حكايات من القاهرة - بقلم: بسام الكعبي
8 May 2008 مصنف في: بسام الكعبيخانت عجلات سيارة ابن عمتي سمير البرغوثي ضغط قدمه على الفرامل، ولم تتوقف إلا عند اجتياز المصابيح الخلفية لشاحنة صغيرة كانت تسير ببطء أمامنا في شوارع عمان الغربية، ارتطمت جباهنا، أنا وابن عمتي، بقوة قرب الزجاج الأمامي، تفقد كل منا جبهته، واطمأن كل منا على إصابته البسيطة، فيما كانت عمتي أم باسل في مقعدها الخلفي في السيارة تشكر الخالق سبحانه وتعالى على سلامتنا رغم أنها كانت ترتعش قليلاً قلقاً علينا.
عندما ترجلت من السيارة لمعاينة ما جرى، ضحكت قليلاً في سري، عندها أيقنت أن خوفي من الموت على متن الطائرة المصرية لم يكن مبرراً.
تبدد خوفي لحظة وصولي مطار عمان قادماً من القاهرة، فاتصلت هاتفياً بمنزل عمتي في عمان معلناً بصوت واثق وصولي سالماً إلى الأردن على متن الخطوط المصرية في وقت يتابع فيه الجميع كارثة الطائرة المصرية التي ذهبت بركّابها إلى قاع المحيط الأطلسي .. حاملة معها سر نكبتها.
مساء الحادي والثلاثين من شهر تشرين الأول الماضي، كانت الطائرة المصرية تستعد للإقلاع إلى القاهرة عبر مطار الملكة علياء في عمان، فيما كانت الأنباء المتضاربة تتوالى تباعاً عن الطائرة المنكوبة .. هل نجا أحد من ركابها؟ ما سبب سقوطها المفاجئ؟ هل هو خلل فني أم بفعل متعمد؟ كانت الأسئلة تتردد في عيون عشرات الركاب المغادرين إلى القاهرة .. ولم تتلق أجوبة شافية، فيما اكتفى طاقم الطائرة المصرية بتوزيع ابتسامات يلفها الحزن على مصير زملائهم. كان الفريق الفني والإداري للطائرة المغادرة إلى القاهرة يضغط بقوة على جهازه العصبي لضمان ملامح هادئة وعيون مبتسمة لتبديد مخاوف الركاب المذعورين ونشر الثقة والأمان بينهم .. إلا أن الرهبة سيطرت على ملامح الركاب لحظة قفز الطائرة إلى الفضاء.
تمترس كل راكب خلف دقات قلبه، وانشغلت الذاكرة في أمور لا حصر لها .. وسادت لحظة صمت مخيفة بددتها صرخات طفل مصري يلح على والديه للنظر من شباك الطائرة على أضواء مدينة عمان التي أخذت تتلاشى بالتدريج.
لم تدب حركة المسافرين في الممر بين مقاعد الطائرة، وحافظ الجميع على ثباته في مقعده .. تناولت من أمامي مجلة "حورس" الخاصة بالخطوط المصرية، وأجبرت نفسي على قراءة ريبورتاج صحافي حول "المسلات المصرية .. صانعة الحضارات، وكيفية الاستيلاء على عدد منها وزعها في مدن وعواصم أوروبية ..
استمتعت في قراءة النص وكدت أنسى حكاية الطائرة المنكوبة لولا مطب هوائي أيقظ إحساس الخوف ثانية في داخلي .. عدت إلى نفسي وتساءلت: ماذا لو وقع القدر وهوت الطائرة إلى صحراء قاحلة؟ لم أجد أية إجابة سوى الاستسلام لمشيئة الخالق .. تُرى ماذا لو اعتذرت عن هذه الرحلة إلى القاهرة لحضور اجتماع للجنة الإعلام التنموي في جامعة الدول العربية؟ هل سيفقد الإعلام التنموي العربي إمكانيات التواصل؟ صمتُّ قليلاً مرة أخرى، وأيقنت في داخلي أن الأسئلة الآن أصبحت دون جدوى .. أنت معلق الآن في السماء، وقليل من المزح الأسود مع ظواهر الطبيعة يقود إلى كارثة جديدة .. وربما خلل فني صغير يضع الركاب في مقبرة جديدة دون عنوان وبلا شواهد!!
لم أصدق أن عجلات الطائرة المصرية حطت في منتصف الليل على مدرج مطار القاهرة الدولي .. بدت للوهلة الأولى أنها تسير بطيئاُ على المدرج ثم اكتشفت أن سرعتها في حالة تزايد .. ربما القلق من وقوع المحظور خلف هذه الانفعالات.
