jump to navigation

الولايات المتحدة: فتنة الوهم وتوازن النقائض - بقلم : بسام الكعبي

8 May 2008 مصنف في: بسام الكعبي

 تخصص زوجها حامد بتجارة الأدوات الطبية وقضى طالباً في الولايات المتحدة ست سنوات متخصصا في العلوم الطبيعية، وعندما قرر الاقامة التقى بطبيبة تايوانية مطلقة لها ثلاثة أبناء، اتفقا على الزواج بحيث يحافظ كل منهما على أسرته وديانته ونمط وظيفته .
 ولحامد زوجة وأربعة أبناء في الضفة، اضطر لتطليق زوجته لأن قانون الأحوال الشخصية الاميركي يحظر الزواج بأكثر من واحدة في الوقت نفسه، والطبيبة التايوانية هجرت زوجها الطبيب الصيني لإدمانه على القمار، وبات حامد يرعى في شيكاغو ثلاثة فتيان في غياب والدتهم للعمل ليلاً بوظيفتها في المستشفى ويتابع في الضفة احتياجات أبنائه.
 حامد ملتزم اسلامياً بشكل كبير وهو يؤمن بامكانية عودة الخلافة الاسلامية، ولا يرى أي تناقض في زواجه من مسيحية تايوانية ورعاية أبنائها الصغار.
 هذا نمط آخر لمعادلة الحياة الاميركية: تبادل الخدمات والمنفعة وتقسيم الاعباء والأدوار والوظائف، انه توازن النقائض، وقطعاً مقابل توفير الاوراق اللازمة للجنسية الاميركية هناك ثمن لا بد من توفيره على حساب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والمفاهيم الدينية، ويبدو أن الافرازات المختلفة لرأس المال قادرة على إعادة صياغة معظم أوجه الحياة الفردية.
أبدى عماد استعداداً لنقلنا الى مدينة ميلواكي التي تبعد عشرات الأميال شمال شيكاغو لزيارة أصدقاء لنا، جهّز سيارته وانطلقنا نقطع الأميال بجوار البحيرة الكبيرة التي تشكل الجزء الجنوبي من البحيرات السبع العظمى في الولايات المتحدة وتمتد حتى حدود كندا الجنوبية بمساحات هائلة.
 وصلنا ميلواكي، المدينة الصناعية الكبيرة في ولاية ويسكانسن، أستقبلتنا طالبة الدراسات العليا في كلية الهندسة شيرين سالم من القدس ثم قادتنا الى مطعم صغير للجالية العربية تناولنا قهوتنا والتقينا الدكتور أسامه، الفلسطيني المهاجر من الكويت، والمحاضر في كلية الهندسة بالجامعة أوضح أن فكرة المطعم تقوم على محاولة ايجاد مكان لتجمع الطلبة العرب الذين يقومون بأعمال طوعية، وتبدو فكرة أسامه خلاقة في توفير مكان مريح للقاءات طلابية ووجبات طعام بأسعار رمزية.
 ودعنا الدكتور أسامه المنحدر أصلاً من مدينة يافا ولم يتمكن من زيارتها، واتجهنا مع شيرين نبحث عن صديقتنا "أم يونس" سيدة فلسطينية من بلدة قرب رام الله تعيش مع نجلها رمزي منذ عشر سنوات في ميلواكي وكان قد وصلها للدراسة منذ وقت طويل ثم التحقت به والدته بعد وفاة زوجها.
 كانت الاتجاهات سهلة على عماد، وساعد "الخليوي" في وضعنا على الطريق الصحيحة كلما فقدنا الاتجاه.. دقائق قليلة كنا نقرع جرس منزل السيدة "أم يونس" التي استقبلتنا بترحاب، جددنا معاً حكايات انقطعت منذ عشر سنوات، وبعد استراحة كافية من عناء السفر، أصرت على مرافقتها الى مطعم يوناني شهير مجاور لمسكنها، وفي الطريق أخبرتنا أن الأبنة الوحيدة لصاحب المطعم اليوناني أصرت على الزواج من شاب نابلسي واقيم بالمناسبة فرح فلسطيني – يوناني. تناولنا وجبة لذيذة طغى عليها الحلويات الشرقية اليونانية.. وعندما سألنا عن الفاتورة اكتشفنا أن "أم يونس" قد تسللت بهدوء تام لتسديد كامل حساب المطعم.. لم نفاجأ لأننا اختبرنا كَرَمَها عندما كنا نزورها في منزلها الجميل الهادئ قرب رام الله.
 روت "أم يونس" قصصاً متشابكة حول النجاح والفشل للجالية العربية، وتعتقد أن غالبية الشعب الاميركي طيب يجيد التعامل مع الآخرين، وقالت أنها نجحت في الحصول على عمل ورخصة قيادة للسيارة رغم عمرها المتقدم بالسن.. ودعتنا وهي حزينة وغادرنا ميلواكي بعد تأمين عودة شيرين الى سكنها الجامعي في المدينة، ثم قاد عماد سيارته مساء في طريق العودة صامتاً يقظاً لحركة المرور الكثيفة، فيما غط الجميع في نوم عميق لنفيق على صوت يعلمنا بسلامة الوصول الى البيت عند منتصف الليل.
 نجح عماد بعد مفاوضات شاقة في شراء بيت واسع وجميل بضاحية "يورك فيل" الثرية بمبلغ سقفه ثلاثمائة ألف دولار، استأجر شاحنة وحمّلنا معاً بمساعدة صديق وأفراد أسرته عفشه الى بيته الجديد، وفي الطريق أوضح أسرار شراء العقارات في الولايات المتحدة: الأمر لا يتطلب سوى دفعة أولى تسمى "داون بيمنت" تحسم مباشرة من القرض المالي ثم يجدول باقي القرض على مدار ثلاثين عاما، وقال أنه ملتزم منذ مطلع أيلول 2005 بدفعة شهرية قدرها 1800 دولار ناهيك عن فواتير الخدمات المختلفة.
 الغالبية المطلقة من سكان الولايات المتحدة لا تمتلك منازلها بل هي ملك لشركات الرهن العقاري وحال التقصير في دفع المستحقات لمدة شهرين متتالين يلقي بكل الأثاث خارج البيت وفق قرار قضائي يستند الى العقد بين البائع "الشركة" والمشتري.. هذه طريقة شراء العقارات التي تمولها قروض شركات ضخمة متخصصة تمتلك قدرة فائقة على فرض قيمة الفائدة التي غالباً ما تكون مرتفعة، والخيارات للمهاجر صعبة إما استئجار شقة بأكثر من ألف دولار شهرياً وأما شراء بيت بمبلغ كبير لا تقل دفعته الشهرية عن 1500 دولار.. وهل هناك خيارات أخرى سوى اللجوء للبنايات الحكومية التي توفرها للمهاجرين أو المحتاجين بأجرة مخفضة ولكن في أحياء بائسة.
