jump to navigation

الولايات المتحدة: فتنة الوهم وتوازن النقائض - بقلم : بسام الكعبي

8 May 2008 مصنف في: بسام الكعبي

وفي إطار تبادل الاتهامات بمسؤولية المخالفات تنتشر مفارقة بصيغة سؤال بين الشبان العرب: عندما يكون في السيارة أسود ومكسيكي، هل تعرف مَنْ هو السائق: مَنْ؟ السائق طبعاً.. رجل شرطة!!
ذكرت إحصائية أميركية عام 2004 أن حوالي 1500 مكسيكي يتدفق يوميا على الحدود الاميركية بحثا عن عمل، التقط مخرج سينمائي مكسيكي تزايد هذه الظاهرة فأنتج فيلماً بعنوان "طريق الشيطان" يروي قصة حقيقية لمجموعة شبان يقررون الهجرة الى الولايات المتحدة، وأثناء عبورهم صحراء أريزونا القاحلة التي يتطلب اجتيازها على الأقدام ستة أيام، هلك منهم عطشاً اثنا عشر شاباً وشارف أربعة عشر آخر على الموت.
 المفارقة أن الهجرة خلقت انقساما بين الاميركيين: مجموعة تنسق عملها الطوعي مع شرطة الحدود لمراقبة الطرق ومنع دخول المتسللين، وأخرى تبحث عن التائهين شمال صحراء أريزونا لتزودهم بالماء والأكل في محاولة لانقاذ حياتهم ومساعدتهم على استكمال اجتياز الصحراء.
يقيم الآن في الولايات المتحدة أكثر من عشرة ملايين مهاجر يعملون بأجور متدنية في قطاع الخدمات العامة والانشاءات، وستظل هجرة الشبان تتدفق طالما ظلت المعادلة الاجتماعية القائمة غير متوازنة: جنوب لاتيني فقير يمتلئ بطالة وشمال أبيض ثري مترف يبحث مواطنوه عن خدم بأجور متدنية.
 تباين الأوضاع الاقتصادية على طرفي الحدود فتح باب جهنم للهجرة إذ يلقى ثلث المهاجرين مصرعهم عطشاً أو قتلاً لحظة سلبهم واغتصابهم على أيدي المهربين .
 

