الولايات المتحدة: فتنة الوهم وتوازن النقائض - بقلم : بسام الكعبي
8 May 2008 مصنف في: بسام الكعبي طوال ساعات مريرة من الطيران تكدس المسافرون في مقاعدهم الضيقة، كان يخفف عنهم قليلاً عرض أفلام حديثة على شاشات تلفزيونية مثبتة أمامهم فيما تصلهم الموسيقى عبر سماعات خاصة تم تثبيت أسلاكها بجانب المقاعد ناهيك عن خدمات مميزة لطاقم المضيفين والمضيفات الذين قدموا وجبتين متواضعتين خلال الرحلة التي اجتازت فيها الطائرة المحيط الأطلسي وواجهت مطبات هوائية صعبة تغلبت عليها إلى أن حطت في مطار دولي مزدحم بحركة الطيران بمعدل ثلاث طائرات في الدقيقة الواحدة.
كانت صالات المطار مزدحمة بالمسافرين تكشف عن إيقاع سريع للحياة الامريكية:
ينتظر ركاب الطائرات القادمة من مختلف بقاع العالم دقائق قليلة قبل تفحص وثائقهم والتقاط حقائبهم، المغادرة سريعاً الى شيكاغو المزدحمة التي يعيش فيها نحو أربعة ملايين نسمة. سلمنا مغلفات معاملات الهجرة وفق تعليمات مسؤول ملف الهجرة في القنصلية الاميركية بالقدس التي تشترط تسليمها مغلقة تماماً في أول نقطة حدود يتم اجتيازها إلى الولايات المتحدة.. ومن خلف زجاج بسيط تسلمت موظفة حكومية في المطار الأوراق وأرشدتنا للانتظار بمكان مجاور لمكتبها، وبجوار عشرات المنتظرين في صالة هادئة بملامح صينية وهندية واوروبية وشرق أوسطية، كان المنتظرون بأعمار مختلفة يحملون بين أيديهم مغلفات الهجرة، بينما ينادي موظف بملامح آسيوية على أسماء المنتظرين بلغته الانجليزية التي تتداخل معها لهجته الخاصة، فيما تبدو وقع الأسماء غريبا نوعاً ما حتى على أصحابها، وعندما سمعنا أسماءنا اتجهنا إليه وتأكدنا من صحة وثائقنا.. بصّمنا بالابهام على جوازات السفر الفلسطينية بجانب التأشيرة وسلمنا له المعاملة واستلمنا الجوازات وغادرنا نبحث عن حقائبنا قبل الالتقاء بالأهل الذين ينتظرون على بوابات صالات القادمين.
حملنا الحقائب على العربات الصغيرة وانتظرنا دورنا في التفتيش الروتيني: هل تحملون مواد غذائية.. لا نحمل. هل تحملون أكثر من عشرة آلاف دولار للشخص الواحد. طبعا لا نحمل. إذاً رافقتكم السلامة، وخرجنا من القاعة دون أن تمّس حقائبنا.
كان شقيق زوجتي حسن صالح وقرينته "أم احمد" بانتظارنا، شاهد نضال ونادين خالهم لأول مرة، تبادلنا الأحاديث السريعة ثم حملنا الأمتعة إلى سيارته وقادنا إلى ضاحية "اوكلون" على بعد 40 ميلاً من المطار، تداخلت سيارته مع حركة آلاف السيارات التي كانت تجتاز بجنون الطرق السريعة والجسور المخيفة حول مدينة شيكاغو، وعلى الفور أدركنا خطورة الموت قتلاً في الشوارع المزدحمة التي لا ترحم وسر حوادث السير التي تبتلع مئات المركبات وعشرات الركاب والسائقين عند ارتكاب أخطاء في شوارع مكتظة يحكمها قوانين سير واضحة وصارمة وتحت رقابة مستمرة لشرطة المرور.
اجتزنا حواجز اليكترونية على الطريق السريعة التي تعرف بـ "الهاي واي" وسمعنا صوت صفير يصدر من جهاز صغير مثبت على الزجاج الأمامي للسيارة يعلن عن حسم نصف دولار من الحساب البنكي الشخصي كرسم لاجتياز الطريق السريعة، وبدون دفع الرسوم المقررة يتعرض السائق لمخالفة قدرها عشرون دولارا، وتثبت المخالفة أجهزة تصوير اليكترونية قادرة على التقاط لوحة السيارة المخالفة. ومع كل اجتياز تدفع السيارة الصغيرة نصف دولار من خلال الدفع الاليكتروني وحوالي دولار للدفع اليدوي في صندوق خاص أو لموظف "الكابينه" المرابط على الطريق، وكلما كان حجم السيارة أكبر كلما كانت رسومها المالية أعلى. وقدّر "أبو أحمد" بأنه يدفع شهرياً نحو مائة دولار كرسوم مرور على سياراته الثلاث الخاصة كلما اجتازت الطرق السريعة حول شيكاغو، وبحسابات بسيطة يتضح أن الشركات الخاصة التي تتولى صيانة الطرق السريعة تجمع سنوياً مئات الملايين من الدولارات تنفق جزءاً منها في الصيانة وفتح طرق جديدة لتخفيف الازدحام وتسهيل حركة مرور المركبات.
شبكة الطرق السريعة من مسؤولية الشركات الخاصة التي تتولى صيانتها بعقد سنوي مع الحكومة الفدرالية في الولاية، فيما يسدد السائق من حسابه الشخصي رسوم الصيانة.. بدأنا نلمس بالواقع حجم الفواتير الشهرية المترتبة على المقيم في الولايات المتحدة، وقبيل وصول البيت سدد أبو احمد فاتورة الطريق السريعة، فاتورة استخدام كراج للسيارات مجاور للمطار بقيمة عشرة دولارات للساعة الواحدة وتحسم من الحساب البنكي الشخصي من خلال "فيزا كارد" تمرر عبر جهاز خاص يصدر ورقة تعليمات تتضمن ساعة بدء انتظار السيارة وتثبت على الزجاج الأمامي ودون ذلك يتعرض صاحبها لمخالفة مالية باهظة عندما يقوم الشرطي بتفحص المركبات، وكذلك فاتورة بنزين السيارة حيث تدفع بشكل غير مباشر..وأدركنا فيما بعد أن الفواتير الشهرية التي تهبط على الدَخْل المالي للأسرة وتهدد بتآكله فعلياً يقترب عددها من العشرين فاتورة حساب.
رصاصة للفتى الأسود
ضج الأسبوع الأول لاقامتي على إيقاع حادثين مثيرين: فقدان طالبة مدرسة ثانوية خلال رحلة صيف في إحدى الجزر الواقعة بولاية ايلينوي على بحيرة ميشيغن، وإعلان مشرفة الرحلة بأنها لن تعود إلى بلدها دون اتضاح مصير طالبتها المفقودة، وتجوّل آلاف المتطوعين في الجزيرة بحثاً عنها ليظهر لاحقاً أنها تعرضت للخطف والقتل دون أن يرشد القاتل لمكان الجثة.
الحادث الثاني يتعلق بقرار قضائي يقضي باستخراج رفاة فتى أسود من قبره للتأكد من سبب وفاته مقتولاً بطلقة في رأسه بعد اعتراف رجل أبيض بأنه قام بتصفيته احتجاجاً على سخريته في مطلع الستينيات من امرأة بيضاء. وأدت عملية قتل الفتى الأسود الى تعزيز نشاط حركة الحريات المدنية في الولايات المتحدة احتجاجاً على طغيان العنصرية.

Comments»
لاتوجد تعليقات - كن أول من يعلق .