الولايات المتحدة: فتنة الوهم وتوازن النقائض - بقلم : بسام الكعبي
8 May 2008 مصنف في: بسام الكعبي وأعلنت أواخر تشرين الأول (2005) وسائل الإعلام وفاة روزا باركس عن عمر يناهز 92 عاما في مدينة ديترويت بولاية ميتشيغن، الخياطة السوداء البسيطة التي أطلقت عام 1955 شرارة العصيان المدني الذي أعلنه السود في الولايات المتحدة، وقد تحول العصيان الى مواجهات مسلحة مع السلطة الفيدرالية وأدى إلى تعديل قوانين التمييز العنصري.
نقل جثمان روزا بطائرة من ديترويت الى مبنى الكونغرس في واشنطن، ومن المطار نقل بموكب جنائزي مثير يتقدمه باص يعود للعام 1957، سجّي الجثمان في مبنى "الكابيتول" على غرار ثلاثين شخصية اعتبارية فقط حظيت بهذه التشريفات منذ العام 1852م، وهي أول سيدة تتلقى هذا التكريم وثاني شخصية من السود.
انحنى أمام نعش "أم الحقوق المدنية" الرئيس الاميركي جورج بوش وزوجته لورا فيما أنتظر الآلاف قرب مبنى الكونغرس رافعين لافتات: شكراً يا روزا باركس.
خطت باركس سطورها في تاريخ الولايات المتحدة عندما رفضت ذات يوم بارد من كانون الأول في مدينة مونتغمري بولاية ألاباما أن تخلي مقعدا على متن حافلة كان مخصصاً للبيض، وأدى رفضها هذا إلى اعتقالها من قبل الشرطة، فقرر السود مقاطعة وسائل النقل العام احتجاجاً على التمييز ضدهم وذلك في خطوة تاريخية جريئة قادها رمز الحقوق المدنية بأمريكا القس الشاب مارتن لوثر كينغ. استمر الاضراب 381 يوماً، وتوقف عندما نجح المحتجون في انتزاع حكم قضائي ينهي الفصل بين البيض والسود في وسائل النقل العام، إلا أن النضال تواصل حتى تم اقرار قانون "الحقوق المدنية" عام 1964.
وعلى خلفية هذه الجرائم أسس المحامي مارتن لوثر كينغ حركة الحريات المدنية وبرز كزعيم اسود في مواجهة الاضطهاد العنصري، ووصف كينغ في كتابه "التحرك نحو الحرية" الذي صدر عام 1958 موقف روزا باركس بأنه تعبير فردي عن الاشتياق للكرامة الانسانية والحرية. ولم يتمكن الزعيم لوثر كينغ من إتمام نضاله الاجتماعي حيث تعرض للاغتيال في الرابع من نيسان عام 1968 في بلدة ممفيس بولاية تنسي عندما أطلق قناص النار على رأسه من خلال نافذة فندق أقام به للتضامن مع إضراب عمال المرافق الصحية. وواصلت أرملة الزعيم كينغ حتى قبل رحيلها مطلع العام 2006 مطالباتها المتكررة للقضاء الاميركي، الكشف عن الجهة التي تقف وراء الاغتيال، ورغم أنها لم تتلق حتى رحيلها إجابات واضحة، لكنها ظلت رغم مرضها وتقدمها في العمر (78 سنه) تواصل نضالها للكشف عن القاتل المأجور والدفاع عن حقوق السود على خطى زوجها الراحل.
لقاء تداعيات
في ضاحية "اوكلون" جنوب شيكاغو دخلنا أول مبنى تجاري ضخم يدعى "وول مارت" وهو سلسلة من المحلات الواسعة التي تبيع كل شيء تقريباً، كان الزبائن يدفعون عرباتهم في كل إتجاه يحملون أكثر من احتياجاتهم. المختصون في مجال كبح رغبات الاستهلاك لدى الأفراد، أكدوا أن الدافع وراء توفير العربات الواسعة نسبيا في المحلات الكبيرة يهدف إلى إغراء الزبائن بتحميلها بالمواد الضرورية وغير الضرورية، وهو شكل "ابداعي"، إذا جاز التعبير، في فن التسويق الذي يغري الزبائن بشكل غير مباشر من أجل تعبئة سلالهم بالبضاعة.
تمتلك "وول مارت" شبكة واسعة جداً من المحلات في جميع الولايات المتحدة، يعمل فيها نحو نصف مليون مستخدم، وقد انتظم العاملون فيها في إطار نقابي خاص بهم، وخاضوا مواجهة مع الشركات العملاقة التي تتحكم برأسمال المحلات، وهدد العاملون باعلان إضراب مفتوح عن العمل إذا لم تطرأ زيادات فعلية على الرواتب. محلات "وول مارت" تستقبل زبائنها على مدار الأربع والعشرين ساعة، وهي جاهزة لمراكمة ديون المستهلكين .