قسوة "الاقامة"
في حي آخر للسود يدعى "تلال شيكاغو" مجاور لحي هارفي افتتح الشاب عمرو حسن من قضاء رام الله، بقالة صغيرة لا تتجاوز مبيعاتها اليومية 500 دولار، ولولا مثابرة عمرو وقدرته على انتزاع أعمال أخرى بتجارة السيارات المستعملة لما تمكن من الصمود في شيكاغو مع زوجة وثلاث بنات صغيرات. وعمرو القادم من البرازيل الى الولايات المتحدة اكتسب في اميركا اللاتينية تجربة متميزة جعلته يكافح بشدة لتوفير احتياجات أسرته.
يعمل في بقالة عمرو رجل يتجاوز الستين من العمر يدعى "أبو ماضي"، تضامن معه عندما علم أنه جمع ثروة طائلة أثناء عمله مديراً لأحد البنوك في الخليج العربي، ثم غادرها إلى الاردن والولايات المتحدة.. خسر جزءاً من ثروته أثناء البحث عن مشروع استثماري وطار الجزء الأكبر في مضاربات البورصة وفقد ما تبقى معه من مال عندما أنهى صاحب المحل الصغير في حي للسود التعاقد السنوي معه فحمل بقايا بضاعته إلى محل عمرو، أخذت بالتلف سريعاً مع انتهاء فترة صلاحيتها.
 ومنذ عشر سنوات يعيش أبو ماضي عالقاً دون أوراق رسمية في شيكاغو، قال الرجل بملامح هادئة: عندما ينهي آخر أبنائي دراسته الجامعية سأعود إلى الاردن، هنا الحياة قاسية وخاصة لمن هم في سني، حاولت كل الطرق للحصول على بطاقة إقامة بما فيها عقد زواج شكلي مع أميريكية، ولكن دون فائدة، لقد ضيّعت في مشروعات استثمارية وهمية أكثر من ربع مليون دولار هي ثروة العمر وكدت أخسر حياتي عندما تعرض محلي للسطو المسلح ولولا رحمة الخالق لكنت في عداد الموتى.
 يسكن أبو ماضي في شقة متواضعة تتجاوز أجرتها الشهرية نحو 800 دولار يتقاسمها مع اثنين من معارفه: ماجد أستاذ جامعي من الأردن يعمل بوظيفة جزئية في إحدى جامعات شيكاغو وينتظر حصوله على الجنسية الاميركية للعودة إلى الأردن وخليل مهندس أنهى دراسته العليا في الهندسة من جامعات ايطاليا ويعمل سائقاً على سيارة أجرة.. وبالكاد يستطيع الثلاثة توفير احتياجاتهم الشخصية وتسديد التزاماتهم المالية تجاه ذويهم في فلسطين والأردن.    
     في موقع بين حي هارفي وتلال شيكاغو وعلى مقربة من محل عمرو، يقع "سوبر ماركت" جواد أبوزر (49سنة) في حي للسود أيضاً والمحل واسع نسبياً يعمل فيه اثنان من رام الله وثلاثة من أبناء الحي.
 أخبرنا جواد أنه ليس قلقاً على حياته بين السود بل يشعر بالأمن بينهم، وهو على صداقة مع معظم الزبائن، اعترف أن محله تعرض لسرقات ليلية دون أن تشكل خطراً عليه، وهو يعمل منذ سنوات طويلة في المحل منذ الصباح حتى المساء، وقال أنه يغلق المحل مع هبوط المساء لان الليل يشكل مصدرا للقلق في هذا الحي.
 يسكن أبوزر في حي ثري بضواحي شيكاغو، ويعيش مرتاحاً مع أفراد أسرته: خمسة أبناء أكبرهم طالبة جامعية، ووصل إلى الولايات المتحدة نهاية السبعينات والتحق بالعمل مع أشقائه، ثم فتح محلاً لحسابه، وعائلة أبوزر، التي تنحدر من مدينة اللد، معروفة على نطاق واسع في الوسط العربي بضواحي شيكاغو، وتمكنت من احراز نجاح اقتصادي جيد.
 الشقيق الأكبر عادل وصل الولايات المتحدة في مطلع الستينات، وتمكن سبعة من أشقائه الالتحاق به تدريجياًَ، وعلى مدار سنوات طويلة استطاع معظم الأشقاء شق طريقهم بأنفسهم والنجاح بأعمالهم التجارية.
 أصر جواد على مرافقته يوم عطلته بجولة في منطقة "نفي بيير" السياحية، انطلقنا معاً عند الظهيرة، كان الجو ملتهباً فيما كان السوق في قلب شيكاغو يمتلىء بالزوار، على رصيف مجاور حجزنا بطاقتين للصعود على ظهر مركب سريع اقتحم بحيرة ميتشغن، انطلق المركب بسرعة كبيرة، دب الرعب في قلوبنا، وعلى مسافة بعيدة في البحيرة توقف قبالة المباني الشاهقة التي تحتل قلب شيكاغو، أشارت مرشدة المركب إلى العديد من البنايات، وتوقفت إشارة يدها مطولاً باتجاه برج "سيرز تاور" شاهق الارتفاع قائلة: "هناك تنتج اوبرا وينفري أميرة الاعلام، برنامجها التلفزيوني الشهير الذي يحمل أسمها وحولها إلى نجمة تلفزيونية لامعة  يصعب منافستها" .
اوبرا التي احتفلت مؤخراً بعيد ميلادها الثاني والخمسين تتربع على ثروة قدرها مليار دولار، أعادت تدوين وصيتها مجدداً بعد نجاتها من حادث تحطم طائرة هوت بها على جزيرة في المحيط الهادي، منحت الحصة الأكبر لمحتاجي العلاج والتعليم وخاصة الأطفال في العالم ولمؤسسة اوبرا وينفري من أجل توفير البعثات التعليمية ودعم المدارس في أفغانستان وافريقيا ومشروع قطار الأنفاق في الولايات المتحدة ومركز أبحاث الايدز في جنوب افريقيا، وأوصت بمليون دولار سنويا لصديقتها منذ ثلاثين عاماً غايل كينغ كاشفة أسرار عمق الصداقات الحقيقية التي تشعل القلب حباً وتؤجج العواطف الانسانية وتطلق العنان للروح للبوح والتعري دون خوف أو حواجز: "بسبب صداقتي للعزيزة غايل لم أمرض ولم أتلق علاجاً طوال حياتي".
