jump to navigation

طوكيو.. بوابة الشمس – بقلم: عبد الباسط خلف

8 May 2008 مصنف في: عبد الباسط خلف

 أجيب بموضوعية، فالسلطات المختصة في هذا البلد تفترض فيّ وفي غيري الصدق، وحتى لو ثبت العكس.المدينة.. الدنيا          أقترب من أجواء طوكيو في مشهد يبدو وكأنه لوحة فنية  بالغة التعقيد والسحر: أبراج شاهقة، مساحات خضراء، عمران، طبيعة خلابة، بحر، جسور، شبكات طرق عريضة، وعشرات التفاصيل.          أهبط سريعاً إلى محطة المترو الأرضية الملاصقة لهيندا، أبحث عن خريطة للمكان الجديد علي، أمضي القليل من الوقت في باطن الأرض اليابانية، ثم أستأنف  المسير فوق الأرض متجهًا لفندق «جراند برنس» في ناحية «أوكاساكا»، فأضل الطريق.          من جديد أستغني عن القطار، وأصل إلى منطقة«شايبيا»، أشم رائحة طوكيو لأول مرة، وأخرج بانطباعات أولية كثيرة، أجد نفسي محاطاً بوجوه دائمة الابتسامة، وأناس مزودين بالاستعداد والتطوع للإجابة عن أي استعلام، وحتى لو تعذر على هؤلاء الجواب فإنهم يمنحونك «وجبة خفيفة» من الابتسامة، وعلامات الترحيب وهز الرأس أو الانحناء قليلاً، في طقوس تعيد عجلة الزمن إلى الوراء.ابتسامات دائمة          يُجلس هاكوا، سائق سيارة الأجرة، مركبته على حافة الطريق المخصصة كموقف في شارع عريض مُشجّر بالكرز ومكسو في أرضيته بنباتات الزينة. يرتدي  السائق زياً رسمياً وقبعة، ويغطي يديه بكفوف بيضاء، وتسيطر على وجهه ابتسامات طبيعية، من وراء زجاج سيارته حيث يحتل المقود الجهة اليمنى من مقدمتها.          تسأله عن عنوان ما في طوكيو، فيرد عليك: أهلاً بك في عاصمة اليابان، اصعد سنوصلك. يقتصد هاكوا في الحديث، بخلاف رغبتي في ضخ العشرات من الاستفسارات حول هذا المكان الغريب، الذي أصل إليه لأول مرة في حياتي.          يُسكت السائق مركبته، وأترجل إلى وجهتي في ضاحية قديمة من أرجاء طوكيو، ثم أغادرها إلى الفندق طلباً للراحة.          في بهو فندق «جراند برنس»، القريب من شبكة جسور و مساحات خضراء، تتقدم موظفة استقبال مبتسمة لفتح الباب، تحني رأسها في حركة تدل على الترحاب، ويصطف بجوارها موظفون وموظفات في زيهم المائل للرمادي ووجوههم الضاحكة لإكمال المهمة، يستقبلونني ويحملون حقائبي، ويبدون استعداداً للرد على أسئلتي العنقودية، من دون أي ملل.          أرتاح قليلاً، وأجرب ارتداء زي ياباني أعده الفندق للضيوف، ثم أسرع إلى اكتشاف ملامح مدينة طوكيو، لأن الوقت هنا يعزف إيقاعاته بنغمات سريعة.  «فوجي ياما» السر الشاهق..          يطاردني الجوع، أتناساه قليلاً، وأركب المترو من جديد، ثم أمتطي أقدامي، ووجهتي جوار جبل «فوجي ياما».          أرى الجبل الأخاذ كالعين الثالثة لمدينة «إيدو» وهو الاسم القديم لطوكيو الذي يشير إلى حقبتها التاريخية الممتدة بين سنوات (1600-1868 م).          يختطفني جمال جبل فوجي الساحر، ويغرييني موقعه المتميز في قلب طوكيو، ويُراقص خيالي لأذهب في رحلة جديدة نُحلق بعيداً عبر «توكايدو» لاكتشاف أعلى جبل في البلاد الصفراء.          أتوصل لكلمة السر للجبل، إذ يطلق اليابانيون على هذا القسم الشامخ اسم «فوجي سان»، ويطول ارتفاعه إلى نحو 3776 متراً، مقابل أدنى بقعة في البلاد واسمها «هاشيرو-غاتا» التي تقل عن سطح البحر بأربعة أمتار.          قرب الجبل، أقرأ مقتطفات من أشعار يابانية مترجمة إلى العربية، وقصيدة «شوكا» (أي قصيدة طويلة) الشهيرة للشاعر «يامابي نو آكاهيتو» ومطلعها:          «منذ  افترقت السماء والأرض، انتصبت سامقة مهيبة في سوروجا قمة فوجي..».          أشم رائحة فوجي، وأشعر وكأنه مضيفي السخي، فيستقبلني بنظرات بيضاء كلونه، وأتعرف من التاريخ الياباني إلى شيء من سيرة ذاتية ارتبطت بهذا الارتفاع الكبير.          أرجع إلى أيام الحاكم الإقطاعي (أوتنا دوكان) الذي شيد قلعة (إيدو) في حوالي منتصف القرن الخامس عشر الميلادي، يوم كانت طوكيو بقعة من مستنقعات مهملة، وكان «دوكان» - كما يقول اليابانيون - يتمتع بذوق رفيع وإحساس مرهف.          من أشعار هذا الحاكم الإقطاعي، أكتشف مساحة ثرية من الخيال المكسو بالجمال:          «هناك ملاذي..في بستان صنوبر قرب الشاطئ، حيث ترتفع قمة فوجي المهيبة خلف حواف السطحمتاهات «الوجيزوكا»          يفسر مرافقي الشاب المغرم بالتاريخ كيوانو علاقة اليابانيين بفوجي ياما وارتباطهم به: في هذا الجبل، بنت مجموعة «فوجي كو» وهي أول طائفة تشرف على صعود جبل فوجي كإحدى الشعائر الدينية، فقامت بتشييد نسخ مصغرة من الجبل العملاق داخل المدينة، لمن يعجز عن تسلق الجبل الأصلي، عرفت باسم «الوجيزوكا».          هنا عكف أفراد المجموعة الدينية على جمع التبرعات للإنفاق على مواسم حج سنوي، فكانوا يزورون أولاً معبد سينجن  على سفح الجبل للتطهير، وبعدها يتسلقون فوجي ياما بزيهم الأبيض، ويقدمون الصلاة في المعبد، ثم يسلكون طريقاً مختلفة في  إيابهم باتجاه إحدى البلدات المنتشرة على سفح الجبل، إذ يتمتعون بالطعام والشراب والتسلية ويؤدون الابتهالات لشفاء المرضى ويبيعون التمائم لإبعاد الأمور السيئة عنهم..     

 

Pages: 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10

Comments»

لاتوجد تعليقات - كن أول من يعلق .

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security text shown in the picture. Click here to regenerate some new text.
Click to hear an audio file of the anti-spam word