رحلة الكاتب الالماني توماس بروسيج الى القاهرة - بقلم: توماس بروسيج
11 May 2008 مصنف في: توماس بروسيج18 يناير 2006
ماذا حدث في الفيلم البوليسي الإيكولوجي؟ لم نر "محرك الخيوط" من "السلام الأخضر" مرة أخرى، ولكن، لا أحد لا يفتقده. هل سافر ببساطة عائدا إلى وطنه؟ لقد استطعنا قراءة شيئا عن مهمته على صفحة الإنترنت لمنظمة "جرين بييس": الموضوع يتعلق بحاملة الطائرات الفرنسية "كليمانكو" التي خرجت من نطاق الخدمة، ومن المقرر أن يتم تفكيكها على سواحل المحيط الهندي، ثم يتم إلقاء أطنان من مادة الأسبست السامة إلى عمق المحيط. أي أن "الكليمانكو" تشبه في آن واحد "قصر الرئاسة" في برلين الشرقية سابقاً ومحطة النفط الاسكتلندية "برنت سبار".
في الأيام الأخيرة حدثت بعض الأشياء: لقد انتقلنا من الفندق إلى شقة خاصة ربما تكون بنيت بدون ترخيص فوق سطح عمارة سكنية ذات ستة عشر طابقا. لدينا شرفة هائلة الاتساع تطل على الأهرامات، و"ساونا" خاصة وأثاث غريب الذوق للغاية. شيء ما تفوح منه عفونة تشبه بول القطط، لو كنت أعرف ما هو، لكنت وضعته على الشرفة. رغم أننا هنا لسنا في الفندق حيث نستطيع الاتصال بموظفي الاستقبال لدى ظهور كل مشكلة صغيرة (وفي مصر تترصد بك المشاكل الصغيرة في كل مكان)، فإنني سعيد أننا انتقلنا إلى هذه الشقة: أن تجلس فوق الجميع وتنظر إليهم من عل: هذا هو المكان الجميل المناسب لراوي المدينة.
عن القاهرة سأكتب فيما بعد.
ليست الشقة وحدها هي التي تدخل بعض الحماس إلى حياتي السياحية إلى حد كبير. لقد تم افتتاح معرض الكتاب، وبالأمس التقيت لقاءا دافئا مع الشاعر جرجس شكري الذي تعرفت إليه عام 2002. واليوم أجريت أولى مقابلاتي الصحفية. مساء قبل أمس تابعت ندوة تناقش فيها حول التسامح السيدة مديرة معاهد جوته ووزير الأوقاف والشئون الدينية في مصر وأستاذ قانون مصري. كان نقاشا شيقا للغاية – لأن النقاش كان يسير في طريق مسدود تماما! إذا كان "الغرب" (هنا: يوتا ليمباخ) يقول "إن التسامح لا غنى عنه"، فإن الإسلام يقول (هنا: محمود حمدي زقزوق والأستاذ أحمد كمال أبو المجد): "بالضبط، والحمد لله أن القرآن يعلمنا التسامح". لقد دُهشت إلى حدٍ ما لقدرة المصريين على المحاجاة بالقرآن. فيما بعد خامرني الظن أن القرآن هو الكتاب الوحيد المهم هنا. (بالطبع لن أرفع صوتي بهذا الرأي علانية، بل أبوح به سرا في دفتر يومياتي.) عندما يتحاجج الغربيون فإنهم يستشهدون بأقوال شكسبير أو جوته أو هيجل أو كانط، ويرجعون إلى الدستور أو إلى أينشتاين أو بريشت، أو الإنجيل أيضا. عندما يتحاجج الروس يشيدون فلسفتهم الخاصة التي تكون مجنونة ولا تدحض وفريدة مثل الذي يبشر بها. أما هنا فيبدو أن هناك إجماعا على أن كل ما له أهمية مذكور في القرآن، ولا شيء مُهماً لم يُذكر في القرآن.
اليوم كان حفل الاستقبال في الجناح الألماني بمعرض الكتاب؛ ألمانيا ضيف الشرف، وبالتالي فإن التزاحم على الجناح كبير. أربعة متحدثين ومتحدثات من هيئات ألمانية تحدثوا إلى "الإسلام" بصفتهم ممثلين "للغرب"، وقد تحدثوا – هكذا كان انطباعي – كما يتحدث الإنسان مع مخبول يحاول المرء إقناعه بالتخلي عما ينوي فعله. "حوار الحضارات" الذي تلوكه الألسن ليس إلا محاولة تتسم بالصبر والحذر والعناد لإقناع المسلمين. (يبدو كلامي أعوج للغاية، ولكنني أكتب الساعة الواحدة والنصف فجرا، إذا كان هذا عذراً)
ربما سيكون الأصدق إذا قلنا: نحن خائفون منكم. نحن خائفون رغم أننا نعرف أننا أقوى منكم.