عرضت شبكة "إن.بي. سي" الأمريكية فيلماً وثائقياً تلفزيونياً عن عائلة في ضواحي مدينة هيوستن في ولاية تكساس، داخل بيت متنقل وضعته في أرض عامة تبعد حوالي خمسة كيلومترات عن أقرب حي مأهول في الضاحية، احتج أهل الحي على العائلة، وطلبوا من البلدية إجلاءها. العائلة تتكون من خمسة أفراد: الأب والأم وابنتين وشاب، قالت الشكوى ان العائلة تقيم فوق أرض عامة وهذا ليس من حقها، ثم أن البنتين والشاب تجاوزوا سن البلوغ ولا بد أنهم جميعاً ينامون معاً، مع أن قانون المدينة يفرض أن يعيش الصبي في غرفة منفصلة عن الفتاتين، ولكن البيت المتنقل لا يضم إلا غرفة كبيرة واحدة، لذلك ارتكبت العائلة مخالفتين على الأقل.
 ثم عرض مقدم البرنامج مقابلة مع الأب رب العائلة فإذا هو رجل "محترم" في العقد الخامس من عمره، روى قصته باختصار: كنت أعيش قبل عام واحد فقط في منزل واسع لائق مثل الآخرين، ابنتي الكبيرة تتلقى دروساً في التنس مقابل عشرة دولارات في الساعة وابني الأصغر منها يتلقى دروساً في البيانو مقابل 18 دولاراً في الساعة، وكان يملك سيارتين ويدفع أقساط المنزل ولكن فجأة انهار كل شيء فقد اندمج مصنع السيارات الذي كان يعمل فيه منذ 16 عاما مع شركة أخرى وتم الاستغناء عن عشرات العمال والموظفين، وكان هو من بينهم، وعجز بعد أشهر عن تسديد أقساط المنزل، وأقساط السيارتين، وأقساط البيانو، فاشترى بآخر ما تبقى من مدخراته البيت المتنقل كي لا ينام مع أسرته في العراء، وأنهى رب العائلة موجز حياته، بنبرة محايدة تبعث الرعشة في الأطراف: أنا لم أرتكب أي خطأ، وكنت أعمل وأعيش مثل أي واحد منكم، وهذا يمكن أن يقع لكم أيضاً.
 رب الأسرة الأمريكي، ساكن البيت المتنقل، الذي صادر البنك منزله وأثاثه وسيارتيه لم يخطر له ولو للحظة أنه ارتكب خطأ عندما قرر أن يقترض من البنك فقد كان يعيش على الطريقة الاميركية.
  في الطريق الى المكان المفترض لمنزله، حدثني المهندس صلاح المقدسي عن رغبته في التأكد من وجود عائلة سوداء في الحي المرتقب لسكنه حيث باشرت شركة عقارية في بناء البيت بضواحي شيكاغو على أن تفرغ منه في غضون ستة أشهر.
 تبين من حديثه أن وجود عائلة سوداء في حي للبيض يقلل من سعر البيت ويهبط بثمنه تدريجياً.
 رأس المال العقاري يدرك هذه المعادلة، فعندما يبدأ ببناء حي جديد يعمد إلى بيع عقارات سكنية في حي قديم إلى عائلات مكسيكية أو سوداء، ليبدأ البيض بالمغادرة إلى أحياء جديدة، ثم يغادر الحي القديم العرب يليهم المكسيكيون، وهكذا يلاحظ أن المجموعات العرقية والاثنية يلاحق بعضها بعضا.  منذ عشر سنوات تقريباً كان المهاجرون العرب يسكنون ضواحي معروفة حول شيكاغو، ثم غادروها إلى أحياء أخرى عندما بدأ يسكنها المهاجرون المكسيكيون ثم السود، والآن باتت الأحياء التي تسكنها أكثرية عربية مثل "ريجنت" و "اوكلون" مهددة بفعل بدء انتقال المهاجرين المكسيكيين إليهما بالتدريج، فأخذ العرب ينتقلون الى أحياء مجاورة تدعى "تنلي باراك" و "اوكبارك" و"جولييت" وغيرها، وهي أحياء للطبقات فوق المتوسطة.
 غالباً تعبر الأحياء السكنية عن المستوى المعيشي المتقارب للسكان، ذلك أن أسعار الوحدات السكنية وقيمة قروضها تفرض ذلك، وكلما هبط مستوى دخل الأسرة كلما استقرت في عمارات سكنية كبيرة وفي أماكن بعيدة نسبياً، وكلما ارتفع دخلها بحثت عن بيوت مستقلة في مواقع هادئة مترفة تمولها قروض مالية أكثر.
 خلال 21 يوماً تنقلت بعدة ضواحي بأطراف مدينة شيكاغو تعيش فيها أقلية فلسطينية وعربية مهاجرة، ظهر على الفور أن غالبية العائلات تكافح بضراوة لضمان بقائها في الشريحة الدنيا للطبقة المتوسطة، ويشغلها حقيقة هويتها الدينية والقومية والأحداث المتلاحقة في فلسطين والعراق، ويسيطر عليها التدقيق ملياً بمتابعة سلوك أبنائها المراهقين خوفاً من ضياعهم، وأيضاً ملاحقة ادارية قانونية وبحرص شديد لضمان إقامة شرعية لمن لايمتلك والمساعدة قدر الامكان على توفير الوثائق التي تتطلبها هجرة أقرباء من الدرجة الأولى.
 سمعت عن سيدة عربية انتزعت شقيقتها من موطنها الأصلي عندما عرضت صورتها على صديق لزوجها وضمنته خطيباً، وتبين أنه لا يملك أوراق اقامة مكتملة، فاضطر لارسال صديقه لخطبة الفتاة وعقد قرانه عليها لضمان تأشيرة دخولها، وهناك سلّمها لزوجها.. هل تنجح الفتاة بتسوية أوضاع اقامتها ؟
 وعرضت سيدة أخرى صورة شقيقها على صديقة لها فوافقت على الخطوبة، ووصلت البلاد وتمكنت من العودة معه.. وبعد أشهر على الخطوبة اختلف الخطيبان وانفصلا وبات الشاب يبحث عن طريقة لضمان اقامة مشروعة، فيما عاشت سيدة أخرى 15 عاماً وحيدة حتى تمكنت من جمع شمل أسرتها.. هل تستحق الحياة في الولايات المتحدة كل هذه التضحية؟