في أحد مداخل "وول مارت" تفاجأت بالسيدة نَسَبْ مفلح التي تنشط بمنظمة أهلية مقرها وسط الضفة الغربية تعنى بالدراسات والأبحاث الخاصة بأطفال فلسطين.
بادرتني مبتسمة: أنا هنا لمتابعة علاجي من سرطان الرئة.
* لكن تبدين مرتاحة وأعصابك متماسكة.
- الآن فقط هادئة، لقد تسلمت منذ ساعة واحدة نتائج ايجابية للفحوصات الطبية من إحدى كليات الطب المتخصصة في شيكاغو تؤكد أن التشخيص السابق غير صحيح.
كانت تبدو ملامحها مرهقة مع أنها في العقد الثالث من عمرها كشفت أنها اجتازت مرحلة قاسية عندما شخّصت عيادة طبية متخصصة في الضفة الغربية بأنها مصابة بسرطان الرئة، على الفور اتخذت قراراً بالمغادرة إلى أمريكا للعلاج، واكتَشَفتْ هنا أنها غير مصابة بالسرطان، هل يعقل أن يكون التشخيص الطبي لعيادة متخصصة في هذا المستوى المتردي وهل من مساءلة ؟؟
غادرت "الوول مارت" متمنياً لها شفاء تاما مسترجعاً عشرات القصص الأليمة عن المرضى والأطباء والمستشفيات والعيادات والتعامل الفظ القاسي مع المراجعين وألهبت بعض الحكايات نيران ذاكرتي:
في مطلع التسعينات عندما كنت محرراً في صحيفة يومية بمدينة القدس، وصلتني
رسالة من مواطن يشكو فيها أمره، نشرنا رسالته في زاوية القراء حرفيا: نقل ابنته الحامل إلى مستشفى في شمال الضفة لضمان ولادة آمنة، تبين أن حالتها صعبة فتقرر نقلها إلى مستشفى آخر في مدينة أخرى، نقلت على حمالة سيارة الإسعاف وعند تشغيلها تبين أن البنزين قد نفذ منها، أبدى والد الحامل استعداده لدفع تكاليف محروقات سيارة الإسعاف التي نقلت المرأة الحامل إلى ثلاث مستشفيات في شمال الضفة دون أن توافق إدارة إحداها على استقبال الحامل دون مبرر حتى وصلت جثة هامدة في نهاية المطاف فحجزت مكاناً في غرفة الموتى بالمستشفى، جهّز الرجل جثمان ابنته للدفن وقبيل مغادرته المستشفى قدم المحاسب كشف الحساب متضمناً أجرة سيارة الإسعاف واستخدام نقالة الموتى !!
يخلق الاهمال والتعامل الفظ مع المرضى والمراجعين في بلادنا إشكاليات كبيرة، ويعرض أحياناً الطاقم الطبي لاعتداءات المواطنين، أذكر قصة اعتداء أشقاء في شمال الضفة على طاقم طبي أشرف على ولادة شقيقتهم الشابة وقد أبدى الطاقم ارتباكاً كبيراً أثناء عملية الولادة رافضا الافصاح عن خطورة الحالة، وعندما توفيت الحامل مع جنينها خرجت إحدى الطبيبات مبتسمة وهي تعلن خبر الوفاة، فانقض الأشقاء على الطبيبة وأفراد الطاقم وأوسعوهم ضرباً.
مطلع التسعينات كان الشاب أيمن عزمي غائباً عن الوعي ممدداً في سريره
بغرفة الانعاش المُرَكز بمستشفى مقدسي يعاني آلاماً حادة في الدماغ غيبتّه عن الوعي، وقد وصلت والدته في حالة انهيار من الولايات المتحدة، كانت تبكي دماً فوق رأس نجلها فيما كان أفراد الطاقم الطبي المشرف على قسم العناية الحثيثة يتبادلون النكات السخيفة والتعليقات الباهتة حول مكتبهم داخل القسم.
خجلت من سلوكهم وطلبت من أحدهم البحث عن مكان آخر لتبادل التعليقات احتراماً
لذوي المرضى الذين يرقدون على أسّرتهم في حالة خطيرة، أجاب بفظاظة: يومياً
نتلقى عشرات الحالات وليس سهلاً التضامن صمتاً وحزناً مع ذويهم طوال الوقت.

Comments»
لاتوجد تعليقات - كن أول من يعلق .