ودّعنا طاقم الطائرة على سلم المغادرة مبتسماً وعيونهم معلقة بزملائهم المحاصرين بمياه المحيط يحدوهم الأمل بنجاة الطاقم والركاب!
سلمنا جوازات سفرنا، وانتظرنا ساعتين حتى تمكنا من دفع وثائقنا بحبر أزرق يُسهل إجراءات العبور، حملنا الحقائب الصغيرة وألقينا بها في سيارة أجرة صغيرة انطلقت تبتلع الأرض وتنفث مزيداً من الدخان الأسود ليراكم السحابة السوداء التي كانت تخيم فوق القاهرة وتخنق سكانها الذين يقترب عددهم من العشرين مليوناً.
دخان .. يغير لون السماء
كانت سحابة الدخان السوداء تظلل سماء القاهرة، وكنت أشعر بثقل سحب الأكسجين عبر الأنف والرئة، قلبت صحيفة كانت أما سائق سيارة الأجرة، وأيقنت أنها مشكلة حقيقية فرضت اجتماعاً لمجلس الوزراء المصري للبحث في أسبابها وكيفية مواجهتها وتجنيب السكان الاختناق فيها .. قلت في نفسي نفذنا من احتمال الموت على مقعد طائرة لنقع فريسة اختناق بالدخان الأسود .. تخيل أن رئتيك لم تعودا قادرتين على تصريف الخان الأسود، بهذه الحالة قد يكون الموت أرحم قليلاً في قاع المحيط، مالي والإعلان التنموي، الحمد لله أيضاً أنه تنموي وليس إعلاماً بيئياً!!
قطع السائق صمتي قائلاً: "اقتربنا من الفندق، الأجرة التي اتفقنا عليها زيدها شوية .. ما انت شايف مشاكل السواقين في القاهرة، دخان أسود وأسعار البنزين عالية وأجرة متدنية".
باتجاه مدخل الفندق، حملت حقيبتي الصغيرة بعد أن لبيت طلب السائق في زيادة الأجرة سلمت وثائقي لموظف الاستقبال في الفندق للتأكد من الحجز المسبق، لاحظ موظف الفندق إرهاقي، فأسرع في إنجاز الإجراءات الخاصة بالنزلاء وأمر أحد المستخدمين بنقل الحقيبة للطابق العاشر عبر مصعد كهربائي .. كنت على سريري في الثانية فجراً، ولم يتبق أمامي سوى أربع ساعات من النوم لوصول مبنى جامعة الدول العربية.
لم أذق طعماً للنوم .. وقفت من شرفة غرفتي في الفندق أنظر إلى أحياء القاهرة وأضوائها الخافتة تقاوم سحابة الدخان الأسود .. قلت في نفسي: نفدنا من موت محتمل في مقعد طائرة، وربما من موت بيئي في قلب سحابة دخان كثيف، فهل نسقط جثة تحت أنقاض مبنى يهتز قليلاً على سلم "ريختر" بطبعته التركية!!
كان الصباح مشبعاً برائحة البنزين، فيما يحاول السائق جهده في البحث عن طرق فرعية أقل اكتظاظاً للوصول إلى مبنى الجامعة العربية، كان ينجح أحياناً في اجتياز مئات السيارات وعندما يفشل في اجتياز مجموعات أخرى، يشغل سيجارة جديدة وينفث دخانها في سماء القاهرة .. نزلت علة بوابة المبنى ودخلت مسرعاً في العاشرة صباحاً معتقداً أنني متأخر قليلاً .. فوجئت بأنني أول من يصل إلى القاعة، انتظرت أكثر من نصف ساعة عندما وصل مندوب العراق تبعه العماني ثم الكويتي .. وتوالى وصول الوفود المشاركة ليتم الإعلان عن بدء افتتاح الجلسة في الحادية عشرة والنصف من صباح اليوم الأول لشهر تشرين الثاني.
جلس مندوب كل قطر عربي خلف علم بلاده، فيما ظلت ثمانية أعلام يتيمة دون مندوب، تبادل المندوبون التعارف السريع، ثم قدم المندوب السوري العزاء باسم المشاركين للشعب المصري ورئيسه وحكومته وأهالي الضحايا في حادث الطائرة المنكوبة.
وافتتح نقاش موسع حول جدوى قيام إعلام تنموي عربي، وفي نهايته تمت صياغة توصيات لوزراء الإعلام العرب من أجل إقرارها في اجتماعهم المقبل .. وباختصار سيطر الخطاب التقليدي على جلسات النقاش وهيمنت الآمال المنتظرة على الإمكانيات المتاحة.
