طوكيو.. بوابة الشمس – بقلم: عبد الباسط خلف
8 May 2008 مصنف في: عبد الباسط خلفويستقبل المترو أكثر من ستة ملايين مسافر في أوقات الذروة، يطوفون أرجاء طوكيو، على امتداد أكثر من مائة كيلو متر، وفي بعض المسارات الخارجية ينتشر القطار فائق السرعة والمعروف بـ«شينكانسن». أما المركبات العمومية، فهي منتشرة، وإن كانت مكلفة وبخاصة بالنسبة لزوار العاصمة وسياحها.ملامح تجهز معظم مصاعد البنايات اليابانية العملاقة بشاشات كبيرة الحجم، وتسعى للترويج غير التجاري بطريقة رائعة، ففي كل طابق صعودًا أو هبوطًا، تتوافر فرصة مجانية للاستمتاع بنباتات اليابان وأزهارها الخلابة، وتأتي في المقدمة أزهار الكرز الجميلة، وحقول خضراء من العاصمة الشرقية وخليج طوكيو ونهر سوميدا. يستلقي في قلب المدينة التاريخي القصر الإمبراطوري المحاط بمساحات خضراء، ويحظر على العامة زيارة المكان. وإذا ما سرنا باتجاه الغرب والجنوب فسنصل حي «كاسو ميغاسيكي» الذي تتجمع فيه الهيئات الرسمية ومقر البرلمان ومجلس الوزراء والمحكمة العليا. ننحاز لاتجاه الشرق لنمر من حي «مارونداوتشي»، فتستقبلنا بنايات شاهقة نعرف لاحقًا أنها مقار لمؤسسات مالية ومصرفية كبرى. أتوغل في حي «جينزا» الواقع في الناحية الشمالية لطوكيو، فيسير معنا نهر «سوميدا» لنرى سوق المدينة المفعم بالحركة والنشاط وبالحال الثقافي والفني. يتجلى جمال حينا في «جينزا» أيام الأحد من كل أسبوع، إذ يحظر على المركبات السير هنا، ويتساوى الناس بالمشي على أقدامهم. في يوم الأحد الجميل في طوكيو تسير بحرية، ويعرض التجار بضاعتهم، وتبتعد قليلا عن عالم السيارات المزعج. أسبر غور حي «أساكوسا» بسرعة، فهنا مكان شعبي يوحي لنا وكأننا ندخل إلى قلب متاهة بأرجلنا، تستريح عشرات المتاجر والمحال الحرفية الصغيرة، وأشاهد مكانًا ذهبيًا للمصنوعات التقليدية وتجارتها المزدهرة. تخبرك رائحة المكان بهويته، وتمنحك جماليات الشوارع المتداخلة شعوراً بالعودة إلى الماضي، فناطحات السحاب ليست في متناول اليد، ومظاهر شواء الدجاج في مطاعم شعبية، والأزقة الصغيرة توحي لنا بأننا ابتعدنا عن عوالم طوكيو المعقدة. لم يسعفك الحظ في الوصول إلى معبد «سينسو» الذي تجلت فيه شخصية «كاننون» أو آلهة الرحمة في الديانة البوذية، لأن الوقت ضاق علينا، فنتجه إلى حي «إيكيبوكورد» حيث نتمتع بمشاهدة أكبر مجمع تجاري في العالم، نشاهد دون أن نلمس، ونتفرج من دون أن نبرم صفقات بيع وشراء، ونراقب الإعلانات الضخمة، والأزهار التي تستضيفها بنايات مرتفعة.كنوز يصطحبك إياك تيستوجاك، مدرس الفنون الجميلة في رحلة قصيرة إلى بعض من متاحف اليابان، فيقع الاختيار على متحف المدينة القديمة للتقاليد، الذي يزين حي «أساكوسا» العتيق. يسرد لك إياك بعجالة شيئًا عن متاحف العاصمة طوكيو، ويخبرنا بأن منتزه «أوانيو» يستضيف في أحشائه العديد من متاحف العاصمة طوكيو، فهناك متحفها الوطني الأكبر، الذي يحوي خبايا من شتى عصور اليابان التاريخية، إذ يقدر القائمون عليه مقتنياته بنحو ثمانية آلاف قطعة أثرية. أما رواق «هوريوجي» فيخفي في أعماقه كنوزًا دفينة ونادرة، وترجع إلى القرنين السابع والثامن للميلاد، في حين يقدم المتحف الوطني للفنون الغربية أعمالاً لعمالقة الفن من طراز: سيزان، و مانيه، ورودان، وغيرهم. يرشدك دليلك إلى متحف «هاتاكي ياما»، فيخبرك بأن المتحف يسرف في عرض لوحات فنية وخزفيات مخصصة لطقوس تقديم وجبات الشاي اليابانية، تمضي في جولة قصيرة وتتعرف لإيجاز من التراث الياباني الجميل، وكأنك ترجع بعقارب الساعة إلى الوراء. تشاهد صورًا فوتوغرافية لنساء من طوكيو يسحبن أوراق الحظ (أومي كوجي) في مزار «كسغا» الشتوي.عبق الماضي أستوطن المكان الذي يشغل طوكيو حاليًا منذ فترة «جومون»، وتحولت لاحقاً ضمن الأراضي الملكية التابعة للإمبراطور خلال فترتي «نارا» و«هيتيان»، وسقطت المدينة أثناء العصور الوسطى في قبضة المحاربين القادمين من السهول الشرقية القريبة، واسس هؤلاء حكومة عسكرية باسم «كاماكورا» استقرت جنوب خليج طوكيو نهاية القرن الثاني عشرميلادي، ومنذ وقتئذ حصلت المدينة على اسمها الأول «إيدو» والذي يعني «ميناء الخليج» في إشارة إلى خليج طوكيو. بملامح فرحة تسيطر على وجوه اليابانيين أسمع هذه الرواية: أصبحت المدينة عاصمة لبلادنا منذ القرن السابع عشر للميلاد (1868)، وعرفت طوكيو عصرا ذهبيًا خلال فترة حكم الإيدو، وسكن المدينة مليون نسمة في القرن الثامن عشر، وفي أعقاب سقوط نظام الشيوغونية تراجع دور المدينة لمصلحة العاصمة الإمبراطورية «كيوتو»، ثم قرر البلاط الإمبراطوري نقل العاصمة إلى«إيدو« التي أعيد تسميتها بطوكيو ومعناها العاصمة الشرقية. بدأت طوكيو تتطور لتصبح واحدة من كبرى مدن العالم أثناء بدايات حكم «مييجي»، وصارت المدينة القديمة تتحول لاحتضان الشركات العملاقة والجامعات والأنشطة الصناعية الضخمة.

Comments»
لاتوجد تعليقات - كن أول من يعلق .