jump to navigation

طوكيو.. بوابة الشمس – بقلم: عبد الباسط خلف

8 May 2008 مصنف في: عبد الباسط خلف

     وفي العصور الوسطى، وعندما كانت البوذية والشنتو تتقاربان إلى حد الانصهار، شُيّد معبد بوذي على قمة جبل فوجي، وظهرت طائفة تبشر بأن«الأرض الطاهرة  لبوذا آميدا تقع على ارتفاع الجبل          صار الجبل الشاهق مرتبطًا بالآلهة «كونو هانا ساكيا هيمة»، وفق معتقدات اليابانيين، وتحول فوجي ياما إلى رمز دائم يدلل على الحظ السعيد في التقاليد الشعبية، ويعتقد اليابانيون أن أول حلم يراه الإنسان في السنة ينسحب على السنة كلها، وأن الحلم الأكثر أملاً وجمالاً هو المتصل بجبل فوجي الذي يوحد أيضًا المعتقدات الدينية لعناصر الشنتو والبوذية والطاوية والأديان الأخرى المتداخلة.غزل..          قرب الجبل أيضاً أقرأ ما كتبه تاكاشينا شوجي، الأستاذ في جامعة طوكيو، والمدير العام للمتحف الوطني للفن الغربي: تجلت المكانة البارزة التي احتلها الجبل كمهوى لأفئدة المعجبين منذ بدايات حقبة الإيدو في عادة إطلاق اسم الجبل «فوجي ياما» كاسم تحبب على جبال أخرى مسبوقاً باسم المنطقة التي يوجد فيها ذلك الجبل، كما هي الحال في جبل إيواكي في محافظة آدموري شمال اليابان، والذي يدعى تحببًا «توجارو فوجي» وجبل كايموانداكة في محافظة ساتسوما، والذي يدعى أيضا ً«ساتسوما فوجي».          أما درجة الشبه بين هذه الجبال والقمة الأشهر فهي موضوع خلاف، ولكن الاسم وحده يتحدث ببلاغة عن المكانة الفريدة التي يعيشها فوجي الشاهق في قلوب اليابانيين.  إنهم يشبهون بعضهم!          أتخلى عن جماليات فوجي ياما مكرهين، فالإعياء والجوع لها رأي آخر، أصل إلى مطعم شعبي في إحدى ضواحي طوكيو الشرقية، أستمتع مكرهاً بوجبة دسمة من «نودلز السوبا» وباكيتوري الدجاج على الطريقة اليابانية بأرزها المقلي والسلمون وصلصة البونزو.          أقهر نار جوعي، وأسترد قليلاً من عافيتي، فالتعب لا يعترف بهدنة للاستمتاع بجمال طوكيو الطبيعي من دون أي مقابل.          في الطريق، أسأل بائعة التحف اليابانية ساناتشي عن  الشبه بين وجوهنا الشرقية السمراء التي تحل ضيفة على طوكيو، ووجوه أهلها المائلة للبشرة الصفراء، فتأتيني الإجابة: أنتم تقولون إننا نحن نشبه بعضنا البعض في وجوهنا، ونحن نراكم  تشبهون بعضكم مائة في المائة، ولا نستطيع التمييز بينكم: وجوهكم، شعركم، شواربكم، لحاكم، عيونكم، ضحكاتكم، بشرتكم، كل شيء          أقول لها: ربما ستبدأ هذه النظرة بالتلاشي، في حال التعامل المشترك، ولفترات طويلة، ولو انفتحت آسيا الشاسعة  قليلاً على نفسها.          لا تفارقني بعض الأسئلة المشتقة من السياسة، فأختار الاستعلام عن فلسطين وقضيتها، لأكتشف أن الغالبية العظمى من  عينتي المعقولة لا تفرق كثيراً بين فلسطين و«إسرائيل» أو بين  الأراضي الفلسطينية المحتلة والفلبين.السياسة  الترف          أكف عن السياسة قليلاً، ولا أسأل عن الإمبراطورية القديمة أو الحديثة، ولا لون البلاد السياسي المختلف عليه(جمهورية أم ملكية)، ولا حقبة الإيدو، لكني أعود للتراجع بعض الشيء، فأسأل الصحافي تاكاو ساتو الموظف في التلفزيون الياباني وخدمة الأخبار العالمية عن مزيج من الطبيعة والجمال والتكنولوجيا والسياحة والرياضة والديانة البوذية والفن.          ثم أخصص حيزاً لسؤالين حول تصريحات وزير الدفاع الياباني  فوميو كيوما الذي رحب خلالها بالهجوم الأمريكي النووي على بلاده العام 1945 ، وقال :«إن القنبلتين النوويتين لم يكن من الممكن تجنبهما، لأنهما أدتا إلى إنهاء الحرب العالمية الثانية، ومنعت الاتحاد السوفييتي من الدخول في الحرب في مواجهة اليابان.» ثم عاد واعتذر عنها وقال إنه لم يكن يقصد إهانة الضحايا.          السياسة في اليابان شيء من الترف، فالناس  تشغلهم الحياة والتكنولوجيا والأزهار الأخاذة، وإذا ما سألتهم عن التاريخ، فإنهم بالإجمال يتناسون كارثتي هيروشيما ونجازاكي، ولا يرون في الولايات المتحدة عدواً لهم.          هناك بالتأكيد  في طوكيو وغيرها، من يخرج عن هذه القاعدة، ويسكن الماضي في قلبه، ولا يستطيع نسيان الألم والأجيال المشوهة إلى اليوم بفعل القنبلتين النوويتين الأمريكيتين.          في رحلة إقلاع ثانية من أوساكا إلى طوكيو، أقرأ في السماء أخباراً عن اختفاء طائرة سياحية كمبودية، على متنها عشرون شخصًا، وأسمع عن تقدير السلطات باحتمال تحطمها، فنصاب بالقلق.          أهبط إلى أرض العاصمة مرة ثانية بسلام، أحمد الله، وأتمنى السلامة لمن يركب السماء والبحر واليابسة.          أصل جامعة الأمم المتحدة في قلب العاصمة اليابانية، أستمع من روبين حزبون المولود لأم فلسطينية وأب سلفادوري، والذي يدرس السياسة الدولية كلاما معسولاً عن طوكيو.          في هذا المكان أشعر بأنني في بيتي، صحيح أن الناس هنا أكثر بكثير من أن أعرف قسما  صغيرا جداً منهم، لكني بابتساماتهم المتواصلة أحل جزءاً كبيرًا من  مشكلتي.          بالنسبة لمضيفة الطيران اليابانية ذات الشعر الأسود المعتم، فإن جزءاً من طقوس عملها تستمده من التقاليد لبلادها، فهي تحرص على تقديم التحية لركاب الطائرة على طريقتها اليابانية، فتحني لهم رأسها وجسدها، وتضع يدها أسفل وجهها، ثم تتبع ذلك بابتسامة طبيعية.  

 

Pages: 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10

Comments»

لاتوجد تعليقات - كن أول من يعلق .

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security text shown in the picture. Click here to regenerate some new text.
Click to hear an audio file of the anti-spam word