jump to navigation

رحلة الكاتب الالماني توماس بروسيج الى القاهرة - بقلم: توماس بروسيج

11 May 2008 مصنف في: توماس بروسيج

c22.jpg     c11.jpg      c33.jpg      

16 يناير 2006
وصول
ركبنا الطائرة يوم الجمعة، 13 يناير. الخوف من الطيران يرعب زوجتي كيرستن. قبل الهبوط راحت الطائرة تدور حول المطار دورة إضافية، أي أننا ظللنا نحلق حوالي عشر دقائق في الجو، وخلالها – هكذا تشعر كيرستن – كنا ننعطف انعطافات حادة في الصحراء. كنت أرى أشجارا، أحيانا مصفوفة صفاً، وأحيانا أخري غارقة تماما في رمال الصحراء. (القاعدة رقم 1 بالنسبة لي عندما أسافر إلى بلاد غريبة: اجلس بجانب الشباك!) لم نر شيئا من القاهرة نفسها، فالمطار يقع خارج المدينة قليلا.

بسرعة تنتهي إجراءات تأشيرة الدخول (ليس هذا أمرا بديهياً)، أيضا نجد في انتظارنا إليزابيت من معهد جوته وسائقها. نستقل "الميني باص" الجديد (الذي اشترته منذ عام ونصف). تعرفنا إلى إليزابيت منذ أربعة أعوام بالتمام والكمال عندما كنا ضيوفا على القاهرة.
هذا هو اليوم الأول. عليّ أن أجدد علاقتي بهذا المدينة، وبهذا البلد. رحلتي الأولى كانت بعد أشهر قليلة على الحادي عشر من سبتمبر، وكانت شيقة إلى أقصى حد. آنذاك، في ظل الأجواء المتوترة، فهمت أشياء كثيرة للغاية حتى أنني أخشى أن أتجول هذه المرة عبر البلاد بنظرة مَن يعتقد أنه يعرف كل شيء.
اتجهنا إلى فندق "فلامنكو"، واستطعنا أن نصل بسهولة. للفندق جاذبية عتيقة، كل شيء مستهلك وخَرِب بعض الشيء، ولكنه صالح للسكن. في المدخل جهاز للكشف عن الأشياء المعدنية. العاملون يبتسمون لنا بود. فيما بعد أخذنا نبحث عن النادي الصحي (آملين أن نجد ساونا)، ولكن دون جدوى؛ يقولون إنه في الطابق الثامن. غرفتنا تطل على النيل، ومن أسفل تتصاعد بدون توقف كلاكسات السيارات. يستقبل جهاز الفزيون الغرفة محطات ألمانية، مثل ARD, ZDF, RTL. ولكن، لماذا نريد أن نذهب إلى الساونا؟ درجة الحرارة حوالي 14 درجة مئوية، ورغم ذلك أرى رجالا يسيرون وحول أعناقهم كوفيات ثقيلة، ونساء يتدثرن بياقات من الفرو. تقول إليزابيت إن الطقس ليس بارداً، ولكن لأن البيوت في مصر تخلو من الدفايات، فإن المرء لا يشعر بالدفء أبدا. ولأن كيرستن لا تخشى شيئا مثل البرد، فإن كلمات إليزابيت تلقى منها آذانا صاغية – وهكذا رحنا بعد نصف ساعة نبحث عن الساونا …
ذهبنا بعد ذلك للعشاء. تملكتني الدهشة لأننا لم نجد مطعما يقدم مأكولات مصرية. إذا كنت أريد أن آكل طعاما عربيا فإن فرصتي في برلين أفضل كثيراً. ثم ذهبنا إلى مقهى يذكر بسلسلة "ستار باكس"، إلى الموائد المجاورة جلس شباب في مقتبل العشرين، يتحدثون الإنجليزية ويفتحون أجهزة "النوت بوك".

في صباح اليوم التالي، على الإفطار في فندق "فلامنكو"، نتورط في الاستماع إلى وقائع فيلم بوليسي أويكولوجي: رجل بلجيكي من "جرين بيس" يتحدث بصوت عال في التليفون. يدور الموضوع حول اتصالات بين عرب وفرنسيين وهنود، القضية ما زالت عالقة أمام أعلى سلطة قضائية في الهند. عندما يذكر الرجل "المحامين"، فإنه لا يتحدث إلا بصورة الجمع. سفينة فُقد أثرها، وتقول الشائعات إنها في بورسعيد، ولكنها في الحقيقة ليست هناك، ثم يلمِّح (أي يهدد) رجل"جرين بيس"، الممسك بكل خيوط الموضوع، أن الأمر سيناقش علناً في أفضل أوقات البث … بينما أكتب هذه السطور يجتمع الرجل مع "رقم 2" في مصر.
 
خلال النهار نتسكع في طرقات المدينة، ونتمشى على النيل. هناك تتقابل ثنائيات العشاق، كل منهم يمسك بيد الآخر، وعلى شاطئ النيل قد تنتهي هذه العلاقة أو تلك. الرائحة الكريهة تتصاعد بين الحين والآخر من الرصيف، وعلى الأقل ثلاثين مرة نتلقى عرضا بركوب مركب يأخذنا في نزهة نيلية. تمتلئ المدينة بلافتات معهد جوته عن معرض الكتاب، باللغتين العربية والألمانية. ولكن لا لا لا، ليس هذا هو كل شيء. ولكنني لا أحب هذه النزعة التي يدعيها بعض الأدباء، أي ادعاءهم أن ملاحظاتهم لأقل التفاصيل الصغيرة تكتسب أهمية فائقة. لماذا يدعو معهد جوته كاتباً تلو الآخر الى المنطقة العربية؟ بالتأكيد ليس من أجل أن يقوموا بتسجيل ملاحظاتهم وانطباعاتهم في اليوميات التي يكتبونها، كلا، إن علينا بالطبع أن نحل ألغاز العالم، علينا أن نجد الوصفة السحرية، ونفك طلاسم المعادلة الكونية لصراع الحضارات.
بعد أيام يصل السيد وزير الخارجية الألماني والسيدة مديرة معاهد جوته إلى القاهرة لزيارة معرض الكتاب. حتى ذلك الحين أريد أن أقدم مساهماتي لحل المعادلة الكونية.

في الصباح التالي: لم أر على الإفطار البلجيكي من "جرين بيس". هل عليّ أن أقلق؟ بالأمس عُرض في التليفزيون فيلم جيمس بوند "مسألة حياة أو موت"، وفيه يستطيع المشاهد أن يرى بأي سرعة يمكن التخلص من إنسان إذا أزعج ذوي السلطة أثناء صفقاتهم المشبوهة. ماذا يعرف "رقم 2"؟ هل تستخدم المخابرات الساونا القديمة في فندق "فلامنكو" كسجن سري؟ ولماذا لم يرد شيء في الأخبار رغم أن البلجيكي أعلن ذلك؟ ثم ما هو "الموضوع"؟ أسئلة وراء أسئلة. ابقوا معنا.

Pages: 1 2 3 4 5 6 7 8

Comments»

لاتوجد تعليقات - كن أول من يعلق .

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security text shown in the picture. Click here to regenerate some new text.
Click to hear an audio file of the anti-spam word