jump to navigation

الولايات المتحدة: فتنة الوهم وتوازن النقائض - بقلم : بسام الكعبي

8 May 2008 مصنف في: بسام الكعبي

المحلات في "هارفي" تغلق جميعها ليلاً، ويأوي الفقراء إلى غرف نومهم، ويبقى مرقص وحيد يستقبل زبائن آخر الليل.
 مجدي حسين (42 عاماً) الذي غادر الشام فتى صغيراً، ويعمل بحي هارفي في بقالة لمواطن أردني، اعترف أنه زار المرقص مرة واحدة وظل المشهد في ذاكرته كما وصفه لنا: مدخل ضيق ومعتم تسقط إنارته من الأعلى، وعلى البوابة الحديدية الصغيرة تقف بائعة التذاكر يساعدها رجل حراسة وأمن، لا يتعدى رسم الدخول عشرة دولارات لمشاهدة نساء من مختلف الأعمار والألوان والجنسيات يؤدين رقصات على مسرح خشبي.
 قال مجدي أن المكان متواضع جداً، ولهذا تكلفته المالية محدودة في حين أن هناك مراقص للأثرياء تفرض رسوماً باهظة للدخول.
 تجنبنا المكان واتجهنا معاً إلى حي "جولييت" حيث يقع في طرفه البعيد ما يطلق عليه اسم "ال بوت" وهو كازينو قمار: مبنى ضخم جداً على شكل سفينة يوفر خدمات المقامرة عبر الماكنات الصغيرة المنتشرة بكثافة وطاولات لعب الورق التي تديرها نساء محترفات.
 المكان واسع جداً وهادىء، يتطلب الدخول إليه رسماً مالياً قليلاً على أن يتجاوز الزبون سن الثامنة عشرة.. هبطنا سلماً من الدرجات المكسوة بموكيت فاخر، وعلى امتداد مساحة شاسعة انتشرت آلاف ماكينات "الحظ" الصغيرة، الضربة الواحدة في بعض الماكينات قد تكلف دولارا وأخرى قد تكلف عشرة دولارات وظيفة الزبون إطعام الماكينة الأوراق المالية في مكان خاص بها لتبتلعها وتحولها الى رصيد رقمي على شاشتها، ومع كل ضربة حظ يرتفع الرصيد ثم يتراجع، وفي نهاية ضربات لا تتجاوز العشرين تكون الماكينة قد أجهزت على الرصيد.
 أجهزة مبرمجة بشكل لافت ومثير يستحيل معها أن يربح المقامر شيئاً، ومع ذلك جرب صديق حظه خسر عشرة دولارات بثانية واحدة وتوقف فورا.. ولحسن حظنا أن لا أحد من الرفقاء مدمن على ألعاب ماكينات القمار المبرمجة التي تمسح جيوب المدمنين.
 كان المدمنون الاميركيون يجلسون ساعات طويلة على طاولات لعب خاصة: "بلاك جاك" ويفرغ معظمهم جيوبه في لعبة الورق الخطيرة، فيما كان آخرون يجلسون طويلاً خلف الماكينات متمتعين بوحدة قاتلة، تشتعل السجائر بين أصابعهم وتصلهم قهوتهم بانتظام توفرها عاملات يرتدين زياً موحداً على مدار الساعة.. تأملتُ المكان جيداً كان آمناً ومنظماً ونظيفاً وواسعاً لكن ألعابه المُغامِرة لا تروق لي، تذكرتُ فوراً الراحل الشاعر الكبير عبد اللطيف عقل أستاذ مادة الفلسفة في مدرسة "الجاحظ" الثانوية بنابلس مُحذراً بشدة من فتك القمار ونقمة المخدرات، صَعَدت كلماته التربوية القيّمة إلى ذاكرتي كأني أسمعها الآن وليس قبل ثلاثين عاماً.. يا إلهي كم تصمد التعاليم التربوية الأخلاقية عندما يشعل فتيلها مُعلم نموذجي في ذاكرة طلابه..لك المجد يا أبو الطيّب في السماء فلم تزل روحك الطاهرة تُزهر قيّماً لطلابك على الأرض.
 قبيل زحف الليل غادرنا الـ "بوت" عائدين إلى المنزل بعد تجربة يتيمة تعيد للذاكرة لقطات مصورة للأفلام الأميركية التي تدور بعض مشاهدها في كازينوهات "لوس فيجاس" التي تعتبر المدينة العالمية الأعرق في ألعاب القمار المبرمجة.
 في كتابه المثير "الرهان السيء" يكشف الباحث الاميركي اوبراين أن كل أمريكي مقامر حتى يثبت العكس، وتضمن الكتاب الذي جاء في (350) صفحة حقائق مذهلة عن اقتصاد الكازينو وكيف تحول الاميركي الى مقامر مدمن في كازينو كبير، ويوضح الكاتب ان ألعاب القمار تشمل كل أنواع الرهان من اللوتري وسباق الخيل والملاكمة والعاب الكرة وصولاً الى البنغو والعاب الكازينو وسوق الأسهم، وجاء في كتابه إن المقامرة أكثر شعبية من البيسبول والسينما وديزني لاند مجتمعة، وقدر حجم المبالغ التي تعامل بها المقامرون عام 1996 بنحو 586 مليارا وخسر المقامرون اكثر من 47 مليارا (راجع مقالة الرهان الخاسر، مجلة العربي، عدد 485، نيسان 1999 ).
 
