jump to navigation

الولايات المتحدة: فتنة الوهم وتوازن النقائض - بقلم : بسام الكعبي

8 May 2008 مصنف في: بسام الكعبي

 في حي "تنلي براك" وفي لقاء تعارف سريع بمنزل الصحفي المخضرم تيسير ابو سمية، اعترف بسوء حال الصحافة العربية مؤكداً أن همّها الوحيد هو الاعلان التجاري فقط وينقصها الخبرات المهنية والتمويل، وكشف رغبته في إصدار مجلة شهرية حال توفر التمويل اللازم.
 غادر أبو سمية عمله الصحفي منذ سنوات عديدة، فقد كان يقدم برنامجاً تلفزيونياً أسبوعيا لجمهور الجالية العربية، والتحق في مجال التجارة واستيراد البضائع الصينية التي يتزايد عليها الطلب في أسواق الولايات المتحدة.
           صحف الجالية الفلسطينية ذكرتني بالصحف المقدسية: عندما التحقت بكلية الاعلام في جامعة بغداد اعترض والدي على التخصص بحكم ادراكه أن فرص مهنة الصحافة محدودة في العالم العربي ناهيك عن دخلها المالي المتدني، كانت رغبته بدراسة أي تخصص يؤهلني للعمل مدرساً في الخليج، لكني أفسدت رغبته دون قصد.
 بعد تخرجي الجامعي مطلع الثمانينات ودخولي عتبة المهنة في القدس، أدركت أنه كان محقا باعتراضه على العمل في الصحافة: بدأت محرراً في صحيفة "الشعب" المقدسية براتب من المخجل ذكره، منذ اليوم الأول تبين أن أقلام الحبر وأوراق الكتابة شبه معدومة، كان الزملاء يحررون أخبار وكالات الأنباء بما تيّسر لديهم من ورق محدود وأقلام حبر بائسة. بدأت بكتابة زاوية يومية بالكاد أصبح صدورها منتظما حتى اشترط صاحب الجريدة عدم توقيع اسمي عليها، اعترضت مستغرباً: ولكن هذه زاوية تحمل رأي كاتبها وليست افتتاحية تحمل وجهة نظر الجريدة .. أجاب ب "مهنية" لامعة لدينا أعمدة صحفية عديدة دون أن يمهرها أصحابها بتوقيعها . إذاً أعتبرني منذ هذه اللحظة مستقيلاً. لم يكن قد مضى على  وظيفتي أكثر من ثلاثة أشهر .
 التحقت محررا لمدة ثلاث سنوات في صحيفة "الفجر" كانت بدايات انطلاقتها المهنية الأولى مثار اهتمام الشارع الفلسطيني لمواقفها الوطنية، ومع مرور الوقت أخذ وضعها المهني يتردى، وأصبحت في حالة يرثى لها قبل إعلان موتها الرسمي بسنوات عدة .. كانت أخطاء التحرير الصحفي فادحة، تراجع مستواها التقني حتى باتت أعدادها تتكدس مجاناً في الجامعات المحلية دون أن يتناولها أحد.. مَنْ يصدق أن الجريدة الوطنية التي كانت محط اهتمام الأهالي في منتصف السبعينات عاشت أقل من عشرين عاما ورحلت بصمت قاتل هزيلة باهتة دون تشييع.    

