jump to navigation

طوكيو.. بوابة الشمس – بقلم: عبد الباسط خلف

8 May 2008 مصنف في: عبد الباسط خلف

     من حديث هؤلاء، ألمس ما يصرح  به السواد الأعظم من اليابانيين وكونهم لا يتبعون أي ديانة. إذ يعتقد غالبية الشباب أنه يجب إزاحة الدين والمعتقدات عن الإيحاءات التاريخية، وهذا بسبب الدور الذي لعبته ديانة الشنتو في تجييش اليابانيين خلال الحرب الكونية الثانية، وبالرغم من هذا تحافظ التعاليم البوذية والشنتوية على وجودها في ثنايا الحياة اليومية.سحر «الكيمونو»          قريبا من موزعي الحب، يقف زوجان يابانيان بملابس تقليدية قديمة لالتقاط صور تذكارية، ولإتاحة الفرصة أمام من يشاء للانضمام إليهما.          أسجل ما أورده الزوجان في حديث عفوي وبإنجليزية متثاقلة: نرتدي هذه الملابس التي تعيد ذكرياتنا إلى الوراء  كي نذكر بها أطفالنا، وليشاهدها السياح، ولنروج لماضينا الجميل، وإمبراطوريتنا القديمة، وبوسع زوار طوكيو أن يلتقطوا صورًا جميلة بصحبتنا، وحتى من دون إذن.    