لغة شاهقة !
انشغلت أسرة مضيفنا منذ صباح الجمعة، وهو اليوم الثالث على وصولنا الى شيكاغو، بالاستعداد لصلاة الظهر، توجهنا معاً الى جامع "اوكلون" المجاور لمنزلهم،  تناولت ثلاث صحف عربية من المدخل الرئيسي للجامع، حملت نسخة من كل واحدة واستعرضتها سريعاً قبل أن يشرع الإمام جمال في خطبة الجمعة.
 ركز الشيخ في خطبته على التضامن والمحبة وعالج كيفية حل نزاعات العمل المتزايدة بين الأقرباء والأنسباء وأسهب في الحديث عن التسامح والأخلاق، كانت لغته العربية متماسكة ولكنها فوق طاقة الاستيعاب لشبان صغار ولدوا في الولايات المتحدة وتستعصي عليهم اللغة الفصحى، كان معظم المصلين من الجالية الفلسطينية التي تسكن على مقربة من الجامع ومن الفئات الشابة الصغيرة.
 وقبل إشارة الشيخ كمال لاقامة الصلاة أعلن عن ضرورة تبرع العائلات لاستضافة ذوي أطفال عراقيين مصابين سيصلون الى مستشفيات شيكاغو لاجراء عمليات جراحية لهم، وأوضح أن التبرع ينطوي على استعداد بتوفير المسكن أو المال أو الترجمة أو خدمات التنقل بالسيارة، وقرأ الشيخ اعلانات عديدة عن مناسبات أفراح وأتراح وغيرها، شعرت بقيمة إعلانه بشأن استضافة ذوي الأطفال العراقيين الجرحى، ترى هل تتمكن الأسر الفلسطينية والعربية في "اوكلون" التي تعيش في منازل منفردة ومتوسطة الحال وبدخل مالي معقول تحت ضغط غلاء متزايد من توفير الاحتياجات اللازمة لأطفال العراق ؟
في ساحة الجامع انتشر الباعة عرضوا صناديق الخضار والفواكه في سياراتهم بطابع من التكتم لأن القانون يحظر هذا النوع من المبيعات في غياب أسواق شرعية ومواد غذائية غير خاضعة للرقابة.
 على مقربة من احدى سيارات الباعة التقيت صدفة أحد المعارف وهو صاحب مكتبة، عرفني على أحد أقربائه المقيمين منذ زمن في ضاحية "اوكلون"، سألني عن الأحوال في الضفة والقطاع، وفتحنا نقاشاً سريعاً في شتى الموضوعات، تفاجأت عندما أعلن فرحه بسقوط النظام العلماني في العراق شارحاً: "موقفي واضح ضد الاحتلال الأميركي وضد استمرار النظام العلماني في السلطة بقيادة صدام حسين ليس لأنه طاغية بل لأنه نظام كافر، أعتقد أن الاحتلال الاميركي مهّد الطريق لانطلاق مقاومة إسلامية سوف تنتصر عاجلاً أم آجلاً ".
 لم يكن على استعداد لكي يسمع وجهة نظري في تحليلاته المبنية على أساس تقسيم العالم بين مؤمن وكافر، حاولت جاهداً توضيح رؤيتي من زاوية أخرى ولكنه تجاهلني .. حمل صندوقاً من الخضار والفواكه وغادر إلى سيارته.
 في ساحة جامع "اوكلون" احتشد بعد الصلاة الكثير من الفتيان والفتيات يتبادلون الحوار باللغة الانجليزية، كيف يمكن لهم استيعاب لغة فصحى تتضمن المفاهيم الدينية وتشرح المسلكيات الاخلاقية للمسلم.
