – شيء كهذا لا يريد المرء أن يحتفظ به طويلا في محفظته، المرء يفضل أن ينفقه، وبأسرع ما يكون. (حتى أكون صادقا: لم أجرؤ على شم هذه الأوراق النقدية؛ وأخشى أن المثل القائل "الفلوس لا تتعفن" يصطدم هنا بحدوده.) أما أوراق اليورو النقدية عندنا فهي العكس تماما. نظيفة، تبدو دائما مثل الجديدة، وتكاد تفتح الشهية. لا شيء يرغمنا على التخلص من تلك النقود. ولذلك ينبغي غسل كل أوراق اليورو النقدية عند درجة 95، ثم تجفيفها بسرعة 1200 لفة في الدقيقة حتى تنثني وتهترئ تماما، وفي نهاية الأمر يتم إغراقها في المجاري أو محطات الصرف الصحي. بعد ذلك تُجفف، وتُوزع على الشعب. فإذا لم يحدث إثر ذلك الانتعاش المطلوب في دورة المال، فلا أعرف أنا أيضا ما ينبغي عمله.
إلى ذلك قامت كيرستن بتنظيف الشقة تنظيفاً فائقا، ونقلت قطع الأثاث من مكانها، ونفذت بنجاح برنامجا إجرائيا شاملا للراحة السكنية. مساء أمس قمنا بتشغيل الساونا للمرة الأولى. خلال ذلك انصهر الغلاف البلاستيكي المحيط بالمصباح في الساونا انصهارا كليا. منظره "شِديد" جداً!

Comments»
لاتوجد تعليقات - كن أول من يعلق .