الولايات المتحدة: فتنة الوهم وتوازن النقائض - بقلم : بسام الكعبي
8 May 2008 مصنف في: بسام الكعبي أعتقد أن الجميع يمتلك ذخيرة من القصص حول العلاقات الطبية بين الطاقم الطبي والاداري المشرف من جهة والمريض وذويه من جهة أخرى، بعضها ايجابي وكثير منها سلبي مشوه فرضته الظروف القائمة وسلوك عنيف لأفراد يتفجرون على الدوام غضباً وقهراً.
تداعيات قصص المرضى وذويهم تداخلت مع اصرار نَسَبْ مفلح النجاة بحياتها رغم تكلفة العلاج الباهظ في الولايات المتحدة خاصة لمن لا يمتلك تأميناً صحياً.
بقالات "هارفي"
في الاسبوع الثاني كنت أقف على مدخل بقالة متواضعة في حي للسود يدعى "هارفي" يقع باحدى ضواحي شيكاغو، يمتلك البقالة صديقي عبد الرحمن نزال وشريكه المهندس فايز، يكاد مدخلها الضيق يتسع لمرور شخص واحد فيما يعلو صوت جهاز التبريد القديم بشكل مزعج دون أن ينجح بتخفيض درجة حرارة حزيران الملتهبة، في حين يتصبب الشاب الممتلىء هاني عرقاً وهو يبيع الزبائن السود سجائر قليلة ومواد غذائية شحيحة .. كان البائع هيثم يتعامل مع الزبائن من داخل غرفة زجاجية معزولة بقضبان حديدية، والدخول إليها يوفره باب حديدي موصد جيداً، ومن خلال فتحة صغيرة كان يتسلم نقود المشترين تنتصب فوق رأسه كاميرا متواضعة في محاولة لتوثيق حالات انتهاك مرتقبة.
أشار البائع هاني، الفلسطيني الأصل أردني المولد، نحونا للدخول بسرعة إلى زنزانته الزجاجية، أجاب مبتسماً على ردة فعلنا ودهشتنا كاشفاً سر هذه الرقعة الضيقة التي يقضي فيها يومياً نحو اثنتي عشرة ساعة واقفاً على قدميه بأجرة تدور في فلك الحد الأدنى للاجور (ستة دولارات للساعة الواحدة): "ربما يقي هذا الزجاج طلقة قاتل جاء يبحث عن حصيلة المبيعات اليومية التي يتراوح معدلها ألف دولار" وأشار مبتسماً إلى ركن في البقالة: "هنا في تلك الزاوية تعرضتُ لمحاولة قتل، وصُوب مسدس قاتل منذ ثلاث سنوات باتجاه رأس صاحب المحل، وأوشكت حياته على نهايتها لولا تردد القاتل في الضغط على الزناد".
وهاني شاب في مطلع الثلاثينات، وصل الولايات المتحدة منذ ثماني سنوات تقريباً قادماً من الأردن، وحتى الآن لا يمتلك إقامة شرعية، وحاول الحصول عليها من خلال اقترانه بامرأة مكسيكية لكنها باتت تبتزه وتحصل منه على ما تريد من أموال لقاء صمتها على وضعه غير الشرعي، لم يعد قادراً على تحمل هذا الوضع ووصل معها في النهاية إلى صفقة تقضي بان يدفع لها ما تريد من أموال جراء استكمال أوراق الطلاق !!