 لاحظت خوف الآباء على ابنائهم والامهات على بناتهم من انحراف سلوكهم .. لذلك يلجأون الى الجامع، كمؤسسة دينية، لمساعدتهم في الحفاظ على تربية الأبناء وضمان عدم انحرافهم في مجتمع مفتوح لا يرحم، يسهل سقوط الفرد فيه إذا زل قدمه في طريق خاطئة.
 يتداول الفلسطينيون والعرب في أحياء شيكاغو قصصاً محدودة عن تسرب الأبناء والبنات من المدارس والجامعات وتدخين الماريغوانا وتناول الكحول وزواج بعض الشابات العربيات من أميركيين وتزايد نسبة الطلاق، وحكايات منتشرة أشبه بالشائعات يصعب توثيقها والتأكد من دقتها، ولكن طريقة روايتها تبرر إحكام قبضة الوالدين على سلوك الأبناء ومراقبتهم بدقة وحثهم على تأدية واجباتهم الدينية بشكل منتظم حماية لهم من مجتمع "فاسد" و "كافر" وفي تكرار التوصيف لأخلاقيات المجتمع الاميركي بصورة عامة دون ادراك عميق لفهم أسباب تشكلها يكمن المأزق الحقيقي للجالية العربية والاسلامية بمقاومة امكانية الاندماج النسبي ومواجهة صيغ مقبولة للتعايش تفرضها ظروف الهجرة والتعاطي مع المؤسسة التعليمية والاجتماعية والاقتصادية القائمة.
ماذا لو قررت الحكومة الأميركية التجنيد الاجباري للخدمة العسكرية في العراق كما فعلت في الستينات عندما كانت بمواجهة مسلحة مع ثورة فيتنام ؟ بلا تردد ربما يغادر أرباب الأسر العربية الولايات المتحدة على الفور .
          ليس سهلاً أن يوافق العربي على الخدمة في جيش يحتل العراق، ومع ذلك   
         هناك مَنْ يستجيب لاعلانات صحفية تطلب مترجمين عرباً للجيش 
         الاميركي برواتب سنوية تتجاوز 150 ألف دولار، وتنشر هذه الاعلانات            
         مدفوعة الأجر في صحف الجاليات العربية.

صحف بائسة
 حملت معي في طريق العودة الى البيت الصحف العربية: الميزان، الأفق العربي، المستقبل ورابعة دعائية تدعى الوسط. والصحف الثلاث تمتلكها الجالية  الفلسطينية، أفضلها مهنياً صحيفة "الميزان" لكنها لا تمتلك حرفية في صياغة  العناوين الصحفية ويغيب عنها الكادر الفني القادر على إخراج صحيفة متقنة،  تعتمد على شبكة جيدة من المراسلين في امريكا وخارجها وتطبع في العاصمة واشنطن مرة كل اسبوعين، وهي تصدر عن جمعيات خيرية اسلامية وتوزع في معظم ولايات الوسط والشرق . وتفتقر صحيفتا "الأفق العربي" و"المستقبل" لأية مهنية وتعتمدان على "الانترنت" في التقارير والأخبار، وهما أقرب إلى صحف اعلانات ولكن بطبعة فنية رديئة، والمفارقة أن بعض أعدادها صدر دون تاريخ .

Pages: 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11

Comments»

لاتوجد تعليقات - كن أول من يعلق .

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security text shown in the picture. Click here to regenerate some new text.
Click to hear an audio file of the anti-spam word