تحدث أمين بسيوني رئيس اللجنة الدائمة للإعلام العربي حول أهمية العمل المشترك في مجال الإعلام التنموي .. وأثناء حديثه استحضرته ذاكرتي منذ سنتين عندما اقترب من وفد فلسطين في القاعة الرئيسية لمبنى الجامعة العربية مرحباً بالوفد ثم قال في حينه: سأل الصحافيون وزير دفاع إسرائيل الراحل موشيه ديان في أعقاب حرب حزيران 1967. ألا تخشى غضب الجماهير العربية وأنت تحتل أراضي جديدة، فأجاب ديان أخشاها فقط عندما يخشاها حكامها .. أطلق بسيوني حكايته ورحل عنا وتركني أفكر في حال هذه الأمة الممتدة من المحيط إلى الخليج.
برج القاهرة
في ساعات العصر، انطلقت إلى برج القاهرة، عبرت "الكوبري" فوق النيل ماشياً، هذا النهر روح مصر وحياتها، يجري دون انقطاع منذ عصور قديمة، ويعتبر بحق أحد الشواهد المهمة على تاريخ مصر، خطف أجمل نسائها في عصور غابرة كي يحتفظ بهدوئه ويستريح على حواف المجرى حرصاً على فناء المزروعات الغضة التي تستلقي في سهل مجاور لمجراه وحفاظاً على بيوت الفلاحين من الجرف .. كانت الجميلات قرباناً لهدوء النيل.
على مقربة من أطول نهر، أقطع عشرات الأمتار في شارع تبتلعه أشجار كثيفة، لأدخل ساحة صغيرة لمبنى البرج، تجاورها كلية التربية الرياضية للبنات، وعلى أطراف الساحة حوانيت صغيرة لبيع التحف، يجاورها عدد قليل من المقاهي البسيطة .. درجات قليلة أصعدها لشراء تذكرة تسمح بالوصول إلى أعلى البرج، وبجوار مدخل المصعد الكهربائي، تسترخي لوحة متواضعة وثقت لحظة افتتاح البرج في الحادي عشر من شهر نيسان العام 1961 في عهد الرئيس جمال عبد الناصر .. رحل الرئيس عبد الناصر بعد افتتاحه بتسع سنوات، وظل برج القاهرة أحد الشواهد البارزة على تاريخ المرحلة الناصرية.
خلال 45 ثانية يقطع المصعد الكهربائي 187 متراً، لتشرف على مدينة القاهرة من برجها العالي .. هناك في الأفق قلعة صلاح الدين والأزهر الشريف وأهرامات الجيزة وجبل المقطم وحي شبرا .. وتبدو بوضوح ثلاثة معالم للقاهرة: العتيقة والقديمة والحديثة ويوحدها لونها الرمادي .. أتجول قليلاً في أعلى البرج وأرقب حركة العاصمة العملاقة يحملها النيل دون أنين.
كلية الصحافة .. والبروفيسور الحزين
ظهر اليوم التالي، كنت على بوابة جامعة القاهرة، وبصعوبة بالغة تمكنت من الدخول إلى حرمها، رافقني حرس الجامعة باتجاه كلية الإعلام، وفي الممرات الطويلة كان الطلبة ينشطون في دعايتهم الانتخابية للفوز بمقاعد اتحاد الطلبة .. لافتات سياسية وأخرى تتضمن مطالب الطلبة.
قابلت سكرتير كلية الإعلام، ونظم لي جولة قصيرة في أقسامها والتقيت أساتذة وطلبة فيها، وقبل مغادرتي سألته عن الدكتور مختار التهامي، وعلمت أنه أستاذ الدراسات العليا في الكلية ويحضر مرتين في الأسبوع، وعندما علم سكرتير الكلية أن الدكتور التهامي كان أستاذي منذ عشرين عاماً في قسم الصحافة في جامعة بغداد، تطوع بالاتصال به هاتفياً في المنزل.
جاء صوت أستاذي التهامي منهكاً عبر الهاتف، حاولت تنشيط ذاكرته لاستعادة السنوات القليلة التي قضاها في بغداد محاضراً في جامعتها. تذكر قليلاً وبدا على صوته الحزن لما آل إليه وضع العراق .. أدركت من صوته أن حالته الصحية ليست على ما يرام ويحافظ على الانتظام في جلسات علاج.
تذكرت الأستاذ التهامي محاضراً متميزاً في جامعة بغداد، كان يقف بيننا قوياً يسهب في شرح طويل حول علاقة الصحافة بالرأي العام، ومدة تأثيرها على الجمهور .. قبل عشرين عاماً لم نكن ندرك معنى مداخلاته القيمة، ولكن بعد تخرجنا وانغماسنا في الحياة العملية اكتشفنا قيمة محاضراته فعدنا إليها من خلال كتبه العديدة في هذا المجال.