ثلج أسطوري
انتهت الأسابيع الثلاثة سريعاً في شيكاغو، وفي نهايات حزيران غادرنا الى ولاية واشنطن في الساحل الغربي. وفي مطار "اوهير" الدولي كانت اجراءات السفر الداخلي سهلة، يكفي أن يعرض المسافر تذكرته وبطاقته الشخصية والمرور عبر بوابة اليكترونية ليصعد إلى الطائرة، كانت مقاعد طائرة خطوط "اليونايتيد" الجوية في حالة مزرية تكشف سر تخصيصها للرحلات الداخلية، وطوال ألفي ميل قطعتها الطائرة في خمس ساعات تقريباً لم يقدم شيء للركاب باستثناء حقهم في شراء علبة غالية الثمن من البسكويت الرخيص، فيما فرضت اجراءات السفر الداخلي على الخطوط الجوية منع الركاب من مغادرة مقاعدهم في نصفي الساعة الأولى والأخيرة من الرحلة.
 اجتازت الطائرة في دقائقها الأخيرة ثلاثة جبال مرتفعة يكسوها الثلج على مدار العام، أحد هذه الجبال يدعى "ماوتن هود" يقف وحيداً كهرم ثلجي عملاق على ارتفاع 3425 متراً، مرّت الطائرة بجانبه فاستفز مشهده الأسطوري كاميرات المسافرين في التقاطه واحتجازه رقمياً عبر عدسات الديجيتال.. بدت قمته أعلى قليلاً من جناح الطائرة التي حطت في مطار بورتلاند.

Pages: 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11

Comments»

لاتوجد تعليقات - كن أول من يعلق .

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security text shown in the picture. Click here to regenerate some new text.
Click to hear an audio file of the anti-spam word