كنت أستمع بهدوء للقصص المتنوعة التي يرويها هاني حول ظروف الحياة التي تحاصر معظم الذين يعرفهم من المهاجرين العرب، تدخل عبد الرحمن نزال
(39 سنه) الذي ولد في بلدة قرب القدس وغادرها طفلاً صغيراً بعد حرب 1967 إلى الأردن حيث أنهى دراسته الثانوية بتفوق والتحق في كلية الطب مدة ثلاث سنوات لكنه غادر إلى الولايات المتحدة ويعمل حالياً في حقل المختبرات الطبية: "أذكر تماماً محاولة قتل تعرضتُ لها شخصياً عندما هاجمني رجل أسود قبل سنوات هنا في هذه البقالة، آمراً تحت تهديد السلاح كل الأموال التي بحوزتي، وضع المسدس في رأسي وأدركت أنها النهاية وبدأت تلاوة الشهادة، عندها ظن المُعتدي أنني اشتمه فازداد غضباً وكاد يضغط على الزناد لولا تدخل بائعة سوداء كانت تعمل معي، أكدت له أنني لا أشتم بل أُؤدي طقوس الموت، وأشارت إليه بأن يأخد كل الأموال على أن لا يؤذِ أحداً، وبالفعل خطف كل الأموال وخرج مسرعاً لنهب محل آخر مجاور يمتلكه عربي من اليمن، قاومه ورفض الاستجابة إلى تهديده بتسليم كل المال، فأفرغ الرصاص في رأسه، وبعد وقت قصير اعتقل القاتل وصدر بحقه حكم بالسجن المؤبد..ماذا لو قاومتُ قليلا أين سيستقر الرصاص في رأسي وهل كنت ستسمع مني حكاية موت شكلت مفصلا حيوياً في حياتي؟".
عبد الرحمن متزوج وله ثلاثة أبناء، نجح في حياته المهنية وقد نال درجة الماجستير في التحاليل الطبية والتحق بطاقم شركة مرموقة بمجال تخصصه المخبري، لكنه عانى سنوات طويلة سابقة من الاقامة غير الشرعية وظروف عمل صعبة، وتمكن مؤخراً من الحصول على بطاقة "غرين كارد" وفرها تعاقد عمل مع المؤسسة الطبية التي يعمل بها حالياً منذ أربع سنوات. بدأ حياته الطلابية متأثراً بتيار إسلامي في الأردن وبعد هجرته أصبح ليبراليا يتقبل مفاهيم مجتمعية أخرى لكنه حافظ على تديّنه، في حين بدأ شريكه المهندس فايز حياته الطلابية متأثراً بالاتجاهات القومية اليسارية ثم نقدها وتفحص نقاط ضعفها النظري حسب رأيه فتخلى عنها وأصبح متديناً.
البقالة ضيقة، يبدو أنها لا تتسع لضيف وبائعين وأصحاب محل وعدد من الزبائن، وفر فايز صناديق حليب فارغة من البلاستيك القوي، جلسنا عليها قرب مدخل المحل، وتحت درجة حرارة مرتفعة أدار فايز، وهو رجل أعمال ناجح وكريم من قرى نابلس الجنوبية، نقاشاً طويلاً رغم أنه لا يضيع وقته عادة بالحوار أثناء عمله واختتم بمعادلة ثقافية نمطية وشائعة: "العبيد مجموعة اميركية كسولة لا تهتم بالعمل اطلاقاً وليس لها طاقة عليه ولا تستطيع أن تكسب مالاً لذلك تستحق حياة الفقر".
للأسف تنتشر مفردة "العبيد" كمصطلح له دلالة عنصرية بين أوساط المهاجرين العرب، رغم أن الغالبية العظمى من المكسيكيين والصينيين والعرب والمسلمين يعيشون في ظروف اقتصادية تضعهم في مرتبة العبيد ؟
الاعتقاد أن الفقراء كسالى يخدم ثقافة سلطوية مهيمنة عالميا بتحالفات اقليمية تساعد على استمرار النهب الاقتصادي وتعبيد طريق الاستغلال، هناك قوانين واجراءات معقدة أعترف أنني أجهلها تضع السود خاصة والملونين عامة في هذه المرتبة المتدنية للمجتمع الاميركي .
أتفق مع فايز أن الجميع سواسية تحت القانون ويأخذ كل مقيم فرصة متساوية وبامكان أي فرد أن ينجح اقتصادياً وينتقل من فئة محتاجة الى أخرى أحسن حالاً شريطة أن يعمل بمثابرة ووفق القانون، ولكن هناك ظروف موضوعية وشروط، آمل أن أدركها يوما ما، تقف عقبة أمام السود لنيّل حقوقهم المدنية كاملة.