ليس المصريون من الذين يتمنون أن يخشاهم الآخرون. إنهم شعب يتسم بالود والدفء. بسرعة شديدة ينادونك بـ my friend (لا يفعل هذا الباعة المتجولون وحدهم)، أما الشعور بالأمان فهو ظاهرة: أنت تبدو مختلفا، ورغم ذلك تستطيع أن تتحرك في الأحياء الفقيرة دون شعور بالانقباض، بل ويمكنك أن تخترق حلقة من الشباب. صحيح أن النساء قد يتعرضن لمضايقات أحيانا، ولكن المرء لا يشعر بالخطورة أبدا. غير أننا نشعر الخوف، وذلك يعود إلى أننا نعرف عن بعضنا البعض أقل مما يلزم. ولسد هذا النقص كان مشروع "مداد" الذي رحلت في إطاره مع بعض الزملاء إلى المنطقة العربية. مَن يقضي هنا بضعة أيام لا غير، يكتشف بسرعة كم يدعو للسخرية ذلك المقياس الذي تسلل إلى تفكيرنا في ألمانيا، مقياس "الحجاب": كلما زاد عدد المحجبات في الشارع – كما نرى في الصور التلفزيونية في برامج الأخبار اليومية أو الأسبوعية – زادت قابلية المجتمع للتطرف والإرهاب.
لا أريد التحدث عن الحجاب. أفضل التحدث عن الفقر والحكومات الفاسدة والانفجار السكاني. في كتابه "1979"، الذي يأخذ القارئ إلى فترة الاضطراب التي أعقبت الثورة الإسلامية في إيران، يورد الكاتب كريستيان كراخت – وهو من ضيوف معرض الكتاب أيضا – الكلمات التالية على لسان رجل إيراني: "في هذا البلد يبدأ الآن تقويم جديد لا تطوله يد أمريكا. ليس هناك سوى شيء واحد يمكن أن يقف في وجه أمريكا، شيء واحد يمتلك القوة اللازمة: الإسلام. كل ما عدا ذلك مصيره الفشل. أما الآخرون فسوف يغرقون في البحر ذي الزبد الكثيف المكون من الكورن فليكس والبيبسي كولا والتهذيب المتكلف."
نعم، إن المعارضة التي تتمتع بأكبر مصداقية تجاه أمريكا، المعارضة الأكثر استقامة وقوة الآن هي الإسلام الراديكالي. إن نظاما كنظام الشاه الذي كانت تسانده أمريكا ويكرهه الشعب، هذا النظام يوحد الناس في ظل الإسلام الراديكالي. ولأن عدد المواليد يتزايد، تتزايد أيضا المعارضة، فالأطفال يكبرون، ويشبون ويشتد عودهم. السنوات التي تسبق أو تلي العشرين هي سنوات الغضب والمعارضة والتصميم الراديكالي. فقدان الأمل يغذي هذا التصميم. سيكون من العبث أن يمحو الكورن فليكس والبيبسي كولا هذا الحماس المشبوب. الأمر أكثر من هذا. الأمر يتعلق بطبقات كاملة من الشعب تشعر مثلما يشعر فويتسك بطل بوشنر: لقد خدعوهم وسلبوهم حياتهم، سخروا منهم وهمشوهم؛ إنهم لا يملكون شيئا ولا يفيدون بشيء.
كانت هذه تأملات سوداوية ونظرية، آمل أن أكون بذلك قد تخطيت المنطقة الكئيبة في يومياتي. فأنا ما زلت أتطلع إلى العثور على المعادلة الكونية، الوصفة السحرية في "صراع الحضارات". كما أنني على استعداد لتلقي نصائحكم ومناقشتها (بالإنجليزية أو الألمانية) على هاتفي المحمول في القاهرة: 0104754169.
ليس من الضروري أن تكون المعادلة عالمية، سأقنع أيضا بمعادلة أصغر. في يومياتي القادمة سأبوح بنتائج استلهمتها من زيارتي لمصر فيما يخص الرواج الاقتصادي، وهو إجراء لن يكلف شيء تقريبا، ومع ذلك فإن تأثيره كبرنامج لإنعاش الاقتصاد. على الألمان أن ينفقوا المزيد من المال – وأنا أعرف كيف.
إلى لقاء قريب!

Comments»
لاتوجد تعليقات - كن أول من يعلق .