انتقلت من جامعة القاهرة عبر "المترو" إلى ميدان رمسيس للبحث عن كتب في الصحافة والإعلام، وكان الدكتور التهامي أرشدني إلى "حي الفجالة" لشراء ما أحتاجه، وبالفعل وصلت الحي القديم المجاور لميدان رمسيس، وقلبت كثيراً من الكتب والعناوين، وعدت مساءً إلى غرفتي في الفندق وأنا أقبض على مجموعة جيدة من الكتب المتخصصة في شؤون الإعلام.
"عايدة" .. والقبر
كانت "دار الأوبرا" المصرية محطتي التالية، وللوهلة الأولى يشد الانتباه فن تشييدها المعماري، وتتربع المباني الجميلة في مساحات واسعة تنتصب فيها تماثيل فنية لسيدة الغناء العربي "أم كلثوم"، فيما يجلس الموسيقار عبد الوهاب مستريحاً على مقعده الوثير، ناهيك عن منحوتات فنية أخرى جميلة.
في قاعة قسم الموسيقى، تستمتع بالموشحات العربية وأصوات المطربين قديماً وحديثاً، وفي مكتبة القسم أقرأ تاريخ الموسيقى العربية مبدعيها، فيما ينهمك طلبة الدراسات الجامعية في إعداد أبحاثهم الأكاديمية.
على أحد رفوف المكتبة، عثرت على كتاب يؤرخ ويوثق ل "دار الأوبرا" منذ نشأتها في نهايات القرن الماضي، وقرأت باهتمام عن "أوبرا عايدة" التي تم عرضها منذ سنوات طويلة في القاهرة، وأعيد عرضها مجدداً منذ أسابيع على مسرح جُهّز خصيصاً في ساحات أهرام الجيزة، وتحكي "الأوبرا" قصة عايدة ابنة ملك الحبشة التي تقع في أسر القوات المصرية خلال المعارك القديمة التي دارت بين الحبشة ومصر، وتقع "عايدة" في حب قائد القوات المصرية، وعند انتصار مصر على الحبشة يسقط ملكها أسيراً في يد القوات المصرية، وحينها يقرر القائد المصري فك أسر عايدة ووالدها الملك، فينكشف أمره ويتهم بالخيانة ويصدر قرارا بدفنه حياً، وعند دخول القائد المصري القبر لتنفيذ الحكم، يكتشف أن عايدة سبقته اليه، وحين يحاول اقناعها بالخروج تلافض، وتصر على الموت في القبر تعبيراً عن حبها.
دار الأوبرا تستحق ساعات طويلة من أجل اكتشاف غنى وتنوع أقسامها الفنية الثقافية، وكذلك الاستمتاع بحديقتها الواسعة الجميلة..لكن الوقت دائماً بالمرصاد يضع الزائر تحت رحمة سيف التهديد بالرحيل.
في نهاية أسبوع الزيارة، تجولت قليلاً في المركز التجاري للعاصمة المصرية، عند تقاطع ستة شوارع ضخمة على مقربة من ميدان طلعت حرب، اشتريت احتياجات أطفالي، وانطلقت في سيارة أجرة إلى مطار القاهرة في طريق العودة إلى عمان ثم رام الله
على جسر الضفتين، كانت حركة المسافرين غرباً ظهر يوم السبت بطيئة نسبياً، فيما كان الباص الأخير بانتظار ما تبقى من مغادرين، ختمنا أوراقنا ودفعنا رسوماً مالية على كل ما نحمله، ولم تتبق إلا رسوم على أكسجين رئتنا، والأمر مشابه على الضفة الغربية للجسر، تذاكر عديدة يدفعها المغادر والقادم دون أن يسأل .. حتى وإن سأل لن يجد أجوبة، لا يعرف أين تذهب .. ولمن؟ ولا يقرأ كشوفاً مالية بأرقامها الشهرية أو السنوية وتوزيع صرفها .. تذكرت في استراحة أريحا "ريبورتاجاً" أعده زميل صحافي حول معاناة المسافرين عبر الجسر، أثار اهتماماً رسمياً وتقرر تشكيل لجنة لبحث الأمر، لكنني لم أعثر على إجراءات تخفف من عبء المواطن المثقل بكل شيء.

Comments»
ذكرياتي في مصر لاتنسى
والقراءة عنها يملأني حنين
أشكرك لأنك أعدت الحنين الذي أحب
سما حسن
أشكرك اولا
واسمح لي ان القي التحية على قلمك الذي أخط هذا الابداع.
واخط هذا النص الصحفي بصورته الجميلة الابداعية.