      يطلق اليابانيون كلمة «كيمونو» للتدليل على اللباس التقليدي في هذا البلد، و«كيمونو» في اللغة اليابانية تعني بعامة ملابس، ولكنها بخاصة تشير إلى اللباس الياباني التقليدي الطويل الذي يرتديه الرجال والنساء والأطفال.          ينساب الكيمونو بجماليات عالية  وألوان جذابة وبخاصة على النساء. فأكمامه العريضة التي قد تصل إلى نصف متر هي نكهة الإضافة للزي الياباني، وتأمر التقاليد والأعراف النساء غير المتزوجات بأن يلبسن الكيمونو بأكمام طويلة جدًا يصل طولها إلى الأرض تقريباً، أما الثوب فيكون ملفوفاً حول الجسد ، ويكون الجانب الأيسر على الأيمن ويحاط بحزام عريض يربط من الخلف ويدعى «أوبي».          تلاحظ كيف صار الزي التقليدي مهددًا بالانقراض، وبخاصة لدى الشباب الذين يسيرون وراء خطوط الموضة السريعة.موائد دوّارة..          في منطقة شوبيا(الوادي الضجر)، تعيش طوكيو صخباً عالياً تماماً كالإيقاع السريع في العاصمة اليابانية، وكحركتها التي لا تتوقف.          بجوار معبد قديم يغلب عليه اللون الزهري الفاتح، تتنازع لافتات ضخمة تسعى للتعريف بمنتجات طوكيو وسلعها، فيما يعمد آخرون للتنكر بملابس نمور وقطط ضخمة للترويج الدعائي لشركات تجارية.          ألاحظ كيف يختفي أحدهم من وراء جلد نمر ضخم وأصفر، ويتفاخر: نبتكر في طوكيو كل شيء جميل، ونعتز بأن يقلدنا غيرنا في سلوكنا التجاري، وفي نظامنا الصناعي العظيم.          أقترب من مطعم «سوجي» لأكتشف أعجوبة أخرى، هناك تقف في مدخل المطعم  فتاتان ترحبان بالزبائن، وتوجهان الدعوة  للمارة كي يدخلوا. في أعماق المكان المزدحم بالرواد يصطف العشرات حول مائدة مستديرة تدور بإيقاع سريع  وتحمل فوقها عشرات الأطباق،  وعلى الجالسين تناول الطعام الياباني بسرعة، ومن لم يأكل سبعة أطباق في ثلاثة أرباع الساعة فسيكون مصيره دفع الحساب والخروج طواعية من المكان وإفساح المجال لغيره.          أجرب الموائد الدوارة هذه، فلا أستسيغ مذاقها من أول طبق، أدفع الحساب وأمضي إلى شأن آخر.          ليس بعيداً عن المطعم الغريب تأخذ طوكيو بكشف بعض مفارقاتها، فهنا شبان يتخذون من أرصفة الشوارع بيوتاً وأمكنة للنوم. وفي حديقة عامة قريبة من الميدان المزدحم بالعاصمة اليابانية يمضي آخرون أيامهم في حياة تشرد صناعية، يقول جاوايكا، وهو أحد هؤلاء: نحن بلا بيوت فعلاً، ولكن هناك من ينضم إلينا على سبيل إحداث تغيير في حياته، والقضاء على الروتين الذي يسيطر عليه، فيخرج إلى الحديقة العامة، وينصب خيمة، ويرجع في تصرفاته التجارية عقوداً إلى الوراء، فيبدأ بمقايضة المشردين الآخرين بمهارته كقص الشعر أو العزف الموسيقي مقابل الحصول على الطعام أو  التمرن على فنون «اليوجا».عمران متحرر..          يسكن الصحفي السوري نجيب الخاش طوكيو منذ عشر سنوات، وصارت هذه المدينة تسكنه كثيراً.  بالنسبة لنجيب فإن العمران المتحرر من القيود هو أكثر شيء ساحر في العاصمة اليابانية، ويكفي لتعليل ذلك القول: وأنت تسير في طوكيو ستجد علب كبريت مرتفعة ومرتبة، وستكتشف بجوارها بنايات مختلفة في النمط، وفي ركن ثالث ستكتشف عشوائية عمرانية جميلة، أما في الطريق المؤهل لمطار هيندا فستعيش لحظات غريبة، وستسيطر عليك أبنية مختلفة الطراز ومصنوعة بإبداع، والأهم تنتفي صفة التكرار عنها.          تفضي الحرية العمرانية هذه  في نهاية المطاف إلى أنواع أخرى من الحريات، وتنعكس على نمط المعيشة في مدينة يعبر من شوارعها ومحطات قطاراتها الأرضية أكثر من ستة ملايين ياباني، هم جزء من سكان العاصمة باهظة التكاليف.          من غرائب طوكيو الأخرى، محطات التزود بالوقود، فالأنابيب الناقلة للنفط للمركبات وسواها تتدلى من أعلى السقوف إلى أسفل، على العكس تماماً من السائد في معظم دول العالم.          يسرد لك تناسو، وهو أستاذ  تربية موسيقية في ضواحي طوكيو الجنوبية: الغرابة دائماً تحقق الكثير من المتعة، وتكون نقطة انطلاق للمقلدين، إذ سيفكر هؤلاء في حملها معهم في أدمغتهم إلى بلادهم البعيدة عن عاصمتنا، وللإبداع وظيفة بالغة الحيوية، فهو يجعل العين تعيش حالة متعة دائمة.تمييز إيجابي          يحظى كبار السن والمرضى والحوامل وأصحاب الاحتياجات الخاصة في طوكيو برعاية كبيرة، ففي المواصلات العامة والمشافي ومحطات القطارات والمطارات تخصص لهم مقاعد متقدمة ومريحة ومميزة، وفي المطارات توفر لهم السلطات عربات خاصة لحظة مغادرتهم الطائرة  ومواصلة سفرهم لأماكن أخرى.          لسان حال اليابانيين يرسل لي: لدينا الكثير من التسهيلات التي نقدمها للضعفاء، لأن هؤلاء يحتاجون بالفعل إلى مساعدة تقدم لهم، وإذا لم  نحترمهم فهذا سيجعلنا متناقضين مع القيم التي تربينا عليها، والتي نسعى إلى غرسها في نفوس أطفالنا.  

 

Pages: 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10

Comments»

لاتوجد تعليقات - كن أول من يعلق .

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security text shown in the picture. Click here to regenerate some new text.
Click to hear an audio file of the anti-spam word