قلب المدينة
لم يكن بالامكان المكوث في شيكاغو، دون تكرار زيارة قلب المدينة أو ما يعرف هناك باسم "الداون تاون" وفيها تتشابك البنايات الشاهقة يتوسطها جميعها "سيرز تاور" الشهير، اصطحبنا صديق العمر عماد جبر وأفراد أسرته بمشاركة أسرة شقيقه عدنان الى قلب شيكاغو .. ثم الى سوق "نيفي بيير" الشعبي الذي يضج يومين في الأسبوع على ايقاع حركة السائحين من داخل الولايات المتحدة وخارجها.
 تقع الاسواق المكتظة على امتداد جزء واسع من شاطىء بحيرة ميتشيغن التي تغفو بقربها شيكاغو، شوارع واسعة تمتلىء بالمحلات وتزدحم بالمارة وتصخب بالموسيقى والألعاب طوال عشرين ساعة فيما تحمل القوارب الصغيرة والسفن الكبيرة الراغبين برحلة قصيرة في البحيرة بينما يلهو الأطفال في ملاعب أعدت خصيصاً لهم.. وفي منتصف يومنا الطويل استضافنا عماد في مطعم ايراني شهير في قلب شيكاغو، كانت رائحة الأكل تعزز شرقية المكان الواسع والأنيق، تناول الجميع وجبة دسمة ختمها الشاي الايراني الفاخر.
 وعماد في منتصف الأربعينات، صديق قديم منذ المدرسة الابتدائية في مخيم بلاطة، تميّز بذكائه بين زملائه وكان يتقدمهم في العلامات المدرسية، أنهى دراسته الجامعية في العلوم من جامعة الاسكندرية وحاضر في قسم التحاليل المخبرية في معهد الطيرة للمعلمات (رام الله) ثم غادر إلى الولايات المتحدة منذ عشر سنوات حيث نال درجة الماجستير في التحاليل المخبرية ويعمل الآن في شركة أميركية متخصصة في هذا المجال، أسس مختبراً طبياً بمشاركة صديق له وذلك لضمان دخل إضافي يساعده على مواجهة احتياجات أسرة من ستة أفراد وأقساط شهرية كبيرة لمنزل واسع وجميل.
 ساعدني عماد في اكتشاف أحياء مدينة شيكاغو الضخمة وضواحيها الواسعة والمنتشرة وقدمني لأصدقاء كثر، أبرزهم عبد الرحمن هادي الذي استقبلني في بيته لأيام عديدة أثناء سفر أسرته الى الضفة الغربية، وفي لحظة تعارفنا الأولى أصر على استضافتي في بيته وكأنه يعرفني منذ سنوات طويلة.
 روى عماد: كنت أتوجه إلى مقر عملي عند الساعة الثانية فجراً في وقت تكون حركة السير شبه هادئة، وفي الشتاء كنت أواجه البرد القارص وأكوام الثلوج الهائلة على الطرق، كان عملي كمحلل مخبري يفرض وردية عمل ليلية لأصل أحياناً إلى مقر شركتي في ساعات الفجر من أجل التحضير لسحب الدم من المرضى في بيوت المسنين وفق عقد شركته مع هيئة التأمين الصحي الحكومي.
 تذكر أنه في إحدى زياراته لبيت المسنين، شاهد مسنة تنزف دماً من كل أطرافها بعد عملية جراحية، بدا متأثراً للمشهد لذلك بادرته المسنة فورا: أنت عربي
* كيف عرفت ذلك يا سيدتي؟
- كشف السر درجة تأثرك العاطفي؟ أنتم العرب على حق بحبكم واحترامكم لامهاتكم وتقديم المساعدة لهن عند الحاجة باعتباره واجبا أخلاقياً والتزاماً اجتماعياً وأسرياً.
المسنة وحيدة، لديها ولد وبنت يعيش كل منهما مع أفراد أسرته ولا يعنيهما شأن والدتهما.. وقد اعترفت أنها أخطأت عندما سحبت زوجها من حياة والدته ووالده، وهي تدفع الآن ثمناً، وقد رأت المسنة المريضة في نموذج الأسرة العربية التي تمنح الوالدين قدراً كبيراً من الاهتمام والاحترام الصواب بعينه.
 الموقف الأخلاقي من الأمهات كان يسيطر على أسئلتنا أثناء الطريق الى منزل الفلسطيني حامد خلف: هل غيب رأس المال إلى هذه الدرجة مشهد حضور الأم والأب في بيت الأبناء المتزوجين؟ كيف يفسر علماء الاجتماع هذا التغييب القسري وهذه الظاهرة المتزايدة في المجتمعات؟ هل هو الاقتصاد ونمط التعبير عنه مسلكياً وثقافياً ؟
 في حديقة جميلة لبيت هادىء، استقبلتنا زوجة حامد ونجلها الفتى اليافع، بدت ملامحها الشرق آسيوية واضحة تحمل على عنقها ما يدل على هويتها الدينية، وفرت لنا مكاناً هادئاً للنقاش وعشاء رائعاً ومتميزاً.
 قبيل اقتراب منتصف الليل اعتذرت السيدة لمغادرة منزلها والالتحاق بعملها كطبيبة في مستشفى، فهي تعمل بصورة منتظمة من الثانية عشرة ليلاً حتى السابعة صباحاً.

Pages: 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11

Comments»

لاتوجد تعليقات - كن أول من يعلق .

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security text shown in the picture. Click here to regenerate some new text.
Click to hear an audio file of the anti-spam word