لم تمنح اوبرا بنساً واحداً لصديقها ستيدمان غراهام الذي عاشت معه أطول سنوات عمرها بل أجملها كما تعترف وخرج صفر اليدين: "أنه رجل أعمال ناجح ويمتلك مالا وفيراً وهو ليس بحاجة لثروتي".
خصصت اوبرا خمسة ملايين دولار سنوياً لكلابها الخمسة: صوفي، سلمون، لوك، ليلى وغريسي لضمان استمرارية حياتهم المترفة بعد موتها، بالتأكيد يصعب تفسير هذا السلوك لكنه نمط شائع بين معظم الأثرياء تفرضه ثقافة متعالية تجاه الفقراء والمحتاجين  وإدعاء بعطف مزيف تجاه الحيوانات الأليفة منها والمتوحشة حتى أن بعضهم أقام جمعيات الرفق بالحيوان وليس الانسان!!
 ومع حقها المطلق بكيفية التصرف بثروتها التي حصدتها بصعود نجوميتها الفردية بعيداً عن نهب المال العام، أثارت اوبرا الاهتمام بخطواتها الجادة من أجل تخفيف آلام أطفال محتاجين ومرضى على هذا الكوكب الذي يفترسه الجوع بفعل جشاعة ووحشية بعض "أسياده" الذين يقبضون مجتمعين على معظم ثروات الأرض.
 أحد الزملاء الصحافيين الظرفاء أجرى مقارنة خاطفة بين اوبرا وبعض أثرياء العرب الذين احتلوا أعلى القائمة بين أغنياء العالم القلائل: "ثلاثة رجال يمتلكون أكثر من ستين مليار دولار نهبوها من ثروات بلادهم بفعل سلطتهم المطلقة ولم يقدموا شيئاً يذكر لشعوبهم وامرأة واحدة جمعت ثروتها بفعل موهبتها الفذة قدمتها كلها لمن ترغب وتحب بما في ذلك كلابها الخمسة، لَيّت أثرياء العرب يتعلمون درساً من أوبرا كيف تعامل كلابها المدللة"؟!
غطت وسائل الاعلام بشكل لافت اهتمامها بضحايا إعصار "كاترينا" في ولاية لويزيانا في الجنوب الأميركي على نهر المسيسبي مسقط رأسها، وأطلقت حملة لاغاثة منكوبي مدينة نيواورليانز المدمرة والغارقة تحت الماء، وتبرعت بعشرة ملايين دولار لبناء مساكن  للمشردين.. هذه اوبرا وينفري التي تشكل علامة فارقة في الاستثناء الطبقي والنجمة السوداء الرائعة، تطل علينا كل مساء عبر برنامجها التلفزيوني المنوّع والمثير وواسع الانتشار لتهمس لنا سراً أن القيم الانسانية ليست حكراً على لون أو طائفة أو قومية بل تتجاوز قامتها الزاحفة نحو السماء كل هويات الأرض.
غادرنا مركبنا في بحيرة ميتشيغان واقتربنا من برج "سيرز تاور" الذي تحتل طوابقه العليا استوديوهات اوبرا، قضينا بجواره سحابة نهار ممتع، وتذكر جواد زيارته للمكان الحيوي على امتداد السنوات الطويلة التي قضاها في شيكاغو: "نفي بيير مكان رائع يستحق زيارة واحدة أسبوعياً خلال أشهر الصيف" قال جواد مبتمساً .. عدنا مساء إلى منزله وأكملنا سهرة ودية مع لفيف من الأصدقاء المغتربين الذين أفاضوا بقصص فشلهم ونجاحهم لدى مغادرتهم الأوطان منذ سنوات طويلة خلت.
 وفي حي للسود يعمل محمد الشامي في بقالة يمتلكها شاب فلسطيني، مجاورة لمحل أبو زر، وعلى مدار عشرين عاماً من العمل المتواصل تمكن محمد من جمع مبلغ متواضع، سافر به إلى سوريا واحتفل بخطوبته ثم عاد إلى عمله، وخلال ثلاث سنوات طرق كل الأبواب من اجل ضمان وصول خطيبته إليه، وعندما شارف على الفشل الذريع لمعت في دماغه فكرة تهريبها عبر اميركا اللاتينية. نقل خطيبته من سوريا ثم اخترق بها عدة دول، وعند حدود المكسيك أدخلها إلى مستشفى وصلبها في قالب من الجبص، وأكمل إلى حدود اميركا مدعياً تعرضهما لحادث سير كاد يقضي عليهما، تعاطف الضابط المسؤول مع المرأة المصلوبة في قالب جبصي من رأسها حتى أخمص قدميها وسمح لها بالعبور.
 لم يمض على وجودها أكثر من عام حتى طلبت الطلاق، ونجحت قانونيا بالحصول على البيت، ثم تزوجت من آخر في بيت طليقها محتفظة بطفلها الصغير الذي يرى والده  مرة  واحدة  أسبوعياً .
 ويعيش محمد الشامي في محنة حقيقية موزعاً بين بيته الذي فقده وماله الذي هدره وزوجته التي طارت منه برفقة ابنه الصغير.. تراكم عليه المرض، بدا هرماً وبات يهدد بالانتقام حلاً للظلم الذي يدعيه.

Pages: 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11

Comments»

لاتوجد تعليقات - كن أول من يعلق .

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security text shown in the picture. Click here to regenerate some new text.
Click to hear an audio file of the anti-spam word