النقاش امتد لوقت طويل حتى أحرقتنا شمس شيكاغو، ولم نصل إلى قواسم مشتركة
وفايز دافع عن مفاهيم سائدة تتعلق بقواعد توزيع الثروات وتمايز الطبقات
الاجتماعية وتمترس حول فكرة أن الملكيات لا شأن للانسان فيها.
استخدام مصطلح "العبيد" محظور تماماً وفق القوانين الأميركية ولكنه للأسف دارج على ألسنة العرب وآخرين من البيض وغيرهم، لكن اللافت أن بعض الباعة العرب يعملون في وسط أحياء السود الفقيرة ويعيشون على أرباح ما يسمى بـ "شيكات التموين الحكومية" أو "فود ستامب" التي توزع على المحتاجين السود لشراء المواد الغذائية الأساسية لأفراد أسّرهم وخاصة الأطفال منهم.
سمعت أن كثيراً من الباعة العرب وغيرهم جمعوا ثروة طائلة من خلال كوبونات
التموين الحكومية التي كانت تستبدل بنصف قيمتها الفعلية نقداً.. ولكن في الفترة
الأخيرة زادت الرقابة والقيود بشكل ملحوظ على عملية صرف الشيكات الحكومية
لأغراض الغذاء وبات أي متلاعب عرضة لنار الاجراءات القانونية.
المفارقة أن تعامل بعض الباعة الدوني مع السود أوجد مناخاً من التحريض على القضايا العربية، ونجحت مؤسسات معادية ببث دعاية مسمومة حول مسؤولية عرب شمال افريقيا بنشاطهم كوسطاء استهدف نقل عشرين مليون أسود إلى أميركا واوروبا عبر بوابات المحيط الأطلسي، وشهدت عمليات "بيع العبيد" مقتل ستة ملايين أسود أثناء اجراءات الترحيل بحراً على مدار سنوات عديدة.. ومع أن أوساط بيضاء وطوائف دينية في هولندا اعترفت بمسؤوليتها عن نقل السود من افريقيا إلا أن التحريض لا زال متواصلاً تجاه العرب، وهناك مَنْ يتحمل في الطرف العربي بمواقفه ومسلكياته مسؤولية النفخ في جمر التحريض تجاه العرب.
قبل مغادرة البقالة العربية في حي هارفي، دققت ملياً لآخر مرة في الزبائن: شبان صغار يرتدون ملابس رثة وقبعات غريبة يتوقفون بسياراتهم القديمة المتهالكة يترجلون منها لشراء سيجارة أو سيجارتين، وسيدات بدينات يدفعن القليل لقاء مواد غذائية محدودة، كثير من القطع المعدنية الصغيرة تبادلها البائع والمشتري في حين أن الصورة النمطية للاميركي أنه يدفع عبر "فيزا كارد"!!
غادرت الحي مع صديقي عبد الرحمن، وفي الطريق أشار إلى بقالة اليمني الذي قتل بالرصاص، وبدا المحل عن بعد كأنه سجن مقيّد بشبك حديدي.. وفي الطريق أيضاً شاهدت محلات عربية مشابهة لمهاجرين من الأردن وفلسطين وسوريا وغيرهم، كانت اليافطات الصغيرة تحمل أسماء عربية بحروف انجليزية.
المحلات التجارية الضخمة التي تعرف باسم "المول" غير موجودة على الاطلاق في أحياء السود، بينما تنعدم البقالات المكسيكية والعربية والصينية الصغيرة في أحياء البيض، المعادلة واضحة: السود لا تتوفر لديهم القدرة الشرائية لتعبئة العربات بالبضائع والدفع حسب نظام "الفيزا كارد"، وهم جاهزون حسب رأي أصحاب الشركات العملاقة لنهب البضائع دون أي حساب لأجهزة الانذار التي تكشف السرقات أو الخوف من رجال الحراسة، بينما يمتلك معظم البيض قدرة شرائية وأموالاً، تجعلهم يتجنبون شراء احتياجاتهم من المحلات الصغيرة للملونين.

Comments»
لاتوجد تعليقات - كن أول من يعلق .